تعكس هذه المجموعة القصصية قضية العلاقة بين التراث والعمل الفني. فماذا نفعل حين ننشد الاقتراب من الكنز المرصود ! وهل يمكن أن نعيد صياغة حكاية شعبية, ونبعث فيها روحاً معاصرة؟ ثم كيف يعالج القاص اللغة باعتبارها مقوما أساسيا في العمل الفني, وكيف يجعل من خبرته بالحياة - بقوة الفن - شيئا يتجاوز همومه الذاتية وخبرته الشحخصية؟
قرأت المجموعة من مجلد الأعمال الكاملة لخيري عبدالجواد، والذي تُعد هذه أول مرة ألتقي به في حياتي، أو أعرف به، في مجموعة قصصية، يقول هو تعقيبًا عليها أن ما انطبع فيها شكل أسلوبه الأدبي من بعدها برُمته. الحق أن جرعة التفرُد في هذه المجموعة كفيلة بطبع مشوار أدبي بكامله، بما لها من جذور شعبية أصيلة وواضحة المعالم. رغم أنني نويت قراءة الأعمال الكاملة، فقد آثرت مراجعتها كل كتاب على حدة.
في تذييل كُل قصة تُظهر سنة الكتابة، والتي تشي أن المجموعة نضجت بهدوء وعلى غير استعجال، و كتبت قصصها القصيرة على مدى خمس سنوات..
في الدفعة الأولى للقراءة، غلبتني دموع دافئة مرتين في قصتين متتاليتين، هما "عن الدود والشرانق والموت"، والأخرى "النحلة". لم أكن أتخيل أن يشملني كل هذا الشجن بسبب قصتين عن فقد الأم بهذه البساطة. الأولى تحكي عن صغير ماتت أمه بفشل الكلى، قبل أن يضع شرنقته في ماء مغلي، ويبيع حريرها فيوفر لها العلاج، فتحتال الشرنقة فراشة بالتزامن مع موت الأم! والأخرى تحكي عن صغير يشتهي دبّور جديد، وبيجامة، وشقة بطيخ.. ولا يجد عطفًا من زملائه في الحارة إلا وهو عائد من جنازة أمه، مايلبث إلا أن يتبدد سريعًا..
حكاية البنت زقلط أيضًا على طرافتها عصرت فؤادي، تفاعُلا مع هذه الفتاة التي تشتهي الزواج وقريناتها تسبقنها، رغم سلوكها الشاذ وتحرُشها بالصبيان الصغار، ورقة قلب الفتى الذي تكبره بعشرين عامًا لها أخيرًا "يالله نلعب عريس وعروسة، وسوف أتزوجها لأن أحدًا لم يتزوجها".
خلاف القصص الثلاث السابقة، انفعلت بقصص أخرى، كظل الحبيب، والحاوي، وأغلبها الجذر الشعبي ممدود فيها
مايستحق الإشارة أيضًا، ثلاثية فقد أمي، وهم ثلاثة نصوص منفصلين متصلين، عن رؤيا الأم ويقينها بالموت، ومعالجتها سكراته على الطريق لمسقط رأسها، وارتقاها أخيرًا في كوم الضبع، في رحاب مولانا الضبعي.. الحقيقة أن توظيف الإرث القرآني من التراكيب والتعبيرات في النصوص الثلاثة أقل ما يُقال عنه أنه كان مُدهشًا.
كُنت مستخبي مننا فين يا عم خيري قبل كدة.. رحمة ونور