مظهر شقير، موظف شاب ذي ماضٍ مُبهَم، يتم تعيينه في القلم التركي بقصر عابدين في 1879. وما بين أصول (مظهر) التي تتكشف تدريجيًا، والتدرج الوظيفي السريع الذي يناله، تنقل الرواية الأوضاع الإقليمية المجاورة، والوضع الدولي المتزامن، من روسيا القيصرية، إلى الدولة العثمانية، من تربص فرنسا وتريُّث إنجلترا، إلى دولة ألمانيا الجديدة، وأميركا الدولة البازغة الطموح، كل ذلك من خلال (مَظهر شقير) بطل الرواية وساطر سطورها، كاتب مَحَاضر بقصر عابدين، حيث يروي كل ما يعاصره بالتزامن مع ماضيه الغامض الذي يطارده، دون جهد منه ولا رغبة.
محمد أحمد الناغي: قاص وروائي مصري- بكالوريوس تجارة جامعة قناة السويس- قسم إدارة أعمال. ليسانس آداب قسم لغة عربية جامعة بورسعيد. من مواليد 12 من يوليو 1979- محافظة بورسعيد. عضو عامل باتحاد كُتَّاب مصر.
الجوائز: الرواية: - فازت روايته "العِقد الثالث" بالجائزة الثالثة بمسابقة نادي القصة 2017. - فازت روايته "الصحفي" بالجائزة الرابعة في مسابقة المجلس الأعلى للثقافة دورة محمد البساطي 2014. - حصل على الجائزة الرابعة في مسابقة نهاد شريف للخيال العلمي 2013، عن رواية (الانعكاس الكوني(.
القصة القصيرة: - فازت قصته القصيرة "أرض الرجال" بجائزة القوات المسلحة، بمسابقة إدارة الشئون المعنوية 2017. - حصل على الجائزة الأولى في مسابقة إحسان عبد القدوس 2012 عن القصة القصيرة (دم الأخوين). - فاز بجائزة وزارة الشباب في القصة القصيرة عن قصته "البئر" في 2008.
السيناريو: - الفوز بالجائزة الأولى في مسابقة أحسن سيناريو مكتوب بمهرجان الاسكندرية السينمائي الدولي 2015 الدورة 31 عن النص السينمائي "الصحفي"، بدورة ممدوح الليثي.
صدر للمؤلف: - رواية "حلال" صادرة عن دار بصمة في 2018. - رواية "اِرتِداد" الصادرة في 2016 . - المجموعة القصصية "دم الأخوين" الصادرة في 2015 . - رواية "الصحفي" ، صادرة في 2014 . (ثلاث طبعات) - رواية "النِطاق المُحرَّم"، صادرة في 2013. - المجموعة القصصية "ظلال الإثم" صادرة في 2012. - كتب النص السينمائي لفيلم "الصحفي" في 2013، الذي حاز على مواقفة الرقابة على المصنفات الفنية.
"قلم العرش" رواية تاريخية شائقة تُروى من منظور "شاهد على العصر" ، فهناك مترجم يجد مخطوطة تاريخية كتبها أحد العاملين بالبلاط الخديوى ، وهو بطل الرواية الذى يسرد أحداثها ويخبرنا تفاصيلها نظراً لكونه أحد المقربين من موقع الأحداث. يمكن اعتبار الرواية بمثابة تأريخ لفترة زمنية عصيبة من تاريخ البلاد فى نهايات القرن التاسع عشر إبان الثورة العرابية وصولاً الى بداية الاحتلال البريطانى لمصر . يُحسب للمؤلف المجهود الواضح فى البحث عن الحقائق التاريخية وتحرى الدقة فى كافة التفاصيل ، مع مراعاة التسلسل التاريخى للأحداث الحقيقية وذكر الأشخاص الحقيقيين المعاصرين لهذه الفترة الفاصلة من تاريخ مصر ، وقد قام بتفسير بعض مصطلحات تلك الحقبة بشكل مستتر فى هوامش الكتاب على لسان مترجم المخطوطة. ويميل السرد الى الواقعية والجدية التزاماً بالشهادة على الأحداث وعدم المبالغة فى الأساليب الأدبية التى قد تُفقد المضمون أهدافه وتأخذه فى منحى مغاير لما قصده المؤلف ، حتى أنه لم يسهب فى قصة الحب الوليدة لدى بطل الرواية خشية تعارضها مع الأمور الجسام المحيطة به ، من منطلق أن الحرب والحب لا يجتمعان ، وهناك إسقاط رائع على مدى تشابه مقدرات بطلنا الذى لا يملك من أمره شيء ، ومقدرات مصر التى لم تكن قط فى يد أبنائها المصريين فى ذاك الزمان. بالرغم من أنها أحداث حزينة فيجب علينا الوقوف عندها واستنباط الدروس الهامة والعظات التى من شأنها حماية الأجيال القادمة من مخاطر التفرق والتشتت ووضع الثقة فى غير أهلها ، فالاستعانة بالغرب قديماً أودت بنا فى براثن الاحتلال بدعوى ظاهرها الحماية وباطنها ما أظهره التاريخ من استغلال وإذلال للبلاد والعباد. أعجبتنى الرواية وأتطلع الى الحزء الثانى الذى أعتقد أنه سيتناول مرحلة الاحتلال البريطاني لمصر وأفول الدولة العثمانية مع نهاية الحرب العالمية الأولى ، وأتمنى من الكاتب الاستمرار فى هذه الشهادة التاريخية على حقبة هامة من تاريخنا لمحو المغالطات الذى تلقنّاها صغاراً وإظهار الحقائق التى عُمّيت علينا.
تلقيتُ بسرورٍ بالغ رواية " قلم العرش " الصادرة عن مؤسسة غايا للإبداع لصديقي العزيز ورفيق القلم و الحلم، الأديب محمد الناغي ، ابن مدينة بورسعيد الباسلة. ومن يتتبع أعماله السابقة يلمس بوضوح سمةً أصيلة في مشروعه السردي، تتمثل في لغة رصينة مشبعة بوعي فكري، لغة لا تكتفي بتوصيف الأحداث، بل تستدرج القارئ إلى منطقة التأمل والمساءلة، ليغدو طرفًا فاعلًا في التجربة، لا مجرد متلقٍ عابر .
تضع رواية قلم العرش القارئ أمام لوحة سردية تستعيد نهايات القرن التاسع عشر في مصر، من خلال شخصية مظهر شقير، الرجل الشركسي الذي قادته الظروف إلى أن يكون كاتبًا أو ناسخًا في قصر عابدين، مقرّبًا من الخديوي توفيق وحاشيته، ليصبح شاهدًا على العصر وهو يتحرك بين أروقة القصر، مسجّلًا مرحلة بالغة الخطورة في تاريخ مصر. تتجلى قيمة الرواية في قدرتها على تقديم شهادة دقيقة عن حقبة جعلت مصر في قلب صراع دولي حاسم حدد مستقبلها، مع تدخّل القوى الاستعمارية، وترهّل الدولة العثمانية، وتغيّر موازين القوى، إلى جانب ضعف شخصية الخديوي.
البطل هنا يروي أدق التفاصيل عن الصراعات التي دارت داخل القصر وخارجه، وكأن مصر كلها قد اختُزلت في قصر عابدين. ويتحوّل مظهر من مجرد شاهد إلى متورط ومقاوم، إذ عاش يقاوم هويته وهيئته كرجل غريب الملامح، جعل المصريين ينفرون منه ويتحاشون التقرب إليه، رغم يقينه أنه مصري حتى النخاع، وأنه أكثر وطنية منهم. وقد زاد من معاناته أنه عاش يتيمًا بعد مقتل أبيه في حادث غامض لم يفصح أقاربه عن تفاصيله، غير أنهم حاولوا تعويضه بتوظيفه ناسخًا لقرارات واجتماعات الخديوي. وهنا تقرّب من الزعيم أحمد عرابي ورفاقه، لينزلق إلى موقع العميل المزدوج.
يُقدَّم مظهر شقير في الرواية باعتباره شخصية إشكالية تستعصي على الإدانة المطلقة؛ فهو في جوهره وطني محب لمصر، غير أنّ تشابك المصالح وضغوط الخديوي وضعه في موضع المراقب الناقل للأخبار بين قصر عابدين حيث إرادة الحاكن دفعته ليكون عينًا له، ينقل إليه أخبار أحمد عرابي ورجال الثورة، وفي الوقت نفسه، كان رجال عرابي أنفسهم يطلبون منه أن يوافيهم بما يدور في عقل الخديوي وما يجري في كواليس قصر عابدين. هذا التمزق بين ولاءين متناقضين جعله أداةً يتنازعها الطرفان، حتى بدا وكأنه يُستنزف روحيًا بين جبهتين متقابلتين. وحين التفتت القوى الاستعمارية إلى قدراته، رآه الإنجليز حلقة وسيطة لاستمالة البدو وتهيئة الطريق لاختراق مصر عسكريًا والسيطرة على القرار الوطني. وهكذا يغدو مظهر شقير نموذجًا للشخصية التي تحاصرها الظروف وتدفعها إلى أدوار مزدوجة، حيث يتقاطع وعيها الوطني مع ضغوط السياسة ومكائد الاستعمار.
وتتجلى في الرواية معالجة موقعة التل الكبير من خلال صوت البطل، الذي قدّم مقارنة دقيقة بين حال رجال وجنود عرابي المرهقين نفسيًا والمثقلين بالانكسارات الداخلية، وبين جيش الاحتلال البريطاني الذي ظهر بصرامته التنظيمية وحرصه على أدق التفاصيل العسكرية. هذه المقارنة لم تكن مجرد وصف لحدث تاريخي، بل أداة فنية لإبراز الفارق بين جيش يفتقر إلى الإعداد النفسي والتعبئة المعنوية، وجيش استعماري مدرّب يتميز بالتخطيط والانضباط، وهو ما يفسر ـ في وعي البطل ـ انكسار الثورة أمام آلة الاحتلال. ومن الجميل أيضًا أن تركز الرواية على بطولات الضابط المصري الفدائي محمد عبيد الذي رفض الانسحاب، وظل يقاوم حتى انصهر جسده داخل مدفعه، ليبقى رمزًا خالدًا للفداء.
جاءت الرواية بضمير المتكلم، فالبطل نفسه هو الراوي باعتبارها مذكرات كتبها. وهذا أضاف بعدًا مهمًا للنص، إذ لم يجعل البطل مجرد شخصية تاريخية، بل عكس تمزقه النفسي وضغوطه المتناقضة، وظل الصراع النفسي يعصف بداخله حتى بعد أن تكشفت له حقيقة أصله وعرف من يكون أبوه، إذ لم تُنهِ المعرفة تمزقه الداخلي، بل عمّقته، وكأن الحقيقة نفسها تحولت إلى عبء جديد على روحه. . كما أوجد بعدًا فنيًا يثير الغموض والتساؤل: هل ما يقوله مظهر شقير صادق وحقيقي، أم أنه يبرر أفعاله ويجمّل صورته كشاهد على العصر وعنصر مؤثر في الحدث التاريخي؟ بذلك يفتح الكاتب بابًا للتأويل التاريخي والإنساني معًا.
أتت لغة قلم العرش قوية ومتماسكة كما عهدنا في أعمال محمد الناغي، فهي تجمع بين السلاسة والجزالة، وتمزج بين التعبير التاريخي الموثّق والنَفَس الأدبي الذي يضفي على السرد عمقًا وإيقاعًا خاصًا. هذه القوة اللغوية لا تقتصر على فصاحة الألفاظ، بل تمتد إلى دقة الوصف، وثراء التراكيب، ووعي الكاتب بقدرة الكلمة على استحضار أجواء الماضي وتجسيد الصراعات الداخلية للشخصيات.
لم تكن الرواية مجرد نقل للحدث التاريخي، بل طرحت أيضًا تساؤلات حول معنى الخيانة عبر التاريخ: هل هي ضرورة وتكيّف مع ظروف قاهرة تتجاوز إرادة الفرد، رغم ما يورثه ذلك من ألم وعتاب وخوف مما سيقوله عنه التاريخ والأجيال القادمة؟
ومع ما تحمله قلم العرش من ثراء لغوي وعمق نفسي في رسم شخصية مظهر شقير، فإن ما ينقص هذه اللوحة السردية هو حضور الجماهير المصرية التي وُضعت في خلفية المشهد، دون إبراز قيمتها الفعلية في تحريك الأحداث وصناعة التاريخ. فالرواية تميل إلى التركيز على صراع القصر ورجال السلطة والثورة، بينما يظل صوت الشعب باهتًا مقارنة بدوره الواقعي في تلك المرحلة. ومع ذلك، يترك الكاتب الباب مفتوحًا، إذ تُلمح الرواية إلى جزء ثانٍ من مذكرات مظهر شقير، وكأن التاريخ لم يقل كلمته الأخيرة بعد، بل لا يزال نابضًا، قابلًا لإعادة السرد والتأويل في جزء تالٍ يُنتظر أن يكشف ما لم يُكشف بعد.