إنَّ تخفيفَ آلامِ الناسِ أرقى فنون السعادة الإنسانية. لماذا، يا أشنار لا ينظر أحدُنا إلى الآخر بنظرةِ العاطفة والمحبَّة؟ لماذا، لا تُقبِل على ما يجعلُ الإنسانَ إنساناً في كلِّ أبعادِه وطاقاتِه؟ في جوهَرِهِ وفي وجودِهِ معاً. الإنسانُ والحقيقةُ المُطلقة متلازِمان، إنَّهما مقياسان متكامِلان متفاعِلان للوصولِ إلى الحقيقة الكاملة. علينا، يا أشنار، أن نرفضَ كلَّ ما يُشوِّه وجه الحقيقة الصحيح، أو ما يُنقِص إنسانية الإنسان. صدِّقني، صدِّقني، الحقيقةُ حالةٌ في أجسادِنا، تنزلُ إلينا، تَتَشبَّهُ بِنا. وما قيمةُ الحقيقة إن لم تَتَّخِذ إحداثيات الزمان والمكان، وتسكنُ في الأسماء والمجتمع والتاريخ؟
هي رواية قبول فلسفة الواقع التي تقتل الروح، رحلة البحث عن أملٍ مستقبليٍّ أسمى من الذي نعيشه. تتحدّث الرواية عن أشنار، إبن ملك بيبلوس في عام 384 قبل الميلاد ورحلته في البحث عن الحقيقة والحياة الفاضلة التي هي، في رأيه، ألذّ حياة، يخفّ فيها الانفعال ويتضاءل الألم. يرى أشنار في اللذّة وجهين: لذّة الجسد ولذّة العقل. الأولى هاربة سرعان ما تنقلب شقاءً ومرارة، والثانية متجدّدة دائمًا تتزايد بتزايد المعرفة. يغادر أشنار مع صديقه كالوباي نحو قبرص فالأولومب حتّى يصل إلى أثينا ويلتقي أفلاطون ويدرس في الأكاديميا فيعود إلى بيبلوس فمعبد أدونيس ومن ثمّ إلى غرب بابل حتّى شرقها باحثًا عن الحقيقة المطلقة. تلك الحقيقة التي تشبه القلب. كلاهما لا نهاية له. فلا حقيقة تمنع الإنسان من تجاوزها ولا عاطفة تحولُ دون طلبها هي نفسها مرارًا وتكرارًا. تتناول الرواية مواضيعًا متفرّقة عن السلطة والزيف والكذب وشهوة الجسد والعلم والحكم والانشطار عن الذات ومحاكاة الواقع الملموس تارة، والخيال الجامح تارة أخرى. لغة هنري صفير راقية، استطاع أن يقنعني أنّ الكتاب كُتب في تلك الحقبة الزمنيّة وهي نقطة تُحسب له. لغة ذكيّة وتراكيب لغويّة معقّدة بشكلٍ لافت. لم أحب وجود أفلاطون في الرواية ومقاطعه وحواراته كانت مملّة بعض الشيء لأنّها كانت تدور حول مفترق واحد لا ثانٍ له. الفصول المفضّلة لي في الكتاب: مغامرة السفر، قبرص المحطّة الأولى في الطريق، أثينا والطريق إلى الأولمب، بابل والتجربة الجديدة. الفصول الأقل تأثيرًا في نفسي: العودة إلى بيبلوس، معبد أدونيس، حاضرة الحقيقة. الفصول التي لم تعجبني: اللقاء المحور، في الأكاديميا، مع الناسك.
مواطن القوّة في الكتاب: اللغة والمغزى. مواطن الضعف: التكرار في الطرح، كثرة الحوارات واستعمال كلمات وعبارات متشابهة ( في سبيل المثال: قاب قوسين أو أدنى)، عبثيّة بعض الأحداث (كعلاقة ميسا وأشنار)، وجود بعض المقاطع الشعريّة الضعيفة جدًّا. بشكلٍ عام، هذه ليست رواية. كتابٌ فلسفيٌّ بامتياز. عناصر الرواية غير متوفّرة، فلا توجد حبكة ولا يوجد صراع ولا توجد شبكة شخصيّات ولا يوجد تقاطع في الأحداث.
هنري صفير في روايته الأولى “أشنار”… باحث عن حقيقة مطلقة في روايته الأولى “أشنار” الصادرة عن دار نوفل، التابعة لدار النشر العربية “هاشيت أنطوان”، يبحث السياسي والكاتب والإعلامي المعروف هنري صفير عن الحقيقة المطلقة.
تتمحور الرواية حول أمير بيبلوس، الذي يغادر مملكة والده بحثاً عن المُطلَق. يسافر إلى أثينا، ويتعلم على يد أفلاطون، ثم يعود إلى أفقا ويكتشف الحب، ويعود فيتخلى عنه طمعاً في اكتشاف المُطلَق، الذي يلاحقه إلى بابل. في الطريق يتعرض إلى مواقف تكشف له خطورة مواجهة ما يبحث عنه. كان يخشى أن يهرم أكثر كلما اكتشف حقيقةً أكبر
تتخلل الرواية أسئلة فلسفية ووجودية، ويتعرّف القارئ إلى أبرز فلاسفة اليونان وحضارتهم وصراعاتهم، فأولوية الكاتب فيها ليس سرد قصة بقدر ما هي عرض لحوار حول المسائل الفلسفية والوجودية.
مما جاء في الرواية: “إنَّ تخفيفَ آلامِ الناسِ أرقى فنون السعادة الإنسانية. لماذا، يا أشنار لا ينظر أحدُنا إلى الآخر بنظرةِ العاطفة والمحبَّة؟ لماذا، لا تُقبِل على ما يجعلُ الإنسانَ إنساناً في كلِّ أبعادِه وطاقاتِه؟ في جوهَرِهِ وفي وجودِهِ معاً. الإنسانُ والحقيقةُ المُطلقة متلازِمان، إنَّهما مقياسان متكامِلان متفاعِلان للوصولِ إلى الحقيقة الكاملة.
علينا، يا أشنار، أن نرفضَ كلَّ ما يُشوِّه وجه الحقيقة الصحيح، أو ما يُنقِص إنسانية الإنسان.
صدِّقني، صدِّقني، الحقيقةُ حالةٌ في أجسادِنا، تنزلُ إلينا، تَتَشبَّهُ بِنا.
وما قيمةُ الحقيقة إن لم تَتَّخِذ إحداثيات الزمان والمكان، وتسكنُ في الأسماء والمجتمع والتاريخ؟”