شيئًا فشيئًا، أخذتِ التفاصيلُ تتسرَّب، والمعاني تتراخَى، والروابط تتباعَد، والكلمات تَتَلاشى، واللغة تتمنَّع. ماذا نزلَ بكَ؟ أين ما أنتَ هنا لأجله؟ أهذا ادِّعاؤكَ بما أنتَ عليه؛ كاتب يَحوز الحَكي واللغة؟ ها أنتَ كوَارِدِ الآبار بعد نُضوبِها، تُمضي عُمرًا في رحلة الوصولِ إليها، وتقاتل داخلَكَ للذَّودِ عنها، لكنّك عندما تتمكَّن لا ترِدُ إلا طينًا، ولن ترى صفحةَ وَجهك في قلبها المتغضِّن. تراوغُ بأنَّ المسألة ليست حبسةً في الكتابة والتَّعبير. تخمِّن أن بمَقدورك الآن- أو ربَّما لاحقًا- أن تسوّد عشْر صفحات بلا تلكُّئ، وتَشَافه عشْر أنفسٍ بالحَكي بلا تلعثُم. لكن كأنَّ بئرًا كنتَ تغرفُ منها أسرارَ لُغتِكَ ودفْقَ حكاياتك قد عُطِّلَت، وبات بينَك وبينها مِتراسٌ مَشِيد. حاوِلِ النومَ؛ عسى أن تَصحو منه على مزاجٍ رائقٍ وأمرٍ مُفيد.
محمّد السیّد أبو ریّان؛ سیناریست وروائي وباحث مصري، شارك ﻓﻲ کتابة ومراجعة وتطویر مسلسلات وأفلام درامیة ووثائقیة وبودكاست، ويعمل الآن في كتابة وتدريس السيناريو الدرامي والقصة القصيرة، بالتعاون مع عدد من المنصات الرقمية المتخصصة.
اللغة رصينة ومتمكنة، وبها استخدام عربي للألفاظ، لا كأكأة ولا لزمات كلامية بل ليس هناك كلمة مكررة على مدار الرواية تقريبًا ودا يدل على تمكن قوي وتوسع رهيب في المعجم اللغوي. الأفكار متصلة وواضحة من أول فصل للأخير برغم اختلاف مُددهم. فصل الانتحار وانتقالة الراوي من "لا أستحقُّ شيئًا" إلى "أعلم أني أستحق" انتقالة حقيقي عبقرية وأتت بسلاسة حدوثها في الواقع فعلًا. فصول احتضار الأب والتعرض لبعض الإساءات العائلية كانت مؤلمة ويكفي فيها دلالة الفعل بنفسه على بشاعته، بغير اضطراره لشرح أثر تلك الأفعال على نفسه. تعطيل قرار الانتحار -مؤقتًا- والعد التنازلي لاكتشاف إن كان للمرء ما يحسنه حقًا أو "سبب حقيقي للعيش" ثم إكمال فصول الرواية على أن تكون النهاية هي "المحاولة" والرغبة الصادقة في ألا ينتهي. هي الخاتمة وليس غيرها. بشكل مجمل سيرة ذاتية جميلة ومتفردة.
في «سِفر التورّط»، يأخذ البطل معنى الديدلاين بحرفيته الإنجليزية «خطّ الموت»، فالكتابة عنده مهمة وجودية مقدسة. ليست المعادلة هنا «أنا أكتب إذًا أنا موجود»، ولكن «أنا موجود لأكتب»، فمتى توقفت عن القيام بهدفي، ينتفي معنى وجودي نفسه. لذا، يضع الخطين متوازيين أحدهما للآخر: خطّ الكتابة وخطّ الحياة، ويقرّر أنهما سيسيران جنبًا إلى جنب، وإلا سيمحوهما.
اليوم الثامن عشر من سبتمبر أستمع إلى لينا شماميان بصوتها الملائكي، وإلى مكادي نحاس بصوتها الرقيق، بينما أتصفح كلماتك. بين كل جملة وأخرى يتداخل الغناء مع النص، كأن الحلم الذي تركتَه ورحلتَ عنه يستيقظ داخلي من جديد. وأنا أقرأك، أشعر أن الحلم الذي كدتُ أُمسكه بين يديّ، تسرّب مع كلماتك إلى مكانٍ آخر لم أعد أبلغه.
أقرأك كما لو أنني أقرأ نفسي. شعرتُ بالتصاقٍ غريب بذاتي وأنا أتتبع سطورك، ربما لأن المأساة متشابهة، ربما رغبة في احتضانك، وربما رغبة في انتشالك من أحزانك. أرى صراعك بوضوح، أرى تخبطك، أرى بعض مخاوفك وشجاعتك معًا في لوحة واحدة لا تنفصل أما الرواية نفسها، سفر التورط، فقد أخذتني بلغتها العميقة حدّ الانبهار، وبساطتها حدّ الدهشة. هي كتابة قادرة على أن تحفر في الروح دون أن تثقلها بالتعقيد؛ لغةٌ واضحة : عميقة، شفافة، وسهلة الانسياب. لم أجد فيها استعراضًا لغويًا، بل صدقًا ينفذ مباشرةً إلى الجرح.
سفر التورط ليست حكايةً عابرة، بل وثيقة إنسانية عن الذين عاشوا على الهامش، وجرّبوا ثقل الصمت، وعرفوا أن المواجهة أحيانًا أصعب من الهروب. إنها رواية عنّا جميعًا، عن الطفولة التي لم تجد من يصدقها، عن القلوب التي حاولت أن تحب رغم الشروخ، وعن الأرواح التي لم تفقد إصرارها على الحياة، وعن المصير الذي يربطنا جميعًا بخيط خفيّ واحد.
وتبقى كلماتك بالنسبة لي أكثر من رواية: تبقى مرآة، ورفيق جرح، ورسالة لم تكتمل.
تجولت بين السطور، واستمتعت ببلاغة الكتابة والأسلوب الجذاب. قرأتها في جلسة واحدة وكانت جرعة نفسية ثقيلة. محتاجة تتقسم. استفدت كثيرا من مطلع الرواية، لما ذكر استعداده للكتابة، والأدوات التي تساعده. المشاهد السريالية معقدة قليلا بالنسبة لي، ستعجب جمهورها المولع بها بكل تأكيد. بشكل عام، أسلوب الكاتب بديع، والرواية إضافة مميزة للمكتبة العربية.