انطولوجيا شخصية الظل والظهيرة بقلم عبدو زغبور ... يبدو شعر عبدو زغبور وكأنه ينغلق وينفتح على نفسه حول مجموعة من المعاني المنشطرة إلى جزأين ، من التفكير المزدوج الذي يجمع فقدان إرادة العيش والحاجة إلى المنفى لكي يعرف نفسه في غياب حب منكسف في تخوم ما لا يمكن لمسه . ثم في شعره نعمة الأبعاد العلماني ، طعم الهجرة ، المنفى الذي يعيده دائماً دون وطن أو رب صوب نفسه ، أو ما هو الشيء ذاته ، صوب القياس الضروري للإستلاب الداخلي ، حيث علامات الروح الهشة ، خفقانه النيتشوي " هنا والآن " وكأنه يغرق في الوجود في كل مكان لتوقه إلى العدم . غناه وضعفه ينتظمان في هذا المفصل المزدوج أو في شرط ترجمة نصوصه الشعرية من لغة على أخرى ؛ هكذا فإن الكلمات عنده تبدو وكأنها تسخر من معناها ذاته لكي تتكرر أو تعود أو تتعرف على نفسها في الشك الوجودي للمعاني العابرة . يبدو الزمان عنده كذلك منشطراً في رؤية مزدوجة ويعود ليصبح واحداً في ما يُقال وما لا يُقال ، في المعنى وفي التفكير ، في الرؤية وفي الحلم ، في الميتافورا وفي الواقع ، لكي يبني في النهاية جسد الكائن المتأمل نفسه من دون الآخرين
اقتنيت كتاب أنطولوجيا شخصية الظل والظهيرة لعبدو زغبور وهو شاعر ومترجم سوري يترجم من وإلى الألمانية والإسبانية ولديه دواوين شعرية منشورة، يعيش حاليا بين سورية وفنزويلا.
إنه طفل أربعيني: مشتهيا أكثر الأشياء طفولة أن أرضع ثدي أمي ثانية أنا الطفل الأربعيني
نحن نرى شروق الشمس الاعتيادي اليومي ولكن الشاعر له رأي آخر: كيف يجيء النهار؟ يعتلي الصبح المساء فتكشف الشمس عن عورتها الحارقة للملأ تغطي نفسها بلحاف من غيوم بينما يضاجعها اللهب. وحينما ترتعش الغيوم ترعد وتبرق مبلّلة العالم برضابها. تصفق لها الغابات والحقول ثم تهديها باقة من الزهر والحشائش الطرية هكذا يجيء النهار.
يوّجه لحبيبته أسف كبير: كم كنت أحبك يا للأسف ربما في المرة القادمة لا أحملكِ في قلبي إنما على الظهر كثقل فائض
حينما كان يتسوّل الحب قال: تساءلت حزينة تلك المرأة الفاتنة حين احتمت في صدري من الريح: لماذا الحب بهذه الصعوبة وبهذه السهولة يكون الحقد؟
ككل الرجال قلبه موزع على جميع النساء بالتساوي، إنه مثلنا يحب العدل، ما أجمل العدل: وزعتُ حبي على النساء بالتساوي هل سيتذكرنني كذلك بالتساوي؟
له رأي في الزواج؟ خصوصا زواج الشاعر: الزواج أجمل خطأ يقوم به الإنسان!
الزواج أفدح خطأ يقوم به الشاعر
يتساءل لماذا نبكي عند الودلاة؟: لماذا نبكي عند الولادة فيبتسم لنا الجميع وحينما نكفّ عن التنفس بصمت يبكي علينا الجميع؟ وبين هاتين اللحظتين عمرٌ نكتسب فيه عداوات وصداقات حميمة
ينظر للحياة بعتمة: من عتمة الجسد إلى عتمة القبر وبين العتمتين عتمة الحياة
ليستمر ويقول: ما أضيق العالم ما أوسع روحي
ما هو الموت؟: الموت هو الاستيقاظ من هذا الكابوس: الحياة
كما أي شاعر، لديه تساؤلات كثيرة: أتساءل حينما أقف وجلا على حافة الشعر: لماذا يمدّون أجسادنا جسورا؟ أليعبروا صوب الهاوية؟
في قصيدة غريبة وحتما هي ليست عربية المنشأ يقول فيها: ربما هناك وقت لإكمال القصيدة لكن المرحاض مسدود وعليّ إصلاحه القصيدة تنتظر لكن ماذا سيقول الزبائن إذا ما شمّوا رائحة البراز؟
مومسٌ تركت رائحة المضاجعة وهربت دون أن تدفع الحساب يجب ألا يتكرر ذلك
أحلامي مكدسة في الزاوية وقد علاها الغبار مؤجلة إلى أن أصلح المرحاض وأحصّل الحساب من المومس..إلخ
ليس ثمة وقتٌ لإكمال القصيدة سأتركها حرة طليقة خارج بياض الصفحة تتمشى في حدائق الشعر اللامرئية
هناك فؤوس كثيرة لتخرج الحقيقة: كم من فأس نحتاج لكي نكشف عن الحقيقة المخفية في الأعماق؟ كم أنتِ بسيطة أيتها الحقيقة وكم هو عميق من يفهمك
وأحلامه ضائعة كالعشب: كالعشب لا أنام في الليل أطوف الشوارع بحثا عن أحلامٍ ضائعة
وله وجهة نظر في مفارقة ما: صليبٌ مذهّب للزينة معلّق في أذنها وآخر على الصدر
المسيح حمل صليبه على ظهره
لقد استمتعت كثيرا بالتطواف والقراءة في هذا الكتاب الجميل.
الكتاب من القطع المتوسط يقع في 170 صفحة من إصدارات دار التكوين الصادر عام 2018.