من باب التحدُّث بنعمة الله لا تزكيةِ النفس، أستهلُّ ديباجة هذا الكتاب بالقول إن الله قد هيَّأ لي من الوقت والرغبة والحماس، ما جعلني قارئًا للقرآن المجيد مُعَسْعَسَ كلِّ ليلٍ أو مُتَنَفَّسَ كلِّ صبح، منذ ما يَنِيفُ على ثلاثة عقود دون انقطاع، وقد شاء الله أن أتحوَّل - أو أرتقي - من القراءة المجردة إلى التدبر والتأمل قبل أكثر منذ عقد ونصف من الزمان. وحيث إنني كنتُ من محبي اللغة العربية منذ نعومة ذاتي؛ فقد خَلَبَت لُبِّي لغةُ القرآن المَهِيبَة، وتملكتني وأسرَتْني - ونِعْمَتِ الآسِرَة - حتى وقت كتابة هذه السطور. ثم علمتُ - بعد القراءات المتنوعة - أن النص القرآني قد حيَّر عقول العرب منذ انسيابه على اللسان الشريف لسيد الخلق ﷺ بحيثُ كانوا في شأنِ هذا النبأ العظيم في أمرٍ مَرِيج؛ فمِن قائلٍ هو شعر، وزاعمٍ أنه سجع كُهَّان، وناعتٍ إياه بالسحر. حتى إذا استيأسوا من تلكم الحرب؛ أَلْقَوا أسلحتهم الصدئة، والْتَقَطُوا راياتهم المنكسرة ولملموا أشلاءهم، واعترفوا بعظمة القرآن. وحتى يحفظوا ماء وجوههم - إن كان ثَمّ - فقد قالوا بلسان الحال: «نعم، هذا القرآن عظيم، وما دام عظيمًا؛ فلماذا لم يُنَزَّل على رجل عظيمٍ من عظماء مكة أو الطائف؟!»، الله أكبر، إنها الهزيمة التي لا تعدلها هزيمة، والاندحار الذي ما بعده اندحار. قال مَن قولُه الفصل: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيم﴾[الزُّخرُف: 31]. ومن خلال قراءاتي الكثيفة في كل ما له صلة بلغة القرآن من طريفٍ وتالِد؛ فقد تكوَّنَت لديَّ قناعة راسخة - كلَّ الرسوخ - بأننا أمام نَصٍّ غير بشري على الإطلاق، بل إن رائحة السماء لتفوح وتتضوَّع من بين ثناياه. وما دامت الحالُ كذلك؛ فلا بدَّ لكل مسلمٍ ذي لُبٍّ أن يُوْلِيَهُ جُلَّ اهتمامه، وأن يقترب منه أكثر وأكثر؛ لأنه هو حبل الله المتين، وصراطه المستقيم، وكلَّما منحه المسلم من وقته وجهده؛ أعطاه هو مِن أسراره وأنواره ما لم يكن يخطر له بِبَال. وقد وَصَفَ نَبِيُّنا الأكرم ﷺ هذا الكتاب الذي نزل على قلبه الشريف الطيِّب بأنَّ أهلَه «هم أهلُ الله وخاصَّتُه»، ووصفه الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه - بأنه «مائدة الرحمن». وسيكون كتابي هذا منصرِفًا – في معظمه - إلى وجه واحد فقط من أَوْجُهِ الذكر الحكيم؛ تلكم الأوجُه المشرقة المضيئة، التي يكاد سَنَا نورها يذهب بالألباب، ألا وهو الوجه اللغوي؛ من آيات توقفت عندها كثيرًا، وأساليب كانت جديرةً بالتأمُّل الطويل، وكلمات وجدتُها مجهولة المعنى عند الكثير من المسلمين مع الأسف - وقد كنت كذلك يومًا ما - نتيجة البعد عن مُجالَسَة الكتاب المجيد. ولَئِنْ كان قد قيل: «وخيرُ جليسٍ في الزمانِ كتابُ»؛ فإن خير ما جُوْلِسَ هو الكتاب المعظَّم.