"تاريخ سورية الديني والدنيوي" للعلاّمة المؤرخ المطران يوسف الدبس مؤسس معهد الحكمة الشهير في بيروت. وقد طبع في المطبعة العمومية في بيروت سنة 1903 يتألف هذا الذي يحتل مرجعاً تاريخياً مهماً من تسعة مجلدات بالإضافة إلى مجلد عاشر يختص بالفهارس. وتكمن أهمية في مضامينه إذ تتناول موضوعاته فترات سحيقة في تاريخ لبنان وسوريا والعراق وفلسطين وقبرص تعود إلى أيام نوح والطوفان، بالإضافة إلى تاريخ اليونان والرومان والفرس والخلافة العربية منذ ظهور الإسلام مروراً بمختلف الحقب التاريخية التي مرت بها الخلافة المذكورة بما في ذلك الوجود العربي في الأندلس والحكم الذي أقاموه هناك، وصولاً إلى تاريخ المغول والتتار والحملات الصليبية والسلطنة العثمانية، ومن ضمنها نظام الإمارة في جبل لبنان وعهد القائمقامتين، ونظام المتصرفية.
وبموازاة هذا التاريخ السياسي والعسكري والحضاري تطرق المطران الدبس إلى التاريخ الديني، فتحدث عن الشعب العبراني ونبوءات أنبيائه، وأجرى مقارنة فيما بينها ليميز بين الصحيح والمزوّر منها ثم تحدث عن ظهور المسيحية وأعمال الرسل، والصراعات العقائدية التي حصلت بين الكنائس الشرقية المختلفة على الصعد العقائدية والسياسية والمذهبية بما فيها الكنيسة المارونية أيضاً التي تمكنت من تأسيس أول بطريركية لها على يد مار يوحنا مارون في أواخر القرن السابع الميلادي، ولا تزال هذه المؤسسة مستمرة حتى اليوم كما أشار إلى بطاركة هذه الطائفة وأساقفتها في كل عصر من العصور معدداً أبرز أعمالهم ومنجزاتهم على مختلف الصعد.
بالإضافة إلى أهمية الكتاب من حيث مضامينه، فإنه يكتسب أهمية أيضاً تعود في الأساس إلى شخصية المؤلف، وعمق ثقافته، وموضوعيته وحبه للحقيقة، بالإضافة إلى تعمقه في اللغات السريانية واليونانية والعبرانية والفرنسية والعربية. لذا فهو يستقي معلوماته من مختلف المصادر والمراجع العربية والأجنبية، ويقابل فيما بينها ويمحصها ويدقق فيها بغية الوصول إلى الحقيقة التي كانا ينشدها حتى ولو كانت إلى جانب خصومه.
علم من أعلام الثقافة في لبنان في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان رجل دين وعلم كما كان مربيا وخطيبا ومؤرخا مشهورا . يصنفه الأب المرحوم ميشال حايك مع الدويهي وفرحات وقرألي والتولاوي والسمعاني والحويك كعمود من أعمدة البيعة.
ولد يوسف الياس حنا الدبس في 8 تشرين الأول 1833 في راس كيفا ( زغرتا ) حيث هاجر جده من غزير في أواخر القرن الثامن عشر ، ثم ارتحل والده الى كفرزينا ، حيث تعلم يوسف مبادىء العربية والسريانية ، ثم أرسله مطران طرابلس ، السيد بولس كساب الى مدرسة عين ورقة حيث تعلم مع العربية والسريانية ، الايطالية واللاتينية . لكنه ترك المدرسة ليؤسس مدرسته الخاصة في طرابلس عام 1850 ، ويتابع في الوقت عينه تعلم الفلسفة واللاهوت على يد الآباء الكرمليين.
سيم كاهنا في 15 حزيران 1855 ، وتسلم مهمة التعليم في مدرسة مار يوحنا مارون في كفرحي بين سنتي 1855و 1860 ، وكانت هذه المدرسة قد خصصت لتنشئة الاكليركيين ، فكان الدبس من أنشط عمالها .ثم تولى أمانة سر البطريرك بولس مسعد مدة 12 سنة ( 1860- 1872 ) في مرحلة دقيقة من تاريخ لبنان .وبعد وفاة مطران بيروت طوبيا عون سنة 1871 ، اختير الدبس ليخلفه بعد أن رقي الى درجة أسقف وذلك في 11 شباط 1872.
على أن انجازاته تزايدت فور ترقيه الى كرسي مطرانية بيروت المارونية ، ولا نستطيع اختصارها بجمل معدودة ، بل سأحاول الاشارة الى أهمها .وتأتي في طليعتها اهتمامه بانشاء المدارس في أبرشيته ، وعلى رأسها مدرسة الحكمة التي شرع ببنائها سنة 1874 ، والتي فتحت أبوابها في ت2 1875 ، والتي نافست كل من جامعتي اليسوعية والجامعة الأميركية.
كما اهتم بانشاء المدارس في كل أبرشيته مشجعا بذلك انتشار الثقافة بين أفراد رعيته . فلم ينس الفقراء منهم ، فأنشأ عددا كبيرا من الجمعيات وعزز تلك التي كانت موجودة من قبل .كما أنشأ الى جانب مدرسة الحكمة " مدرسة غايتها تربية العائلات الفقيرة وتعليمهم مع مبادىء المعرفة الصنائع والمهن".
أسس الدبس مطبعة سنة 1866 أصبحت تعرف فيما بعد" بالمطبعة العمومية المارونية" (1908)، كما تشارك مع رزق الله خضرا في " جريدة النجاح " سنة 1870 فكانت " الجريدة السياسية الوحيدة التي تدافع عن المصالح الكاثوليكية " .وقد خلفتها " جريدة المصباح" ( 1880)، و كان للدبس " قسم كبير من السعي في التقدم العلمي بواسطة ترجماته وتأليفاته بهذه المطبعة والجريدتين المذكورتين ".
وان اتقانه للغات عدة ،شرقية وغربية ، ساعده في ترجمة مؤلفات قيمة في اللاهوت وفي القانون، كما انه ألف في الشعر وفي اللغة ، والتاريخ ، وأوجد " فن الخط المختصر في العربية وعلمه بعض الشبان ".
أما المنهج الذي اعتمده الدبس في كتاباته التاريخية فكان موضوع أخذ ورد بين عدد من البحاثة الذين انبروا لدراسة آثاره وتقييمها . لكن الراجح أن أسلوبه مختلف عن أسلوب الكتابة التاريخية الذي نعرفه اليوم والذي يفرض على " البحاثة الدقة في ضبط النصوص ومقارنتها واعمال الشك في مضامينها وقراءتها في اطارها البيئوي والزمني"، كما يقول الأب ميشال حايك الذي يشير أيضا الى ضرورة اعادة النظر في بعض استنتاجات الدبس ، ويبرر بعد ذلك هذه الهفوات بأن " العيب المنهجي واقع على مجمل علماء عصره في الغرب نفسه".
توفي الدبس في 4 تشرين الأول 1907 ،وهو كما يقول حايك : " لم يكن خادما أمينا لتاريخ أمته أو كاتبا لتاريخها فحسب ، بل كان من أكبر صانعي هذا التاريخ من حيث هو فعل الأحداث لا مجرد حديث عن الأحداث ...".