Jump to ratings and reviews
Rate this book

المنتخب من حديث شيوخ بغداد

Rate this book
إنّ الحمدَ لله، نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستغفرُهُ، ونَعوذُ باللهِ منْ شُـرورِ أنفُسِنا ومِنْ سَيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يَهدِهِ اللهُ فلا مُضـِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هاديَ لَهُ.
وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ محمّداً عبدُهُ ورسُولُهُ.
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى محمّدٍ وعَلى آلِ محمّدٍ، وباركْ على محمّدٍ وعَلى آلِ محمّدٍ، كما صَلَّيتَ وبارَكتَ عَلى إبراهِيمَ وآلِ إبراهِيمَ إنّكَ حَميدٌ مَجيدٌ.
أمّا بعدُ:
فإنّ الكلامَ عن هذا الكتاب يعني الكلامَ عن بغدادَ... نشأتي، وسِنِيّ حياتي، وأهلي، وأحبّتي ممن هم اليوم على ظاهر الأرض أو واراهم ترابُها.
عن حياتي في مساجدها، ومدارسها، وشوارعها، وأزقّتها...
أَحِنُّ إلى تلكَ البـِلادِ وأَهْلِها
كَأنِّي أسِيرٌ في السَّلاسِلِ راهِنُ

بِلادٌ بِها أَهْلِي ولَهْوِي ومَوْلِدِي
جَرَتْ لِي طُيُورُ السَّعْدِ فِيها الأَيامِنُ

إذا بَرَقَتْ نَحْوَ ’البلاد‘ غَمامَةٌ
دَعا الشَّوْقَ مِنِّي بَرْقُها المُتَيامِنُ

وما إنْ خَرَجْنا رَغْبَةً عن بلادِنا
ولكنَّهُ ما قَدَّرَ اللهُ كائِنُ

نعم، هي بغـداد ’أمُّ الدنيا وسيدة البلاد‘( )، تلك المدينة الناعمة الدافئة التي امتُحِنَت منذ نشأتها الأولى بالجمال والغِنى والعافية، والتي ما بَرِحت أنموذجاً دائماً للعِبرة عمّا تعانيه الثقافة من هَجَماتٍ جاهلية؛ تروم طمسَ كلِّ نور تشعُّه أمثالُ هذه المنارات العظيمة.
وقد كانت هذه المدينة الراسخةُ القَدَمِ في العَراقَة، الثابتةُ الأصل في الحضارة، تنفُضُ وَعثاءَ الزَّيف عن مرآتها كلَّما عكَّرَت صفوَها النائبات، لتنهضَ كالشمس كَرّةً بعد كَرّةٍ، فتكونَ ـ كما اختار الله تعالى لها ولأخواتها من حَواضر العالم الإسلامي ـ قِبلَةً لرُوَّاد المعرفة وحُجَّاج العِلم.
وقد نَنْسى ـ وللأسف ـ هذه الرُّوحَ الصامـدةَ الصامتـةَ التي تتمتَّع بها بلـدانُ العالم الإسلامي عموماً، وحواضـرُه مَراكز العلـم والمعرفة خصوصاً، تلك الروح التي جعَلت من هذه الحواضر مُضغةً عصيَّةً على المَضـغ بين فكَّي المِحَن على شراسة تكالبها عليها؛ نَنْسى هذا في مقابـِل ما نُرَكِّـز عليه من حُلْكة الظَّلام الزائف الذي تزوِّره في عيوننا غيمةٌ رعناء، تهـبُّ تارةً من الشرق ـ كما حلَّ ببغداد قديماً ـ أو سحابةٌ خاوية تتمطَّى على حدود آفاقنـا من الغرب ـ كما حلَّ ببغـداد حديثاً ـ ويأبى الحقُّ إلا أن يُتِمَّ نورَه.
أقول هذا لِمَا درَج عليه الكُتَّاب المعاصرون من الوقوف عندَ حادثة سقوط بغداد جريحةً ـ ولا أقـول صريعةً كما يزعمون! ـ بِيَد مَغول الشرق سنة (656ﻫ)، وكأنّ هذه الحادثةَ كانت نهايةَ مجـد هذه المدينة المتينة وآخـرَ شوطٍ في سعيها إلى الخلود، غاضـِّين الطَّـرْفَ عن نهضتها التي كانـت بعدَ تلك الحادثة بسنوات قلائـل، حيث عادت إليها بَهجةُ العلم ورَونَقُ المَدارس ونَضْرةُ المَجالِس، وعاد طُلّاب العلم إلى قصدها فوجاً بعد فوج؛ مدرِكين أنها إن كانـت قد سُلِبت أبَّهةَ المُلك ورِفعة السلطان؛ فإنها لم تفقِدِ ـ البتةَ ـ عزّةَ الدِّين وهيبةَ العِلم.
وبعدُ... فلا مفَـرَّ من البُشـرى، فعنـد مطالعتي لمخطوطـة هذا الكتاب ترسَّـخ التفاؤل في ضـميري بأن تعـودَ بغـدادُ ـ بعد أن التهَمها اليومَ ’مَغولُ الغرب‘ ونهشوا ثوبَها ـ كما كانت؛ مُرُوجَ حضارةٍ، ورِياضَ مَجدٍ، وجنّةَ علمٍ. وهذا العهد بها؛ سرعة النهوض بعد الكبوات، وتدارك الخُطَى بعد العثرات، وعمارة العلم بعد النائبات.
وبالله تعالى الأمَلُ أن يردَّها إلينا وأن يردَّنا إليها، ﴿والله غالب على أمره﴾[يوسف: 21].
وقَد يَجْمَعُ اللهُ الشَّتِيتَينِ بَعدَما
يَظُنَّان كُلَّ الظَّنِّ أنْ لا تَلاقِيا

من أجـل ذلك عزمتُ على تحقيق هذا الكتاب رغبةً منّي في خدمـة مدينتـي الحبيبة، التي طالما جمعتني فيها همومٌ وهِمَمٌ شاطرني حملَها بعضٌ من طلبة العلـم وروّادِه في خدمة بغداد من خلال تحقيقِ ودراسة ما يتعلّق بها من مصنَّفات ومؤلَّفات.
وها هو كتاب ’المنتخب من حديث شيوخ بغداد‘ في سلسلةٍ هذه ثاني حلقاتِها، بعد تحقيقي لكتاب ’المشيخة البغدادية‘ للرَّشيد ابن مَسلَمة ـ رحمه الله ـ أقدمه للمكتبة العربية والإسلامية، عسى أن أكون موفَّقاً في إخراجه بهذه الصورة.
وقبل أن أفارق قلمي؛ أرى أنّ من واجبـي الأدبـيِّ والأخلاقيِّ أن أعطف بكلامي؛ منوّهاً ومذكِّراً بما قام به الأخُ الوفيّ والشيـخُ الألمعيّ محمد بسّام حجازي من جهد في إعانتي على مقابلة الكتاب ومراجعته وتقويـم ما ندَّ لي من عبارات وكلمات، وما قدَّمه لي من نُصح يدلُّ على كريم جنابه ونبيل أخلاقه.
والحمد لله أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً.

وكتبه
رياض حسين الطائي

372 pages, Hardcover

First published January 1, 2012

1 person is currently reading
2 people want to read

Ratings & Reviews

What do you think?
Rate this book

Friends & Following

Create a free account to discover what your friends think of this book!

Community Reviews

5 stars
1 (50%)
4 stars
0 (0%)
3 stars
1 (50%)
2 stars
0 (0%)
1 star
0 (0%)
No one has reviewed this book yet.

Can't find what you're looking for?

Get help and learn more about the design.