لا لومَ لهذا الصباحِ العابرِ بلا تفاحٍ وباعةٍ جائلين، بلا أرصفةٍ للمارةِ ومطاعمَ على الجانبين، فالمدينةُ الغارقة في بحرِ سؤالها عن نفسها لم تكن مدينة، كانت مجازاً في أفقِ الشاعر، ولم تلتقِ بنفسها بعد. أما أنتم يا مُشعلي مصابيحَ حاراتِ قلبي النائية، يا عازفي كمنجاتِ صمتي حين يَجنُّ الحنين، يا كاتبي الطباشير على لوحِ أمنياتي الصغير فلا تَكفوُّا عن حلولِكم بأرضِ ندائي الطويل عليكم، وارتهاني لسكونِكم الجميل بصخبي، أنتم يا عابري قلقي كرضا وهناءة صغيرة، كارتباكٍ جميلٍ بين شفتين، وزقزقةٍ لعصفورٍ لم يفتح عينيه الحالمتين، أنتم صحو الحديقة وبرعمها المنذور منذ أبد ليتفتح عن مدينةٍ جديدةٍ طازجة.
بعد هذا الكتاب تمنيت لو يُعطى كل قارئ فرصة الحديث ولو مرة واحدة مع المؤلف فعندها سيضع أحكاما مختلفة للكتاب... غزة ظلمت الكاتب... الحرب ظلمت غزة... الحرب ملعونة. والكتاب حالم وواقعه كابوس، مشربٌ بالالم متعطشٌ للحياة، محدودٌ بغزة يعبره طيف أمٍ راحلة خجولٌ أمام الحب يمر عليه على عجل ثم ما يلبث أن يعود ليكابد الحياة وآلامها ولا يلتفت. كتاب لا ينظر الى المدى... لانه مشغولٌ بالنظر نحو السماء!
عابرون في نص غير عابر هذا الكتابُ لا يقرأ مرة واحدة، إنه يشدك لتعود إليه مرة بعد مرّة.
كأنهم العابرون في القصيدة الخالدة... الحروف أم الانفعالات أم الإحساس الذي جاء بالضبط كقطعة "بازل" مفقودة ووجدتها أخيراً! أهداني الكاتب "ناصر رباح" نسخة من الكتاب بينما كانت الحرب مشتعلة وكانت غزة تنفجر ألماً ووجعاً ومقاومة وبطولة! ووعدته أن أقرأه بعد أن تضع الحرب أوزارها لأستطيع أن أقرأ أدباً، ولا أرى فيه نوعاً من القصاص، لم أدر أن نوعاً من البطولة آخر، موجود في ثنيات هذا الكتاب. بطولة في العشق، والصبر، والقتال الوطنيّ، وحتى في الخيانات، هل سمعت مرةً عن أبطال الخيانات والغدر؟ الوقت، الظرف، الإنسان، أو أحد أعضائه؟ (ناصر رباح) يعلّق الأبطال واحداً واحداً على مشنقة رؤيته وفكرته، وأنت عليك أن تستلذ، تستمتع وأنت تقرأ محاكماته - التي سميّتها أنا محاكمات من خيال رؤيتي للفكرة والبطل وحسب- للأشياء! فكأنه منذ التسمية قال إنه سيفضح أحداً ما، حين سمّى – حسب ما تخيّلت – أبطال القصائد بالعابرين ثم غطاهم بحلل خفيفة لتشفّ عن مقصده أمام قارئه! في الكتاب نصوص أدبية عن الحياة بكل ما فيها، أخبرني ماذا تريد أن تجد؟ ستجد الحب شخصاً مرة ونصاً مرة ومظلّة مرات وعثرةً أحياناً وملامة كثيراً وشماعة من وقت لآخر. ستجد ألوان الخيانات المتكررة ابتداءً بخيانات القصائد وليس انتهاءً بخيانات النساء! ستجد الوطن كأنه رقم الصفحة، شيئاً ثابتاً ثبات الكلمة لا تهتز صورته ولا يتلون وجهه، ولا ينخدش وصفه ولا ينجرح صمته! ستجد أيضاً أوجاعك بألوان أخرى، محكيّة كأنها قصة مسليّة... هل تطلب فواكه الكلمة؟ أم تريد ربيع الحكمة؟ هل تطرّق الفقدُ إلى حياتك مرة وشعرت بالخواء؟ هل توسوس لك الحروف بشيء غير الذي تقوله؟ كأنني شعرت بأن الكاتب يقول كل هذا أو بعضه، لا أعرف بالضبط! * اللغة جميلة كأنها قطعة نوغا، ولحظات التجلي كانت تنزّ جمالاً في جسد النصّ، أجزم أنني كنت أشعر بنسبة التجلي الروحي في نص دون غيره، وقد أحببت ملامسته للواقع جداً في كثير من النصوص كقطعة "بازل" مرة أخرى. أكثر ما سحرني في الكتاب إحساس المرأة الذي تجلّى في أكثر من نص عن امرأة وحيدة مرة وامرأة عاشقة مرات، وكأن امرأة مسكت بيد الشاعر وخطّت الحرف. واضحة جداً ثقافة الشاعر وحتى تأثره بالنص القرآني البديع، والتوجيه النبوي في كثير من نصوصه يبدو واضحا، وهذا شيء تسلل إلى داخلي وأحببته على الرغم من انكشافه. في أغلب النصوص ضجيج داخليّ وإيقاع خاص ينتقل إليّ بسهولة وأنا أقرأ, ويأخذ مكانه بداخلي ويقيم جوقته الخاصة، مع أن النصوص ليست موزونة عروضياً مثلاً لكن موسيقى خاصة كانت تنتقل إليّ حتى إنني في بعض السطور لاحظت أنها كانت منسجمة وكأنها مقسمة عروضيا حسب بحور الخليل، وهذا ليس مدحاً ولا ذماً، إنما وددت أن أقول إنني كنت أقرأ وقلبي يغنّي! أنا متأكدة من أنني سأقرأ هذا الكتاب مرة - أو مراتٍ - أخرى لاحقاً!