مساء الفاتح من نونبر ٢٠٠٤ أوقفني الباص في محطة جسر الجميلات على الطريق الوطنية رقم ١٠ في ضاحية باريس الجنوبية. نظرت حولي، لا حديقة في هذا المكان الموحش، منطقة تجارية تخلو من أي جمال، بدا لي اسم جسر الجميلات وكأنه دعابة سخيفة من أحدهم. هناك فقط بنايات زجاجية تلوح من الطرف الآخر للطريق الوطنية. واجهات شركات ومكاتب ومصانع صغيرة، إنها منطقة تجارية على هامش هاته الضاحية من ضواحي باريس. في الجهة الأخرى تترائي لي أضواء بعيدة ومن بعيد يلوح جسر يصل الجهتين. اللون الرمادي هو المسيطر على المكان.
بسرعة فكرت في اللون الأخضر، هذا اللون الذي لا أستطيع أن أتخيل العالم بدونه، ربما لأنني كبرت في واحة كانت تجف يومًا بعد يوم تعلقت بهذا الشكل باللون الأخضر. في مخيال أهالي الواحات والصحراء الأخضر هو الجنة ولهذا كان وعد الجنة في القرآن مليئًا بالأشجار المثمرة والمورفة وبأنها لا تنضب. القرآن استجاب في ذلك لمخيال أهالي الواحات والصحراء. أريد أن ألوّن هاته الضاحية الموحشة بالأخضر وأن أمشي تحت ظلالها فالأخضر علامة على وجود طريق تقود إلى يد الفلاح. لو كان في هذا المكان شيء من الأخضر لا طمأنيت ولمضيت سريعًا أبحث عن وجهتي.
نساء من مختلف الطبقات والأعمار يروين قصة حياتهن بما يؤكد غربتهن وسط اهلهن وذويهن. بين الحرب والحب والدين والانعتاق تدور في فلكة الهوية المرتبكة في المهجر
سيرة حياة الكاتبة. تعرفنا من خلالها على طفولتها التي كونت شخصيتها. لا أنفي إندماجي معها ولكن تبقى لدي عليها ملاحظات هي التالية: استخدام الكاتبة للمسميات المغربية دون إعطاء المقابل لها باللغة العربية الفصحى الأمر الذي يعيق أحيانا الاستمتاع بالقصة إنكار وجود رب العزة وإعلان ذلك عندما كانت تمر بها ضائقة التحدث عن علاقات خارج نطاق الزوجية وكأنه أمر في غاية البساطة ( والرواية قد تقع تحت أيدي مراهقين ومراهقات) لقد كانت سيرة المؤلفة دليلا كبيرا على أهمية أن يعش الأطفال لأبوين تربطهما علاقة ود أو احترام على القل. كان أباها شديد القسوة مع أمها الخاضعة، المر الذي تسبب في شتات تلك الفتاة الصغيرة والذي أدى إلى ارتكاب حماقات في حق نفسها ودينها. تآلف الوالدين أساس نجاح أفراد الأسرة. شكل التنقل الدائم للأسرة عائقا أمام تكوين الطفلة لصداقات طويلة المدى، وإجبارها على التخلي عن أماكن ارتبطت بها عاطفيا لتخسر بعدها الإحساس بالأمان وتبدأ بعدها رحلة طويلة من العذاب والمهانة.