يناقش كتاب الدكتور وجيه كوثراني بعنوان "إشكالية الدولة والطائفة والمنهج في كتابات تاريخية لبنانية: من لبنان الملجأ إلى بيوت العناكب" (102 صفحة من القطع الصغير) تصورات بعض المؤرخين اللبنانيين المنتمين إلى طوائفهم، وخصوصيات المراحل التاريخية المعاصرة لنشأة الدولة اللبنانية، والمرجعيات النظرية والأيديولوجية للكتابة التاريخية.
وفي هذا الحقل المعرفي، يتصدى الدكتور وجيه كوثراني لمجموعة من الفرضيات لدى المؤرخين الموارنة مثل فرضية "لبنان – الملجأ" التي أطلقها الأب هنري لامنس وتبناها جواد بولس، ومثل كتابات كمال الصليبي عن ضرورة تنظيف بيوت العناكب وآرائه في الأمير فخر الدين المعني، علاوة على آراء إبراهيم عواد وتوفيق توما في شأن نظام الأراضي والملكية الخاصة في جبل لبنان. ويتناول الكتاب التأريخ الدرزي أيضا كما تجلى عند عباس أبو صالح وسامي مكارم، والتأريخ السني كما ظهر على يدي محمد جميل بيهم، والتأريخ الشيعي لدى علي الزين ومحمد جابر آل صفا. ويختتم هذا البحث بخلاصة منهجية ونقدية معاً، وباستنتاج يقول إن الهرم التاريخي في لبنان مقلوب، وما ينبغي طلبه ليس تنظيف بيوت الطوائف، أي تواريخها، ليستقيم أمر الدولة – الوطن، بل تنظيف السياسات في لبنان لبناء دولة – وطن، ولا يمكن أن يتم ذلك بمعزل عن علمنة السياسة ومدنيتها.
موقع المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: http://www.dohainstitute.org/portal
وجيه كوثراني باحث في التاريخ والأدب والسياسة بالإضافة إلى كونه أستاذا جامعيا
ولادته ودراسته
ولد في بلدة أنصار إحدى قرى جبل عامل في جنوب لبنان وذلك في العام 1941م. حائز على دكتوراة في التاريخ من جامعة السوربون في باريس في العام 1974م. حائز على دكتوراة دولة في الآداب من جامعة القديس يوسف - بيروت في العام 1985م. أستاذ التاريخ في كلية الآداب في الجامعة اللبنانية رئيس تحرير مجلة "منبر الحوار"
مؤلفاته
الإجاهات السياسية والاجتماعية في جبل لبنان والشرق العربي بلاد الشام: الاقتصاد والسكان والسياسة الفرنسية في مطلع القرن العشرين وثائق المؤتمر العربي الأول المسألة الثقافية في لبنان السلطة والمجتمع والعمل السياسي الفقيه والسلطان مشروع النهوض العربي الدولة والخلافة في الخطاب العربي إبّان الثورة الكمالية في تركيا الذاكرة والتاريخ في القرن العشرين التأريخ ودارسة في الغرب وعند العرب
يقدم الدكتور وجيه كوثراني في كتابه " إشكالية الدولة والمنهج والطائفة في كتابات تاريخية لبنانية " نماذج لاتجاهات الكتابة لتاريخ لبنان من قبل المؤرخين اللبنانيين في العصر الحديث ، ويبين كيف لعب الوعي الطائفي والإيديولوجي والموقع الاجتماعي للمؤرخ من جهة ، وطبيعة المرحلة التاريخية التي كانت تشهد تشكل الدولة اللبنانية الحديثة من رحم الامبراطورية العثمانية بُعيد الحرب العالمية الأولى - وهو مايستدعي تخيل تاريخ افتراضي يؤسس للكيان القومي المحدث ويلائم طبيعة الدولة ودورها ومصالح القوى الاجتماعية الغالبة فيها - من جهة أخرى ، دوراً بارزاً في النظر إلى تاريخ جبل لبنان وتأويل بعض أحداثه ورموزه التاريخيين بما يتناسب وطبيعة المرحلة والوعي الطائفي والاجتماعي للمؤرخ.
ويفرد الدكتور وجيه نموذجاً أو اثنين لكل من المؤرخ الماروني والدرزي والسني والشيعي ، فيذهب المؤرخ الماروني جواد بولس إلى التأكيد على الهوية الفينيقية القومية للبنان منذ مطلع التاريخ ويرى بذلك أن الدولة الناشئة هي استئناف لتلك الهوية الجوهرانية التي اتسمت بها لبنان منذ فجر تاريخها فيما عدا بضعة عقود من " الغزو العربي الاسلامي " الذي شكل استثناءً عابراً لا ينفي الهوية الأم ، هذه الصورة المتخيلة للهوية اللبنانية ترافقت مع رفع المارونيين مطالب للدول الكبرى - إبان الحرب العالمية الاولى- لتوسيع حدود جبل لبنان تمهيداً "لإحياء" الوطن القومي المؤسس على "حدود تاريخية وطبيعية"تحتفظ بالهوية الفينيقية ، وفي سياق البحث عن رمز قومي يُصَوّر " فخر الدين المعني " - والذي سيعاد إنتاجه بصورة بطل قومي لبناني تارة وبصيغة بطل قومي عربي تارة أخرى مع الدرز - يُصَور في سياق علاقته بالاسر الاقطاعية والإنكشارية في العصر العثماني بأنه " كان صاحب مشروع يطمح لإعادة بناء الوحدة الجغرافية والسياسية لفينيقيا القديمة المجزأة فيعيد بناء لبنان الكبير " !
وينتقل بعد ذلك إلى المؤرخ الدرزي عباس أبو صالح حيث يُقدَم فخر الدين المعني كبطل عربي قومي كما وينسبه إلى طائفته الدرزية وبذلك يصبح للدرز الأسبقية من بين جميع الطوائف في الارتباط بالرمز التاريخي اللبناني وبالتالي بالدولة المحدثة .
في حين يطغى على المؤرخ السني هم المشاركة في الدولة المحدثة - والتي حُرم منها في البدء لانتماءه الاسلامي الذي يشير إلى الحقبة العثمانية - وصياغة ميثاق وطني يعترف للسنة بالحق في الكيان اللبناني ، ومن هنا يقوم المؤرخ محمد جميل بإعادة صياغة لتاريخ لبنان يقوم على أساس عربي وإسلامي ومنتقداً فترة الحكم الأخيرة للعثمانيين التي هيمن بها حزب الاتحاد والترقي وسياسات التتريك التي قام بها الحزب !
وأخيرا فإن المؤرخ الشيعي لا تبدو عليه مشاغل الأحقية التاريخية للانتساب للكيان اللبناني كما سابقيه ، فقد كان المؤرخ الشيعي فقيهاً وإماماً دينياً في المقام الأول وهو مايجعل من الهم السياسي مسألة ثانوية خاصة في ظل النظرية الشيعية التي كانت سائدة حينها حول الإمامة ، ومن هنا كان الاهتمام بإبراز الدور الحضاري والثقافي الذي لعبه شيعة جبل لبنان ، والبحث عن تاريخ ضائع أو منسي وسط ماتقوله الروايات الرسمية !
ينتهي الدكتور وجيه بعد هذا السرد والنقد للاتجاهات السابقة إلى خلاصة مفادها أن مقاربة الحقيقة التاريخية تبقى مسعى معرفياً نسبياً ، فيقترب أو يبتعد عن الحقيقة في خضم السجالات والصراعات الطائفية ، كما يشدد على ضرورة عدم التوظيف السياسي الراهن للتاريخ ما يعني بالضرورة إعادة تأويليه وصياغته ! See translation
ورقة بحثية متميزة مضمونا وموضوعا، أثار كاتبها شغفي بالمعرفة التاريخية من خلال عرضه المقتضب للغاية في هذه الورقة البحثية الصغيرة...
"ليس الماضي سجنا للسياسة أو راسما لها، وليست هي نتاجه الحتمي، وليست الذاكرة الجماعية تاريخا ثابتا، وإنما هي جزء من التاريخ متغير ومتحول، وصانع التاريخ ليس الماضي، وإنما هو سياساته في الحاضر."