تنخرط هذه المحاولة في تفكير منهجي حول سؤال الثقافة، هذا السؤال الذي تناولته الدراسات الإجتماعية (السوسيولوجيا) والإناسية (الأنثروبولوجيا) ولم يكن موضوع دراسة فلسفية إلا نادراً. فهي تعكف على قراءة الماضي الفكري للغرب وللعرب. الإنطلاقة الفلسفية لهذا الكتاب هي مسح لغوي واصطلاحي في مقولة "الثقافة" وأيضاً رؤية الفلاسفة لهذه المقولة. لم تكن الثقافة حاضرة كمبحث مستقل سوى عند بعض الفلاسفة ممن يعدّون على أصابع اليد الواحدة وأشهرهم على الإطلاق إرنست كاسيرر. لكنها كانت حاضرة وراء مفاهيم أخرى ترتبط بها عضوياً ووظيفياً وأخصّ بالذكر: الحضارة، التربية، المعرفة، التاريخ، الخ. لا أغالي إذا قلت بأنها أول محاولة في السياق العربي للإضطلاع بفن معرفي وهو "فلسفة الثقافة" الذي لم يحظَ بالتنقيب والبحث الذي يليق به. إن الغرض هو مقاربة الثقافة في أزمنة تشهد تعطّل في تاريخنا الفكري والسياسي: لم لا تكون الثقافة هي مستقبل العلاقة بالإنسان والسياسة والإجتماع والدين والقانون؟ أي دور يمكن للثقافة أن تؤديه في المشهد العالمي الراهن؟ هل تستطيع الثقافة إصلاح ما أعطبته السياسة والعراك الإيديولوجي؟ كيف يمكن للثقافة أن تصنع إنساناً جديداً توفّر له أدوات تشكيل ذاته وتهذيبها ووسائل التواصل بالغير من أجل رؤية في العالم تتعدى الأنانيات الضيّقة نحو التواجد المشترك تنم عنها أساليب الحوار والتبادل على المستوى المعرفي والرمزي؟ هذه جملة الإشكاليات التي يعرضها الكتاب بقراءة صبورة لأهم النصوص الفلسفية، ويقترح كلمة يصبو بها إلى الإصطلاح وهي "الثقاف". فهو يورد هذه المفردة في سياق اشتغال على اللغة وعلى الأفكار ليجعل منها ماركة عربية مسجلة، ويقصد بها العامل المادي والرمزي الذي يستوى به الطبع والنظر والسلوك، أي كقالب فكري وتربوي يسير وُفقه القابل النفسي والعملي للإنسان. تجنّد هذه الدراسة الوسائل النقدية والإبستمولوجية والتأويلية للإضطلاع بهذا الثقاف النظري والعملي من أجل فلسفة في الثقافة أسّها وأساسها علاقة الإنسان بذاته وبالعالم الذي يتواجد فيه وبالآخر الذي يتواصل معه.
محمد شوقي الزين ، مفكر وباحث جزائري متخصص في الفلسفة، وأستاذ للفلسفة في جامعة تلمسان ، حاصل على شهادة الدكتوراة في الدراسات العربية من جامعة بروفونس بفرنسا عن أطروحته : المعرفة والكشف في تصوف ابن عربي ، ودكتوراه في الفلسفة من جامعة آكس-مرسيليا - فرنسا ، عن أطروحته : الممارسات والاستعمالات في فكر ميشال دو سارتو أما حقوله الاختصاصية التي ينصب عليها إهتمامه فهي : الدراسات العربية الإسلامية ، فلسفة التأويل ، ابستيمولوجيا ، العلوم الإنسانية والتاريخية . .
" إن هذا التفاوت الكبير بين الفلسفة والعلم قد بلغ في الوقت الحالي أقصى المبالغ ، بحكم أن بعض المشكلات الفلسفية تعود إلى الظهور في العلم ، وبحكم أن الفلسفة المنطوية على نفسها تسير إلى الجفاف والضمور ولا تعود تضلع بوظيفة التأمل في العالم البشري .. إن التفكير القائم على العقلنة وعلى المكمم والحساب والذي يختزل في الإقتصاد لهو تفكير عاجز عن الفهم ، أعني الحياة والأحاسيس والروح وتلك مشكلة البشرية " .... يستعيد موران استعارة بليغة في تصوير حالة البشرية وهي رمزية السفينة بالمعنى الذي صادفناه أيضا عند منظري الحضارة على غرار شفيتسر ومالك بن نبي وينعت بها العولمة على وجه العموم ، تسير هذه السفينة بأربع محركات هي : العلم ، التقنية ، الإقتصاد ، المنفعة ....