يتناول دكتور ايميل في هذا الكتاب اهم الثورات الحديثة في الاسلام واهمها الثورة الاسلامية في ايران التي اطاحت بحكم الشاه والثورة الاسلامية في العراق التي اطاحت بالحزب الشيوعي، يتناولها باسلوب اكاديمي ليكشف عن حيثياتها وتداعتياتها ونتائجها.
كتاب لإميل توما صدر سنة ١٩٨١ بعنوان "العملية الثورية في الإسلام"، تناول فيه تحليل مواقف المجتمعات والتكتلات الاسلامية، وبعض رموزها في الفترة الممتدة ما بين نهايات القرن التاسع عشر إلى بداية العقد الثامن من القرن العشرين، من منظور يساري ضمن إطار الصراع الطبقي والحرب الباردة.
تساوق خطاب توما في كتابه هذا مع مفردات الخطاب اليساري التقليدي، الذي ساد غالبية عقود القرن العشرين وخصوصا فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية (انتهت عام ١٩٤٥م) الى فترة انحلال الإتحاد السوفياتي (١٩٩١) أو ما عرف بفترة الحرب البارد، وكانت مرتكزاته الأساسية مقاومة الإمبريالية البرجوازية (الرأسمالية الأمريكية والغربية)، مقاومة الرجعية المتواطئة مع الامبريالية، إقامة النظم الإشتراكية، وتكريس الأفكار التقدمية، ومن هذا المنظور تناول توما عرض تحليله وتقييمه للحركات والتوجهات الإسلامية، فقد قسم تلك الحركات الى حركات تحررية ساهمت في معارك التحرر الوطنية من الاستعمار الامبريالي، والاستقلال، كالحراك الديني في كل من الجزائر ومصر والعراق وإيران وغيرها، كما أبرز دور خطابات كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده الدينية في حث الشعوب على مقاومة الإستعمار ودحره، رغم إقراره عموما برجعية تلك الحركات، وأولئك الأشخاص متى ما تعلق الأمر بتطبيق الاصلاحات الاقتصادية والاجتماعية التقدمية، والتي من شأنها أن تقلص الفوارق الطبقية وتحيل المجتمعات من أنظمة الإقطاع أو الرأسمالية الجائرة الى شكل من أشكال الاشتراكية، التي تعزز مبادئ المساواة والتكافل الإجتماعي، أما الفئة الثانية فكانت تنضوي تحت جناح قوى الامبريالية الاستعمارية التي نجحت في توظيفها لاستقرارها و/أو استقرار الأنظمة الرجعية التي عينها الاستعمار لخلافته ومراعاة مصالحه في مستعمراته السابقة ومناطق نفوذه، إبتداءا من بعض شيوخ الطرق الصوفية والسلفية وغيرهم من الذين خدموا الاستعمار بدعمه و/أو دعم الثورات المضادة وتثبيط همم الشعوب الثائرة بحجة أن ثوراتهم طلبا للاستقلال والكرامة والحرية والمساواة تتعارض والتعاليم الدينية، رغم عدم وجود أي دلائل يعتد بها من الدين على ذلك، ورغم المواقف المتناقضة (مثلا مواقف منظمة المؤتمر الاسلامي التي تبنت خطاب تصعيدي ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان، وخطابات أكثر لينا وميلا للتسامح ضد العدوان الأمريكي والصهيوني على فلسطين وعدد من الأقطار العربية)، إلا أن خطاب هذه الفئة وجد له آذان صاغية خصوصا في الأقطار المحكومة من قبل الأنظمة الرجعية.
قيمة التحليل والرسائل الواردة في الكتاب تتجلى في قراءة محتوى الكتاب في سياقة التاريخي (كخطاب تاريخي) ومقارنة الوضع بعد ما يقارب الأربعين سنة من تاريخ صدوره، وفي هذا الوارد يسعنا القول بأن التوظيف الديني الرجعي المتمثل في خطابات وتوجهات عدد من المؤسسات الدينية الرسمية العربية والكيانات الاسلامية، لازالت تدعم سياسات الأنظمة الرجعية التي تدور في الفلك الأمريكي ولا تشذ على املاءاته، وليس أوضح للتدليل على ذلك - هيمنة الامبريالية على الخطاب الديني الاسلامي- من ما سمي بالقمة "الاسلامية الأمريكية" التي عقدت سنة ٢٠١٧ على شرف المعتوه الأمريكي ترامب (رئيس الولايات المتحدة الأمريكية) أكبر داعمي المشروع الصهيوني بشكل لم يسبقه اليه أي رئيس أمريكي، وليس بالغريب أن تكال الإدانات من تلك المؤسسات والكيانات لكل حركة مقاومة اسلامية أو غير اسلامية، مسلحة أو سلمية تهدد المصالح الإمبريالية الأمريكية والغربية، ورغم وجود الحركات الاسلامية المقاومة للارادة الأمريكية إلا أن تلك وعلى خلاف ما رآه الكاتب، كانت قد هاجمت شركاء الأمس من الأحزاب التقدمية واليسارية الشيوعية، بعد أن إستقر لها الأمر، كما حدث بشكل جلي في النموذج الإيراني حين أقصى نظام الخميني، اليسار أعضاء حزب توده وغيرهم، وزج بهم في السجون و/أوالمنافي، كما أن المؤلف لم يستشرف بوادر هزيمة الاتحاد السوفيتي الذي وقعت بعد عقد بالتمام من تاريخ صدور ونشر الكتاب، وقد كانت الحرب السوفياتية الأفغانية ودعم الولايات المتحدة والنظم العربية والاسلامية من تلك التي تدور في فلكها، لمناوئي النظام الأفغاني الموالي للسوفييت، القشة التي قصمت ظهر البعير وقضت على الاتحاد السوفياتي اقتصاديا وسياسيا، في حين أن الكاتب كان يبشر بنصر السوفييت وبانتشار الاشتراكية.
مأخذي على الكتاب هو عدم تحريه الدقة في المعلومات والمراجع المطروحة، كالقول بأن غالبية سكان باكستان من الشيعة في الهامش رقم ٤٢ وهي معلومة غير دقيقة، واستشهاده بآية قرآنية أخطأ في إقتباسها حرفيا بشكل صحيح، هامش رقم ٦٤، اضافة الى كون الخطاب في أجزاء عديدة منه أقرب للدعائي منه إلى التحليل الموضوعي العلمي المجرد.
أتفق مع الفكرة الأساسية التي طرحها الكاتب وهي بأن الصراع الديني المفتعل مع الشيوعية (الملحدة) كما يُرَوَّجْ لها، هو في حقيقته كما عبر عنه إيميل توما "ليس بين الدين والإلحاد .. أو بين المؤمنين أو غير المؤمنين .. بل بين التقدم والرجعية.. بين التحرر والإمبريالية .. بين العمال والرأسمالية وإذا لاحظنا ماهية الصراع المصيري أدركنا أن الدين ليس طرفا في هذا الصراع إلا بقدر ما يقحمه رجال الدين فيه .. وهؤلاء متفقون دائما مع الرجعية والإمبريالية والرأسمالية ولهذا فمقاومتهم هي مقاومة القوى التي يمثلونها وليس الدين."
إقتباسات من الكتاب:
"وبعد خيبة أمله* في صلاحهم، دفعته الى الإعتقاد بأن 《القوة النيابية لأي أمة لا يكون لها قيمة حقيقية إلا إذا نبعت من نفس الأمة، وأي مجلس نيابي يأمر بتشكيله ملك أو أمير أو قوة أجنبية محركة له فهو مجلس موهوم، موقوف على إرادة من أحدثه." *جمال الدين الأفغاني
" ومن جديد يتأكد أن الإمبرياليين والرجعيين لا يهمهم من الإسلام إلا إمكانية تسخيره في مقاومتهم الإشتراكية وقوى التحرر والتقدم الإجتماعي.."