محمود الرحبي كاتب من عمان ولد في أواخر عام 1969 بقرية سرور بعمان، درس الإجازة في الأدب العربي من جامعة الملك محمد الخامس بالمغرب. أصدر أربع مجموعات قصصية وروايتين. فازت مجموعته القصصية "لماذ لا تمزح معي؟" بجائزة أفضل إصدار قصصي في معرض مسقط للكتاب للعام 2008 ونالت مجموعته "أرجوحة فوق زمنين" بالمركز الأول في جائزة دبي القثافية عام 2009
قد نحتار في فكرة التوجيه، ماذا يراد وأيّ مقصد هو المطروح، أفعالنا التي نهرب إليها من منعطفات الحياة الضيقة لفسحة نستريح عندها، نمارس ما ضحينا به لقائمة اعتبارات عديدة أو نضحي في الفسحة تلك بقائمة الاعتبارات التي شكلت طريقة العيش. وفي كل ما نصنع إيقاع تصنعه خطواتنا مستقيمة كانت أم عرجاء، سريعة أو بطيئة نتوانى عن أحداث كثيرة لكنها تجري بنا ونمضي فيها مرغمين حتى نستعد أن نكون كما يقول المثل "روح بعيد تعال سالم" وهكذا كان سالم.
إن القرارات التي نتخذها جزافًا أو عمدًا أو حتى تظهر كخيارات مصيرية ليست إلا رحلة طويلة فيها البقاء صراع يدوم لفترات متواصلة، ومن ضرورات تمهيد الطرق الحياتية أن يبقى ذلك الصراع وهذا ما لم يستطع الشيخ محسن أن يحافظ عليه ولم يكن سالم قادرًا على فهمه، قادت الموسيقى مشاهد عديدة لم يستمع لمضامينها المارون ولا حتى الهاربون، كانت تنضح من الطبيعة وتتبدد في الجبال راحلة عن المشهد فقد قرر من عاش أن يصنع طريقه بايقاعه الخاص برجله المطلقة في الرياح وببطنه الفارغ وعيونه الخائفة.
من وادي السحتن لوادي عدي، رحلة حملت الكثير من المعاني فيها ظهرت الحاجة وظهرت غرائز تصاحبها، فيها حدد سالم أهدافه الجديدة، المسكن والمأكل والمشرب تحدي جعل من أيامه خطوات محفوفة بالدهاء، كانت يجذب الصبح لسواد أيامه.
ساهم التركيب المجتمعي الثابت في وادي السحتن على بقاء حالة الطبيعة كما هي، صوت الافلاج وخشخشة أوراق الشجر وكان الإنسان فيها أداة في سير العمليات الطبيعية، مزارع يجني ويحرث ومعلم يُدرّس ومجنون عبرة وشيخ يدير هذا الإيقاع في حيز قروي بسيط بمكوناته ومنتجاته، وعلى العكس كان وادي عدي يضج بالتنوع مزدهر ومتلون بثقافاته المتداخلة والأعراق التي جادت في صناعة قيّم مجتمعية جديدة ذاب فيها سالم الهارب حيث لا شيء فيها يعني الطبيعة إلا الناس أنفسهم فقد كانوا صورًا تُظهر اختلافها بعاداتها وملابسها وحتى أيامهم كانت تحظى بأحداث أكثر تشعبًا من الفأر الطائر في وادي السحتن.
العواطف عواصف، كان ما جنن عيسى ولعه وما هيّج وحش الشيخ حبه وما هرّب سالم خوفه وأرجعه حبه أيضًا، كل تلك العواطف غيرت مجريات الأحوال فتمنى سالم لو استطاع التحليق بين الجبال يفرد جناحيّ الشوق والأسى، واشتاق ضلع الشيخ محسن ابنه فحنى وانحنى ومات.
"إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا أن لا تفارقهم، فالراحلون هم"، هكذا هرب سالم ورجع سالم، لم يتمكن أحد أن يعرف الأيام إلا بوقائعها، إلا زهران كان له رأي آخر في الأيام، عاشوا جميعًا في وادي ولكن لكل واحد منهم إيقاعه الخاص وهكذا كانت طبول الوادي.
هي رواية ممزوجة برائحة الأرض وتفاصيلها..فأرضٌ تلفظ ساكنيها وأخرى تحتضنهم ..ولكل أرض سرها المكنون.
ينعتق سالم عن كل ما يربطه بقريته في لحظة صعبة وفارقة ..مغادراً إياها دون هدىً ، تسوقه الرغبة في الفرار منها وحسب، والتخلص من القيود التي يكبله بها والده شيخ القرية حيث تخضع تصرفاته لرقابة من الجميع وليس فقط من والده الذي يُعدّه ليكون وريثاً للمشيخة من بعده.
في فورة من غضب وخوف يتمرد سالم ويهرب حيث يسوقه القدر إلى مكان جديد (وادي عدي) وهو نقيض لكل ما يعرفه سالم عن الحياة في القرية بمحدوديتها وعاديتها، يقاسي سالم من الاختلاف بين القرية والمدينة فهنا يموج المكان بأصناف متنوعة من البشر فيبدأ يتلمس طريقه بينهم إلى الحرية ويتعلم معنى أن يقرر ويختار ويكون مسؤولاً عن كل تفاصيل حياته ، يخرج من شرنقته مدفوعاً بالتجربة حتى يبني شخصية جديدة ويذوق لذة الحياة الحرة .. وينخرط في عوالم رحبة من العلاقات التي استطاع من خلالها أن يكّون هوية جديدة صنعه بجهده لا بالوراثة.
تتصاعد الأحداث ويعود سالم لقريته حين سمع بوفاة أبيه .. تحضر القرية كماضي قد تجاوزه سالم ونطاق ضيق لم يعد يتسع لسالم وطموحاته .. فالأماكن قد تفقد الكثير من معانيها بمرور الزمن ونرى القرية الآن من منظور سالم بعد أن أنضجته التجارب والخبرة فهل يصالحه الزمن مع مكانه الأول الذي ينتمي إليه ؟ أم أن الأمكنة التي ننتمي إليها هي تلك التي صنعتنا ؟
الرواية تبدو كفكرة بسيطة ولكن اللغة التي كُتبت بها هي لغة مدهشة عذبة وأسلوب تصويري يجعلك في قلب المكان تشعر بكل تفاصيله وتتفاعل معه .. شعرت أن الفصل الأخير من الرواية كان عادياً ومتوقعاً بعكس بقية الفصول التي كانت مدهشة حقاً.