إذا كان لكل جسد ظله الخاص أو عالمه السري أو حجابه الذي يفصله عن الآخرين؛ فإن الشاعر إياد الحكمي يقيم في الجسد خالعاً ظله عليه ليجعله وهو في تبادل رمزي للحضور وللغياب، موظفاً ثيمة الجسد توظيفاً قائماً على نظم نصي مختلف، لا يركن للعادي، وهو يشهرها كتميمة ضد المجهول القادم من العالم الآخر ليتبرأ من خلالها من توحده ومن حيرته الممتدة ويضاعف من تأثيرها على المتلقي. من عوالم قصيدته الموسومة "احتضار مزمن" نقرأ: "ذات خوف وجوعٍ/ تُباركُ سعيهما ليلةٌ باردةْ/ كان غيباً/ وإذْ دمعةٌ من أبيهِ/ صداها ترددَ/ في وجنةِ/ الجنةِ/ الوالدةْ/ كان لا بدَّ من قبلةٍ/ أو عناقٍ أخيرٍ/ يرممُ ما كان يشبه قلباً/ قبيل استدلت إليه سماتُ الرمادِ/ من اللون غَضًّا إلى الملمسِ الـ لايُرى../ كان لا بد من جسدينِ/ يشدانِ بعضهما لهما حدَّ دفنهما/ في الصباح معاً...". بذلك التناغم والتداخل بين النص المكتوب وبين من يتلقاه يمكن قراءة مشهدية خطاب شعري متقن يؤسس لشاعر يشكل حالة خاصة في المشهد الشعري المعاصر بين أبناء جيله.
يضم الكتاب ستة وعشرون قصيدة في الشعر العربي الحديث توزعت على ثلاثة مجموعات جاءت تحت العناوين الآتية: 1- جثثٌ دافئة، 2- صحف بيضاء، 3- قيامة الرماد.
Date Started: 21/04/2014 - 07/05/2014 Stopped: 07/07/2014 Date Finished: 03/04/2015
أتعبني هذا الديوان
وجدتني قد قلّبتُّهُ ثلاثًا فهل حفظني أم حفظته؟
يهدي إياد هذا الديوان إلى الملاك الذي يوقظه كل ليلة ليدخن نصف سيجارة ويكتب نصف قصيدة، ثم يستوقفك في عبارته “وطنٌ لا تتسع خزانته لمعطفك لن يتسع سريره لحبيبتك” فتحكّ شعرك كي تفهم ماذا يقصد إياد بالوطن، أهو قلبه أم روحه أم الأرض والتراب؟
“حارس الخوف والأسئلة” شخصية شعرية تصادفك في صفحات الديوان الأولى وتظلّ تفكّر كيف يُحرَس الخوف ومم تُحمَى الأسئلة؟ يتساءل إياد: “كلنا يعرف الله في سكرات السجود، فما الفرق أنا نصلي إلى قبلتين؟“ وفي حيلة لغوية يطرح آخرا فيقول: “هل فَتاتُكْ آم فُتاتُكْ؟”
في قصيدته سراب على لسان الشهيد يقول: “قال الشهيد لربِّهِ: في الأرض للقبلات مُتَّسَعٌ وآخر للقنابل” وبعد “الذاكرة: صياغة أخرى” يتركك طويلا كي تأخذ شهيقًا طويلا لتعاود القراءة مرة أخرى!
في فهرس الأنفاس الأخيرة يذكّرك بروضة في حكاية حب للقصيبي ، هذه المرة على لسان رجل يتساءل: “ألأنها رسمت يدي أحببتها ألأنني أحببتها قطعوا يدي؟” وفي رسالته لصديق عمره الذي أهداه محميَّةٍ للبكاء يقول: “أُلصِقُ وجهي بصدرك حتى أمكِّنهُ من ضلوعك ثم أشدُّ زناد البكاء” وحين يخاطب قلب أنثى كانت له ولأصدقائه أمًّا يقول: “تتعبين وقلبكِ لا يتعب”
لا يمكن أن تقرأ هذا الديوان دون أن تُلبِسَ “حاء” في الصفحة ٢٦ بعد المئة : تاجًا ،، فقد لقبتُّها بالقصيدة التّاج في ختام غيبوبة بين موتين تشم الأمل بين الرماد في قوله “ بين هذا الخراب وذاك الخراب لعل يدًا في الغياب ستدفعنا للعناق إذا اشتدت العاصفة” وفي ختام مرافعة أخيرة يتجلّى فيقول “أما عن الحب مازالت ولم أزَلِ”
وحين يُوَدِّعُك في “لن يبوح برملك قلب الحجر” يطربك: “عُقَّ ذاكرة الحب وانحز لروحك لو مرة آن أن لا يقاسمها أحد - وأدِر ساعديك على صخرة وانتظر لن يطول اختناقك سوف ترى كيف يهتز غصن الحياة على رئتيك إدا انشق صدر الحجارة - لن يبوح برملك للريح قلب الحجر - لن تبدد عمرك في الحزن والخوف إلا . . . قلوب البشر”
و كـ”نقطة آخر القبر” يقول: “لم يبق في الدمع مايكفي لعينين”