هذا الكتاب هو مجموع ما كتبه الناقد «عمر فاخوري» من مقالات مثيرة للجدل حول الشِّعر والشُّعراء، صدَّرها بمقالته «الشاعر وأبناؤه» والتي ناقش فيها تحيُّز الشاعر لكتاباته المبكرة والأقل جودة من غيرها، وذلك بدافع من «الحنان الأبوي» وليس لمجرد غرور أدبي. وتتعدَّد الموضوعات التي يطرقها المؤلِّف بين مسألة الإلهام الشعري، أغراض الشعر وتطوُّرها، جمهور الشعر، المرأة الشاعرة والمرأة في الشعر، تراجم ومراجعات للشعراء، كيف يعلي النقَّاد من باب المداهنة من شعراء ويخفضون آخرين، كما يعلِّق المؤلِّف على بعض دواوين معاصريه الشعريَّة، يتناولها تناولًا واقعيًّا يأخذ بعين الاعتبار العلاقة بينها وبين مفردات العصر الذي كُتبت فيه، ويذهب في واقعيَّته مذهبًا حادًّا لاذعًا بين الفَيْنة والأخرى حتى يصف شعرهم بالرديء، بل وينفي شعريَّة بعضِهم ويشيد بإجادتهم فنونًا أخرى أبعد ما تكون عن الشعر. للتحميل http://www.hindawi.org/kalimat/books/...
عمر فاخوري أديب حر، وناقد مبدع، وكاتب لبناني مناضل، غزير العلم، واسع الاطلاع على الثقافتين العربية والأوربية عامة والفرنسية خاصة.
ولد عام 1895 في بيروت، في أسرة عريقة، عُرفت بحب الأدب والعلم، والميل إلى التقى والصلاح. تلقى دراسته في الكلية العثمانية للشيخ أحمد عباس الأزهري، وكان من رفاقه فيها الشهداء: محمد المحمصاني، وعبد الغني العُريسي، وعمر حمد.. وبعد أن أنهى دراسته فيها، انضم إلى حركة النضال الوطني، فانتظم في (حزب الاستقلال) و(جمعية العربية الفتاة) السرية، وألف في هذه الفترة كتابه الأول (كيف ينهض العرب) الذي كاد يؤدي به إلى حبل المشنقة في عهد الديوان العرفي التركي في (عاليه).
التحق بمعهد الحقوق الفرنسي في بيروت، لكن نشوب الحرب العالمية الأولى قضى بإقفاله، ولما انتهت الحرب، أخذ ينشر مقالاته في جريدة (الحقيقة) بتوقيع (مسلم ديمقراطي) متهكماً على سياسة الحلفاء تجاه العرب، ولما نالت سورية استقلالها عام 1918 دعاه الملك فيصل الأول (1883ـ 1933) لتحرير جريدة (العاصمة) في دمشق، لكنه لم يكد يستقر فيها حتى وقع الاحتلال الفرنسي على سورية عام 1920، فغادر دمشق إلى فرنسا لدراسة الحقوق والآداب والعلوم السياسية في جامعة السوربون، فمكث ثلاث سنوات.
وهناك التقى نخبة من الوطنيين السوريين واللبنانيين كرستم حيدر، وإحسان الشريف، ورئيف أبي اللمع، وصلاح اللبابيدي، وحضر ندوات الأدب والفن والنقد، واطلع على الآراء الاشتراكية التي تأثر بها.
عاد عام 1923 إلى بيروت، وعمل في حقل الأدب والسياسة، ثم دعي إلى دمشق لتحرير جريدة (المفيد) لصاحبيها يوسف ونجيب حيدر، و(الميزان) لأحمد شاكر الكرمي (1894ـ 1927)، ولما توقفت الجريدتان بسبب مناهضتهما للاستعمار الفرنسي، قفل راجعاً إلى بيروت، واستأنف نشر مقالاته في جريدة (الحقيقة) كما أسهم في تأسيس مجلة (الكشاف)، وترجم لها كتاب غاندي لرومان رولان، ومارس المحاماة، وفي عام 1927 انتخب عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق.
أمضى عمر فاخوري السنوات الأخيرة من حياته موظفاً بين الدوائر العقارية والإذاعة اللبنانية. وفي عام 1940 تعرف إلى الحزب الشيوعي، فاعتنق مبادئه اليسارية، وانتخبته عصبة مكافحة النازية والفاشية في عمدتها، كما انتخبته جمعية أصدقاء الاتحاد السوفييتي السابق رئيساً لها. وفي عام 1943 أقدم على خوض معركة الانتخابات النيابية مستقلاً فلم يوفق، فانصرف إلى الكتابة والتأليف ومعالجة مرض اليرقان الذي تفشى في جسمه النحيل، وصبغ لونه بالصفرة، وظل على هذه الحال حتى وافته المنية في ربيع عام 1946 وهو في الحادية والخمسين من عمره، فقيراً، مثقلاً بالديون، بعد أن تعاون عسره ومرض
وتأثرت روسيا في القرن التاسع عشر بآداب أوربة الغربية، وخاصة بأدبي الفرنسيس والإنكليز، لكن شروط الحياة الروسية تختلف بالكلية عما في فرنسة وإنكلترة من ذلك، فلم تر مسحة التقليد على ثمار قرائح المؤلفين الروس، بل إنهم كانوا يلاحظون ويختبرون، ملاحظة خاصة واختبارًا صادقًا مطبوعًا جعلا نتاجهم الأدبي مستقلا متميزا قائما بذاته.
فرنسة وإنكلترة قطران عريقان في المدنية التالدة، وبقدر عراقتهما ابتعدا عن الفطرة الخالصة، ومن ثمار المدنية فيهما تعدد الطبقات الاجتماعية وكثرة المصطلحات المواضعات، ولهذين العاملين أكبر الأثر في موقف الأديب وفي مناحي أدبه، فهو منفعل ذهن بهما، خاضع لسلطانهما، لا يمكن أن يصدق الصدق كله وأن يصدر شعره ونثره عن طبعه، خاصة. هذا هو شأن الكاتب في فرنسة رغم اعتقاده أن الصدق والطبع من العناصر الجوهرية في الأدب الحي الخالد، ورغم الحرية الواسعة التي ينعم بها الناس في دائرتي الأخلاق والعادات. فإنه لا يصدق خيفة السخرية، وأكبر همه أن تستر الصنعة والكلفة أدبه. كذلك هو الكاتب الإنكليزي الذي يراعي، ما وجد إلى ذلك سبيلا، جانب الأحكام المقررة في الأخلاق والعادات فلا يتعرض لها بسوء.
أما الكاتب في روسية فهو يتحرى الصدق جهده، وما يكتبه يتحدر عن طبعه وطبعه سليم لا يشوبه كدر المواضعات الاجتماعية، أو رياء الأخلاق السائدة والعادات المستحكمة. وهذه الخاصة خاصة الصدق - في الأدب الروسي ناشئة عن كون طبقات الناس أقل في البيئة الروسية منها في أوربة الغربية، وعن ضعف أثر المواضعات فيها، ثم عن حس أخلاقي صارم دقيق لا يحجم عن إظهار المساوئ وعن كشف عورات الاجتماع، وليس أدل على هذا مما يذهب إليه تولستوي من أن السكوت عن رذيلة كتمان لها ونصح وإغراء بها.
[...]
فإن أدبنا لا يصور حياتنا إلا كما تصور المرآة الصدئة العروس أو المرأة المجلوة.
----
عمر فاخوري - الباب المرصود مقال: المرأة المجلوة والمرآة الصدئة 1925