نعيش في بلبلة توشك أن تكون زلزلة تتهدد كل إنسان وكل شيء، المخطئ والمصيب على السواء، الجيد والردئ، الفتنة لا تصيبن الذين ظلموا خاصة، ولكن الكل يصلى نارها» وفي زمن الضياع يكثر المتكلمون ويتعدد المحللون وتتطوع الأفكار وتتضارب الآراء حينًا. وتلتقي حينًا، وتتقارب أحيانًا ويبقى الحل معلقًا، ويظل التنفيذ غائبًا. وبعيدًا في جميع الحالات.وكمصرية أعيش هموم هذا البلد، أحسست بعمق أني بحق مصر وبحق القلم الذي أحمله، أن ألملم الشتات وأجمع أطراف الحيرة وأصور الموقف بأبعاده، وأطرح الحل انبثاقًا من رحلتي الطويلة في تاريخ هذا البلد وخصائصه وأسلوبه في الشدائد وحين المحن والأزمات
ولدت بمغاغة بمحافظة المنيا، وحفظت القرآن الكريم في طفولتها ثم انتقلت من مغاغة إلي ضاحية حلوان في القاهرة لتلتحق بالمدرسة الثانوية الداخلية للبنات في حلوان وتخرجت من كلية الآداب جامعة القاهرة ونالت درجة الماجستير في أدب المازني، أما رسالة الدكتوراة فكانت عن >النيل في الأدب العربي< ولها عبارة مهمة تقول فيها >شيء كبير أن يكون للإنسان قلم ولكن شيئا نفيساً أن يكون للإنسان موقف، ومن نعم الله علي أن وهبني الكلمة والقرار، أعني القدرة علي الاختيار الصعب، فعرفت المواقف، وتحملت في سبيل مواقفي الكثير وعلوت علي الإغراءات والعروض والمناصب والبريق، فأعز منها جميعا تراب هذا البلد كل ذرة من هذا التراب<. وقد اقترن اسم الدكتورة نعمات أحمد فؤاد بقضايا أثارت خلالها العديد من المعارك دفاعا عن مصر وحضارتها وشعبها، ومن أهمها قضية هضبة الأهرام وقضية دفن النفايات الذرية وقضية الدفاع عن قبة الإمام الحسين وقضية الدفاع عن الآثار الإسلامية وقضية >أبو الهول< وقضية الآثار المصرية التي استولت عليها إسرائيل أثناء احتلالها سيناء، وللدكتورة نعمات مؤلفات عدة عن إبراهيم عبد القادر المازني، وأم كلثوم والنيل، كذلك عن العقاد والشاعر أحمد رامي، كما قامت اليونسكو بترجمة كتابها >إلي ابنتي< للإنجليزية
بالحضارة لا بالسياسة... قبل أن ينفد الصبر! المبهرة بعذوبتها د. نعمات أحمد فؤاد... فلا أجمل من أن تقرأ لهذه المتيّمة بمصر. وعندما تريد أن تعرف عن مصر تاريخا وحضارة وواقعا فلا يجب أن تضل طريقك عنها. على رقة هذه الجميلة، تجدها تدق الأرض بقدميها برفض غاضب عندما يتسآل أحدهم: "وهل لمصر في العصر الحديث انجازات؟" ثم تغرس قلمها في مداد نبعه نيل مصر لترد بثبات العالِم وثقته، مستدعية لومضات من تاريخ مصر الطويل وبما قدمته في جميع المجالات .. هندسة وقانون وتعليم... الخ وتقول: "مصر لم تفقد شيئا من خصائصها ومنها المقاومة والعطاء، ولكن الضيق بالقهر وتواليه تغيب معه الرؤية وتغيم المرئيات." وعندما يُتهم المصري بالخنوع والخضوع تقول من فهمت هذا المصري الذي أعجز الكثير عن فهمه: "إثنان يثور لهما الشعب المصري الزارع أعتى ما تكون الثورة ... إذا مس عرضه أو مس في رزقه. أما الحكم فلا يعنيه كثيرا... إن قصارى ما يطلبه الشعب المصري من الحاكم، العدل أو عدم الجور على الأقل." وعن المصري أيضا تقول: "ذلك الشعب الذي كان يقول عند التهديد أو الوعيد: يعني المدنة هتقع ولاّ البحر هيجري مقبل؟" أي لا يهمه إلا الدين الذي ترمز اليه المئذنة والنيل الذي يسميه البحر إذا غير اتجاهه وجرى من الشمال إلى الجنوب." وتقول: "هذا الشعب الذي يغمزه الغريب، ويتعتب القريب، بغمزه بعدم المقاومة، خرجت منه أول ثورة شعبية في التاريخ، ثورة منف في الدولة القديمة الفرعونية في الأسرة الخامسة في عهد الملك أوناس." ولمن يقول مصر كغيرها من البلاد، ترد: "لقد كان صلاح الدين في سوريا وابن عمه ملكاً عليها واجتاحها الصليبيون واستولوا على بيت المقدس، فلماذا لم ينتصر صلاح الدين في سوريا؟ إذن انتصاره في مصر وراءه عوامل مصرية." وبقدر حبها لمصر وذوبانها فيها بقدر معرفتها بعيوبها ومشاكلها، فلا تتورع عن ابرازها بوضوح ثم الدخول في معارك شهيرة ومعروفة على مدى عمرها دون كلل، ومنها معركة النفايات الذرية ومشروع هضبة الأهرام... الخ. إذاً هي ليست في برج عاجي... لأن من يقرأ كلامها يشعر بأنها شاعرة حالمة ومدلهة بحب هذه الأرض. تجدها تتحدث عن حكم الفرد أو الحكم السلطوي في مصر والعالم، وتوظيف الدين في السياسة، والأقباط والمسلمون، الإعلام والإعلام المضاد، حكم الفرد والأمراض الاجتماعية واستعمال القوى البشرية، وفي النهاية: القضية واقتراح خطوط عريضة لحل المشكلات التي تراها. تقول تلك الجميلة التي لا تقبل إلا بمصر كاملة بتاريخها الممتد من يوم خلقها إلى يومنا هذا فتقول: "نحن لا نفرط في يوم واحد من عمر مصر ولا في عطاء واحد من معطياتها وعطاءاتها وحضارتها، فمصر عندها هي مصر الفرعونية ومصر المسيحية ومصر الإسلامية ومصر الحديثة في يقين عقلي ووجداني جامع وشامل." للرانين بأنظارهم والمتعلقة أعناقهم بالغرب والشائحين بوجوههم بعيدا عن أرضهم تقول: "فمن لا ماضي له يتيم حضاريا، فقير معنويا وإن كان أغنى الأغنياء." لمحبي مصر ولفاقدي الأمل فيهاكان هذا الكتاب...
التجربة الأولى مع قلمها المنمق، وأسلوبها اللطيف الفريد، وربما لا أجيد التعبير عن شدة إعجابي، وقسوة انفعالي بهذا الكتاب المبسط، والغزير. كما أنني أصدقها القول عندما كتبت "السُّلَّم كما يقول الصينيون: يُكْنَسُ من فوق" عندما كنتُ بالصف السادس الابتدائي؛ وبالمناسبة كنتُ حينها أتمتع بالشغف السياسي بشكل قوي، المناقشة الحرة حتى مع الخباز في حيِّنا، كتابة التساؤلات المتباينة، وتصويرها ومن ثَم توزيعها على الرفاق قبل الدروس الخصوصية! وعندما استقريت بالصف الثاني الثانوي، وبالتحديد الفصل الدراسي الأولى توقفت تمامًا عن التحدث بأي شيء وأي إشارة توحي في دواخلها بمشاعر سياسية، وأصدقكم القول بأنني لا أملك العلم الكافي للتحدث غير نقل القيل والقال، ودراستهم داخل عقلي المتعسف وقتها؛ إذ على أي أساس جمع أشخاص القيل والقال معلوماتهم ووجهات نظرهم الخاصة؟ وعندما التحقت بالجامعة، كنت أدرس العلوم، وناهيك عن هذا.. كنت مشغولة أكثر بأسلوب التعامل مع دكاترة المواد العلمية، التملص إلى نهاية حدودهم، ومصدر قواهم.. هل هناك من يكتب حقًا مذكرات سياسية بحق زملائهم بعيدًا عن الطلاب؟ ولأنني رويدًا رويدًا كنت أبتعد عن شرذمات كل ما يصيبني بالضيق، والاختناق، فكرت في أهمية كوني إنسان مصري! تعلمت خلال تدريب لمهارات التوظيف بأن الإنسان وإن كان عاجزًا، فاقدًا القدرة على تبادل أطراف الحديث، أو حتى الإيماء برأسه ثلث هزة لا ينقص من قدره شيئًا! وشيئًا فشيئًا وجدت أمامي حرب الانقسامات؛ ليبرالي، علماني، ديكتاتوري.. وغيرهما. وبدأت بالبحث خلالهما عما هو أحق بلقب إنسان، ولما علمت ما تدفع به العلمانية نحو الإلحاد توقفت! أجل توقفت، وأصررت على موقفي أنني إنسانة، مؤمنة بالواحد الأحد دون أي حسابات دخيلة. وبعدما انتهيت لتوي من هذا العمل، رأيت بأن الدين هو الإنسانية والحضارة، أصابتني قشعريرة تأكيد هويتي المصرية، فخر الحضارات دون الندم على حضارة البدء؛ إذ أنني كنيرة أصبحت أكره الندم على ما مضى، لأنني وكما قال د. أحمد خالد توفيق رحمه الله في معنى سياقه (لو لم أقترب وأجرب، لظننت أن شيئًا لامعًا قد فاتني). وجاء الغلاف معبرًا للغاية، ولطيفًا، وكما اتفقنا.. بالحضارة لا بالسياسة! ولهذا وإنني أصدقكم كتابتها ب: "إن قليل من الفلسفة يقرب الإنسان من الإلحاد، أما التعمق في الفلسفة فيرده إلى الدين" "إن الثقافة تفرد... امتياز... ومع ذلك تملك قدرة عجيبة على خلق التجانس بين المواطنين" وامتثالًا للجملة الأخيرة، تعدلت قائمة مشترياتي القادمة؛ لأنني التمست صدق نصيحة صديقي العظيم د. أحمد مروان بأهمية الكتب، وأحببتُ ترشيح صديقتي أ. هبة لقلم د. نعمات أحمد. ربما تُضاف بعض الكتب إلى القائمة الشرائية المقبلة، فالأمر يستحق حقًا.