قصتي بسيطة جدًا، أتشاركها مع غيري مـمن يرى بعض التفاصيل الـمُقلقة. كانت أموالنا تضيع بيننا، كل واحد يريد الطحين لنفسه، ونخالته لغيره، قررنا أن نُؤمر علينا من يحكم فينا وعلينا ونجعل له جُعالة على ذلك، ثم ارتبكنا في اختياره، كل واحد منا ازداد جنوحًا لصاحبه أو لنفسه! أنطناها بنظام العيدان والأسهم، فسقط الخلاف، ورُفع الإمام، ثم صار يحكم فينا كما يريد، وينظر فينا كما يرغب، ونحن، نحن من قوّم شكيمته، ورفع قدره، وعززنا رأيه بثقة تكاد تكون عمياء، غير أننا ولسوء الحظ، نسينا التاريخ، وتنَاسينا القصة الأصلية، الحاجَّة لم تكن إلا رمزًا له دلالة، أما القتل فكان ضروريًّا في ذاك السياق، لأنه وكما ترى، كل واحد منا يؤدي دورًا مهمًا محوريًّا، أنتَ بجريمتك التي انتهت بك معي، تُعتبر من مقاييس ما يوزن به المجتمع، لا يمكن أن نعرف العلوَّ ما دمنا لا نراه من القاع، لا يمكن للمرء خارج هذا السجن أن يُسمى مواطنًا مستقيمًا، إن لم توجد أنت، هنا، معي! أنت تخدم ما هو أعظم منك، أنت تعطي الـمصطلح والـمفهوم ما يحتاجانه، موت الحاجة.. أو بالأحرى قتل الحاجة ليست قصة بسيطة ذات طابع غريب، هي أرفع من ذلك بكثير، وعلى هامش كل هذا يجب أن أقول، إن أفراد تلك الأسرة سرطان مستفحل، أفواه مفتوحة، وأيادٍ ممدودة، نفوس تنضح بالجشع وترقب الـمزيد، أفراد تلك الأسرة يعرفون الآن معنى ما يعيشونه الآن، وأيضًا معنى ما عاشوه من قبل، فكما ترى إنما هي حرب معان ومقاصد.
بعد أن غبت عن المطالعة لسنتين تقريبا، أعود إليها بقصص صادمة، يمكن تشبيهها بشهقات الكوكايين ونفحاته. عادة ما يرجع القارئ إلى جو القراءة برواية خفيفة لا تحتاج تركيزا أو أي مجهود. لكن حظي رماني بهذه المجموعة لأني وإن فقدت بصري لن أتوقف عن قراءة ما يكتبه نجيب. كل قصة تحمل تأثيرا غريبا يخالف الأخرى. شعرتُ بالكاتب نسفَ ثقافة الدين بحوار من صفحتين في قصة (الحبل) ووجدته تطرق للبيدوفيليا من منظور جديد في قصة (الجلوس في الحديقة) أما الشخصية المختلة التي رسمها في (مقتحم البيوت) فصراحة تحتاج مقالا خاصا. أربع وعشرون قصة فيها كل شيء فكرتَ فيه مسبقا وكل الأشياء التي لم تفكر فيها. منظورات لقتلة وضحايا. الأول يقتل أباه والآخر يقتله أبوه. فتاة في أزمة طمث وشيخ ينظر نحو نافذتها. قاتل له حديقة وقاتل له تاريخ غريب. احداهن تعاني من مضادات الاكتئاب وأدوية الدهان وآخر يرسل رسالة يتحدث فيها عن معنى القاع. تفصيل دقيق للكوابيس والأحلام الثقيلة ورحلة بحث عن الشيطان. رسائل عن المجتمع وأخرى عن الذات اختفاءٌ للسيد الوالد وحظوة في القاع. كل هذا ليس إلا جزءا بسيطا لا يمثل جهة واحدة من المجموعة. أؤمن أغلظ الإيمان أن نجيب يوسف (أقود) كاتب في ساحتنا الآن. وليست إلا مسألة وقت حتى يعيش الكُتَاب (الآخرون) في ظله!
تبدأ المجموعة بقصة المخلص الذي يخلص عائلته من أبيه وتنتهي بالمخلص2 الذي يخلص العالم من المعاقين وذوي الإعاقات، لا يقوم أساس هذه المجموعة على أساس واحد، يملك الكاتب موهبة فذة في المزج بين الضمائير وحاملي الأصوات لدرجة يتسائل فيها القارئ ما إذا كان كاتب القصص شخصا واحدا. جمعت هذه المجموعة بين ما هو واقعي وسيريالي واجتماعي وسحري وقوطي وهكذا ينبغي للمجموعة القصصية أن تكون، لن يجد الكاتب مشكلة في جمع جمهوره الخاص، إذ يملك موهبة خطيرة في الجمع بين الأجناس. قرأت المجموعة في جلستين تقريبا، وأنوي إعادة قرائتها مجددا كي أعطيها حقها الكامل
خيال هذا الكاتب كالفضاء قصص تحتاج تحليلا بالابرة والخيط، يعجبني كيف يلعب بالكلمات ويمرر رسائل لا يتقبلها الناس في مجتمعنا، أظنه تحدث في مجموعته هذه عن فئات لا تحب من يتحدث عنها، تعيش في الظل وبيننا لا أعرف ما يذخنه الكاتب كي يأتي بهذه التفاصيل
دعوني أبدأ من نقطة مهمة، والتي من الممكن أن أختصرها في عبارة واحدة وهي: (هذه الحكايات عظيمة) للضرورة أضيف عبارة أخرى: (لا تستحق هذه المجموعة الاكتشاف فقط بل الغوص والتنقيب لمدة معتبرة) "الآخرون" حكاياتٌ غير مستقرة، وقارؤها لن يكون مستقرا وهو يطالعها، هذا العمل يحتاج التخصيص، كل حكاية يجدر قراءتها مرات، - بطبيعة الحال لم أنجح في الفصل بينها ووضعِ فاصل زمني بين كل حكاية، لأن الروعة عارمة والتشويق في أوجِه، والرغبة في المزيد طمعٌ يزيد لا ينقص- أود بحرارة وشغف أن أكتب عن كل حكاية لوحدها، كل حكاية بمنشور، غير أني فضَّلتُ ألا أفعل من أجل دواع لها علاقة بالحرق والإكثار. الثقلُ الذي تحمله هذه القصص، هذه الشخصيات الجانبية المسيطرة، هذا الثقل يروي قصة الحياة، من زاوية ليست مختلفة بل من منظور عميق مغمور، كأن الراوي اختار أن يكسر أعناقنا من أجل إدراك هذا المنظور المسكوت عنه. لا أتحدث عن الأحداث الشاذة الغريبة، أو الشخصيات الخارجة الحامِلة لمنطق السوداوية التي تتفق مع ما يعيشونه، بل أقصد الأفكار الملازمة بعد قراءتها، أفكار تتناسل، تظهر على مهل. تأخذ وقتا كالنبيذ. . وسواس قهري، جنون عظمة، مشاعر اضطهاد، فصام في الشخصية، طرائق غريبة في التعامل مع المواقف، اكتئاب وخوف، ارتباك وتحرٍ، هنا فكرة دينية، وهناك فكرة نفسية، مشكلة اجتماعية هنا وأخرى فردانية هناك، هل يمكن لمجموعة قصصية أن تجمع كلَّ هذا؟ لقد نجح هذا اللعين -أقولها مدحا- في جمعها من غير أن يدرك القارئ صعوبة في المزج -مجددا- بين ما لا يمكن تصور جمعه. . ما ذكرتُه في جهة، واللغة، والسرد، والروي، وبناء الشخصيات في جهة أخرى، حكاية من صفحات معدودات، تشعر بقراءتها كأنك قرأت رواية من ثلاثمئة صفحة، كيف يستطيع الكاتب أن يضعك وسط الإشكالية من غير أن تعرفها؟ أن تفهم الحدث دون خلفية؟ صراحة لا أعلم لكنه نجح في هذا. أما اللغة فليست سليمة وفصيحة وسلسة فقط، بل مختلفة باختلاف كل حكاية، كأن الكاتب يغير وضْع كتابته كحاسوب، كل حكاية وقاموسها، وطريقة طرحها، تقرأ الصفحة كجملة واحدة متناسقة، السرد بناية، صرح منيع لا يقبل إيجاد الثغرات والهفوات، أما الشخصيات فبناؤها كامل بدرجة ناقصة، كأنما يقدمها على النحو الذي يراه مناسبا للقارئ، يمنح ما يرتاح منحه فقط، حاولت الفصل بين كل شخصية، من كل حكاية، بادئ الأمر وجدت هذه الشخصيات غريبة، ومع قراءتي الثانية للعمل أدركت أنها شخصيات نعرفها جميعا، نعرفها في حياتنا الشخصية اليومية، ما في الأمر هو أننا لا ننتبه وحسب. . ثم من جهة أخرى، يستحيل معرفة توجه الكاتب استحالة تامة عكس ما نراه في روايات اليوم التي تمثل قضية باردة أو مسألة سياسة –كآخر عمل فاز بالبوكر العربي مثلا- الكاتبُ هنا مخفي، لا وجود له، اختار أن يرمينا بحكاياته العجيبة ونجح في عزل نفسه كإله. . حكاية "الحبل" يحتاج القارئ بعد قراءتها أن يضع الكتاب جانبا ويفكر، ثم يعيد قراءتها فورا. الراوي في حكاية "سفّاح قوطي" ما إن أقرأ ما يقوله حتى أستحضر مجموعة من الفلاسفة مجتمعة في نهج حياته، حكاية "لا أحد، كل الناس" لها وقعٌ فكتوريّ متميز، والجو المرتبك فيها قُدّمَ ببراعة أسلوب. أما حكاية "شيخ هرم ينظر نحو نافذتي" فكأنما كتبتها كاتبة لا كاتب، لتصويره مشاهد ذاك العالم من منظور فتاة عاملة، هذه الحكاية أكبر دليل على الجهد العظيم المبذول. . أستطيع أن أقول صريحة أن نجيب يوسف كسب قارئة سوف تقرأ كل جديد يصدره مدى حياتها، في مجموعة من آلاف القراء، سمعت ومرت على عيني أسماء كُتَّاب كُثُر، وؤمن إيمانا راسخا أن نجيب يوسف سيفعلها ويضع بصمة ثقيلة. ملاحظة: لم يسبق لي كتابة مراجعة طويلة كهذه. ملاحظة ثانية: لا تترددوا في قراءة هذا العمل يا أصدقاء، ثم اقرؤوه مرة ثانية. ملاحظة أخيرة: هذا النوع الأدبي قليل بل نادر في روايات وقصص أقلامنا العربية. تقييمي 9.5/10