بدأ المؤلف - رحمه الله - هذه الرسالة ببيان أن الدين كله يرجع بجملته إلى أمرين هما: الصبر والشكر، واستدل لذلك بقوله تعالى: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ } وبقوله - صلـى الله عليه وسلم -: { عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله عجب، لا يقضي الله لمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له،وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له }. ثم بين أن الصبر عموماً ينقسم إلى ثلاثة أقسام هي: أولاً: صبر على الطاعة حتى يفعلها. ثانياً: صبر عن المنهي عنه حتى لا يفعله. ثالثاً: الصبر على ما يصيبه بغير اختياره من المصائب.
أَبُو العَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلامِ النُّمَيْرِيُّ الحَرَّانِيُّ الدِّمَشْقيُّ (661- 728 هـ / 1263- 1328 م) المشهور بلقب شيخ الإسلام ابن تَيْمِيَّة. هو عالم مسلم؛ فقيه مجتهد ومحدِّث ومفسِّر، من كبار علماء أهل السنَّة والجماعة. وأحد أبرز العلماء المسلمين في النصف الثاني من القرن السابع والثلث الأول من القرن الثامن الهجري. نشأ ابن تيميَّة حنبلي المذهب فأخذ الفقه الحنبلي وأصوله عن أبيه وجدِّه، وصار من الأئمَّة المجتهدين في المذهب، يفتي في العديد من المسائل على خلاف معتمد الحنابلة لما يراه موافقًا للدليل من الكتاب والسنَّة ثم لآراء الصحابة وآثار السلف.
وُلد ابن تيميَّة سنة 661 هـ / 1263 م في مدينة حَرَّان لأسرة علمية، فأبوه الفقيه الحنبلي عبد الحليم ابن تيمية وأمُّه «سِتُّ النِّعَم بنت عبد الرحمن الحَرَّانية»، ونشأ نشأته الأولى في مدينة حَرَّان. ثم عند بلوغه سنَّ السابعة هاجرت أسرته إلى مدينة دمشق بسبب إغارة التتار على حران، وكان ذلك في سنة 667 هـ. وحين وصول الأسرة إلى هناك بدأ والده عبد الحليم ابن تيمية بالتدريس في الجامع الأموي وفي «دار الحديث السُّكَّرية». نشأ ابن تيمية في دمشق على طلب العلم، ويذكر المؤرِّخون أنه أخذ العلم من أزيدَ على مئتي شيخ في مختلِف العلوم، منها التفسير والحديث والفقه والعربية. وقد شرع في التأليف والتدريس في سنِّ السابعة عشرة. بعد وفاة والده سنة 682 هـ بمدَّة، أخذ مكانه في التدريس في «دار الحديث السُّكَّرية»، إضافة إلى درسِه في تفسير القرآن الكريم بالجامع الأموي، ودرَّس «بالمدرسة الحنبلية» في دمشق.
تسع صفحات بديعة و نفيسة من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عبارة عن عشرين فائدة أو سبب للصبر أعجبتني كثيرا، كل فائدة أحببت مشاركتها لكن أيقنت في الأخير أن الصفحات كلها تستحق الإقتباس و من تلك الفوائد أنه اذا حدث لك شيء قد يكون بذنوبك فراجع نفسك ، و أنك اذا صبرت و عفوت خير من أن تأخذ حقك أو تنتقم فتظلم و أن الصبر نصف الإيمان و أن الصبر يورثك قيمة عن الله و عند خلقه كلام بديع حقا أنصحكم بقراءته فهو لا يأخذ منكم ربما إلا عشر دقائق. جعلنا الله و إياكم من الصابرين الشاكرين
عشرون نصيحة تعين العبد للصبرعلى أذى الناس كنت وددت لو توسع في الصبر على الطاعة وعن المعصية لكن اكتفى بالصبر على المصائب، بل على نوع محدّد منها وهي ما يحصل للعبد بفعل الناس في ماله أو عرضه أو نفسه لأن النفس تستشعر المؤذي لها، وتكره الغلبة وتطلب الانتقام فلا يصبر على هذا النوع إلا الأنبياء والصديقون . جعل الله لعباده في كل منزلة خيرا منه، فهم دائما في نعمة من ربهم، أصابهم ما يحبون أو يكرهون، وجعل ما يقضي لهم ويُقدّر عليهم متاجر يربحون بها عليه، وطرقا يصلون منها إليه، كما ثبت في الصحيح عن إمامهم الذي إذا دعي يوم القيامة كل أناس بإمامهم دعوا به أنه قال: عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله عجب، ما يقضي الله له من قضاء إلا كان خيرا له، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له . يُعِينُ العبدَ على الصَّبر شهودُ أنَّ اللهَ سبحانه [برحمته] خالقُ أفعالِ العباد، حركاتِهم وسكناتِهم وإراداتِهم؛ فما شاء اللهُ كان، وما لم يشأ لم يكن. لا تتحرَّكُ في العالَم العُلويِّ والسُّفليِّ ذرَّةٌ إلَّا بإذنِه ومشيئتِه. العبادُ آلةٌ؛ فانظر إلى الَّذي سَلَّطهم عليك، ولا تنظر إلى فعلِهم بك؛ تسترح من الهمِّ والغمِّ. . يصبر على العباد من يشهد ذنوبه، وأن الله إنما سلّط العباد عليه بذنبه: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾، فإذا علم أن ما يصيبه بسبب ذنوبه، اشتغل بالتوبة والاستغفار، وترك ذمّ الناس ولومهم، ومن يقع في الناس إذا آذوه ولا يلوم نفسه ولا يستغفر فمصيبته حقيقية، فإذا تاب وقال هذا بذنوبي، صارت نعمة. قال علي: لا يرجو عبد إلا ربه، ولا يخافنّ إلا ذنبه. وروي: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رُفع إلا بتوبة . يصبر من يعلم أنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلاً يجده في نفسه، فإذا عَفا أعزه الله تعالى، وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق حيث يقول: (ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا) فالعزّ الحاصل له بالعفو أحبّ إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام، فإن هذا عز في الظاهر، وهو يُورث في الباطن ذلاً، والعفو ذُلُّ في الباطن، وهو يورث العز باطنا وظاهرا . من أعظم الفوائد، أن يعرف العبد أن الجزاء من جنس العمل، وأنه نفسه ظالم مذنب، وأنّ من عفا عن الناس عَفَا الله عنه، ومن غفر لهم غَفَر الله له. فإذا شَهِدَ أن عفوه عنهم وصفحه وإحسانه مع إساءتهم إليه سبب لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله، فيعفو عنه ويصفح ويُحسن إليه على ذنوبه، ويسهل عليه عفوه وصبره، ويكفي العاقل هذه الفائدة . على العبد أن يعلم أنه إذا اشتغلت نفسه بالانتقام وطلب المقابلة ضاع عليه زمانه، وتفرق عليه قلبه، وفاته من مصالحه مالا يُمكن استدراكه، ولعل هذا أعظم عليه من المصيبة التي نالته من جهتهم، فإذا عفا وصفحَ فَرغَ قلبه وجسمه لمصالحه التي هي أهم عنده من الانتقام
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" اللهم ان عبدك تقي الدين قد نفس عني كربة عظيمة، وكان كتابه هذا أنيسا لي في وحشتي.. وعونا لي في محنتي قرأته في أيام ثقال كدت أفقد فيها عقلي قرأته المرة تلو الأخرى واتخذته وردا سجلته صوتيا على هاتفي ثم أرسلت التسجيلات لأخوات لي أسأل الله أن يضاعف أجرك يا شيخي
«العباد آلة؛ فانظر إلى الذي سلطهم عليك، ولا تنظر إلى فعلهم بك، تستريح من الهم والغم» رحمك الله يا أبا العباس
أشاد الشيخ أحمد السيد في أحد حلقات سلسلة سوية المؤمن ـالعفوـ بهذه الرسالة واقتبس منها الأسباب المعينة على الصبر راقني الموضوع ولفتتني الكلمات التي ألقاها على مسامعنا آنذاك بحثت عن الرسالة وقرأتها كاملة، رسالة قصيرة لكنها تحمل في طياتها الكثير يحتاج الواحد من أن يقرأ في مثل هذه المواضيع مرارا.