لنفتحْ بعض الكتب القديمة، العربية أو اللاتينية، تلك الكتب التي لا نقرأها ومع ذلك نعارضها بغير وجه حق. سنجد هناك كُتَّابا من العصر الوسيط، مهووسينَ لا بمحاربة الفكر، ولكن بمساءلته، وبطرح الأسئلة حوله. هم يفكِّرونَ بالفعل، ويحرِقونَ أعمارهم في التفكير: يضعونَ الحياة -حياتَهم- على طاولة أمامهم، ويتراجعون قليلا إلى الخلف، ثمَّ يتفرَّسُون فيها، ويتساءلون. ونحن نفهمهم: هم فقط يسعَوْنَ لإدراك ماهيَّتهِم، وما هم فاعلونَ، وما هو هذا الذي يملأهم أملا، ويعيشونَ ويفنَوْنَ من أجله. ماذا يقصدون بالتفكير؟ يقدِّم ديكارت جوابه الخاص، بالنسبة للإنسان: أنا شيء يُفكِّر، أي "شيء يشُكُّ ويتصوَّرُ ويؤكِّد وينكِر ويريدُ ولا يريدُ، أنا أيضا شيءٌ يتخيَّلُّ، وشيءٌ يحِسُّ". لكن ماذا يقولونَ هُمْ، هُمُ الذين عاشوا وقالوا كلمتهم قبله؟ ماذا سيكون جوابُهم، داخل لغاتهم؟ ما هوَ هذا الجوابُ، المزعج ربما، فالمتروكُ للنسيان، ومن ثمَّ: الجديدُ، بالنسبة إلينا. هذا هو ما نبحث عنه، بكل حريةٍ، وبطرق جميع الأبواب.
Jean-Baptiste Brenet (1972) is a French philosopher, specialist in Arabic and Latin philosophy. He is a professor at Paris-I Panthéon-Sorbonne University , where he teaches the history of medieval Arab philosophy.
سؤال الرحلة ماذا يعني أن نفكر ؟ يفتتح المترجم بمقدمة كُتبت بقلمه الخاص يورد فيها تعريفه للتفكير بأنه "محاولة للفهم، تكوين المعرفة، واستخراج المفاهيم و استيعابها و حتى خلقها." حسنا هذا تعريف للمعنى العملي للتفكير و لكن ما الذي يعنيه أن المرء يفكر الآن ؟ في كل موضوع يتناول التفكير يجب أن يذكر ديكارت مع عبارته التي أجد فيها مغالطة مقنعة " انا افكر اذاً انا موجود" و لكن سارتر يقول في حوار شبه هزلي " انا موجود اذاً انا افكر" في هذا الكتاب يرد تشويه لنص ديكارت بانه يكفي للمرء ان يكون موجوداً و أن يتحسس و أن ينصهر في الكلي و أن يتصل و يتخيل حتى يفكر ، في عالم الحداثة يصعب جدّاً فهم هذا الكتاب ذلك أننا لا نتصل بما وراء المادة كثيراً ولا نعتمد عليها وربما لا نعيها حتى في استخدامنا لها. و لكن لماذا نفكر اساساً ؟ يقول الكاتب لأننا نلمس.
يطرح هذا الكتاب جواب العنوان على طريقة فصول و كل فصل يشرح جانب من جوانب عملية التفكير غالباً بطريقة مبهرة و عادةً بطريقة معقدّة تستدعي قراءة الجملة الواحدة عشر مرات لاستيعابها.
حسناً لنلخص الكتاب بطريقة مبسطة، زد على ذلك أن لكل قارئ نصيب من استيعاب آخر لنفس النص ..
ماذا يعني أن نرى ؟ في الفيزياء كي ترى تحتاج الى ضوء يسلط على الأشياء و تلك الأشياء تمتص ذلك الضوء ذو السبع الوان وتعكس لون معين واحد "لونها" . و حين ترى صورة الأشياء فأنت تشرع في التفكير بها لأنك رأيتها بوجود الضوء, و النقطة هنا هو أن التفكير ليس فقط رؤية الأشياء في وجود الضوء بل رؤية الأشياء في العتمة و الظلام ذلك أن الظلام لا يرينا نواقص الأشياء بل لا يفعل شيئا ابدا . و هنا أنت ترى أشياء لا يسقط الضوء عليها، بعبارة أخرى انت ترى الأعماق و تفكر بها لأنك تراها دون الحاجة لضوء، و كعين ذئب تراهما يراقبانك في الظلام يختفي هذا الوهج اذا سلطت عليه الضوء .
يسمي الكاتب رؤية الأعماق ب"الوهم" ولا يعني الوهم هنا التوهم بما هو ليس حقيقي بل الوهم هنا يعني "طريقة التفكير المربكة حيث أنك تمسك في الأشياء ما تريد قوله و هو كمحاولة لمخاطبة الجسم من أجل النجاة." و ضرب مثال جميل لقصة الشاة و الذئب و كيف يمكن للشاة أن تتوهم الخطر من أعماق الذئب المظلمة؟
نأتي للمفهوم الآخر و هو أن هناك قوة تفرض سلطتها على العقل و هي التي تخرج به الى الفعل الا و هي الفكرية فلو اردنا تشبيهها فالعقل هو فضاء و الفكرية تجعل من هذا الفضاء شيء اذاً العقل هو رحم الفكرية . و هنا تأتي هذه الجملة التي ترمينا للدوامة مرة أخرى " أنا استعمل القوة الفكرية اذاً أنا موجود" لطالما أحببت الفينومينولوجيا ذلك أنها تقدًم لنا الوجود كما هو من خلالنا و لا حاجة لخوض غمار هذه الجمل المعقدة و التي تبدو أحياناً غير صحيحة دون سبب..
علينا أن نعي في هذا الكتاب أن للحس دوراً جوهرياً في التفكير حقاً فالحس سواء بصري أو سمعي أو ميتافيزيقي يظل سبب رئيسي للتفكير بدونه لا أعتقد أن الفكر يكون موجوداً و لا اعتقد حتى أن الكائن سيكون كائناً فلقد فكرنا لحظة أحسسنا.
نأتي الآن الى مفهوم آخر و الذي يعتبر كما قال الكاتب عنه نظرة الصقر " التعقل"و هو النظرة الثاقبة النافذة للشيء البعيد الحس مهم صحيح و لكن لو افترضنا أن أمامي برتقال فالحس يضعني امام القشرة و ابعادها اما التعقل يولجني الى اللب و التعقل هنا تجريد الاشياء من تاريخها شيء قريب من الفينومينولوجيا اذا كان الالمام بالصورة و الحس خط مستقيم فالتجريد و التعقل هو خط لولبي " التفكير اللولبي"
و نخرج هنا بأن التفكير هو قول ما يمكن ان يقال لكنه لم يقال و بعدها يخوض في الشعر و التأمل القريب من ضرب خيال هيدغر الغريب
و بعدها يأتي الفيلسوف العصامي حي بن يقظان الذي تعلم في جزيرة نائية كل شي وفهم كل شي عن طريق " الحدس" و بعدها تكلم عن الخيال و كون الشيء يزداد وجوده اذا ازداد غيابه ذلك ان الخيال يكرر وجوده فلا حاجة اذا أن نحاول تذكر صورة ما طالما هي غائبة ستبقى مخلدة في الذاكرة الى ان يفنى صاحبها. بعد تلك الصفحات تصبح الاجابة عن السؤال مبهمة الخلود و الحدس الخيال و العقل المشترك الاتصال بالعقل المشترك الواحد و الانصهار ذلك ان لا آخر يوجد ولا أنا عند الفناء.
ربما جواب هذا الكتاب أن نفكر يعني أن نغرق و أن نلتحم بالأشياء و كلما ازداد الوعي بالتفكير ذاته ازدادت صورة الالتحام للمرء و بعدها سنفهم كل شيء بلمح البصر، و لكن ما ان ندرك سنفنى و لن نتذوق طعم الخلود أبداً فالخالد الواحد هو الهو سيظل خالداً و العقل المشترك كذلك، و حين نفنى لن نكون مجددّاً ذلك أن الخيط الرابط بيننا و بين هذا العقل أو لنقل " الاتصال" الفريد سينفصل من جهتنا نحن .
во-первых, очень приятный язык (тут спасибо как автору, так и переводчику). это во многом обеспечило быстрое прочтение книги. но книга немного не о том, о чем, как я думала, она будет. я надеялась на сравнительную историческую справку о разуме в латинской и арабской философских традициях. на деле это очень интересная, но проблематичная по своему содержанию концепция самого автора, которую он разработал на основании трудов нескольких арабских и греческих философов. очень интересно и экспериментально, изобилует большим количеством информации, но вызывает ряд вопросов, на которые автор не отвечает, в основном, на мой взгляд, из-за того, какой формат текста он выбрал. это связанные друг с другом, но тем не менее отдельные небольшие очерки-эссе о мышлении, построенные на этимологических связках различных слов, используемых в тех или иных философских текстах, посвященных мысли.
короче очень интересно, возможно я даже вырвусь снова к этой книжке или к какой-то ее части, но заявленная в заглавии тема, предполагающая рассмотрение хотя бы части культурного слоя арабского и латинского «миров», не поднята. а очень жаль:(