أنتَ لن تقرأ طيف ليزا بل ستشاهد فيلماً سينمائياً مغلفاً بالضباب. ستمر على شوارع إيطاليا القديمة بين همسات و صدى الحكايات. ليس الأمر مجرد قصة تُروى، بل تجربة تُعاش بالصوت، بالصورة، وبالحسّ.
ماركوس هو رفيقنا الراوي، المدون، و المُراقب للأحداث خلف دفتره، لكنه بالنِسبة لي؟ لم يكن إنساناً من لحم ودم.
شعرت به كـ شبحٍ يُراقب من وراء الزجاج و أحياناً تشعر به جالساً وسط مضجعك. يدوّن لا لينقل، بل ليحفر في الذاكرة و في الوجدان. هو ليس راوٍ فحسب، بل حالة نفسية كاملة، تمشي في المدينة و تنقل لنا الحكاية من خلال عدسة مشوّشة، نصفها واقع، ونصفها الآخر كوابيس.
الرواية تتنقل بين حقبتين زمنيتين:
الخمسينيات: نعيش تفاصيل ذات طابع تاريخي و قوطي، تعكس أجواء القصور، الأُسر الأرستقراطية و أسرار العائلات. هي الحُقبة التي تتصل بليزا حيث تبدأ اسرار عائلة آل توريس تظهر تدريجياً في الخلفية.
و الثمانينيات: الزمن الثاني الذي تنكشف فيه بعض الحقائق، وتحدث فيه الانعكاسات النفسية المعقدة للشخصيات، وخاصة من خلال دفتر ماركوس.
هنا تبدأ المواجهات مع الطيف و مع الذات.
وهنا برع الكاتب في جعلك تشعر بأنك تخرج وتعود في الزمن، لا فقط عبر الأحداث، بل عبر العواطف، واللغة، والرموز.
من الجماليات الغائبة غالباً في روايات الغموض أن تدمج بين المتعة والعمق، لكن العريفان استطاع أن يدخلني حتى في قلب التاريخ الأوروبي، حين تطرّق إلى القبائل الجرمانية والفايكنج، كأنما يُريني أن وراء كل بيتٍ مظلم حكاية حضارة بأكملها.
من أبرز ما منح الرواية بُعدها القوطي الغني هو عنصر "سر العائلة"
عائلة "آل توريس" ليست عائلة عادية، بل حاملة للعنات لا تُفصح.
وإن كنت قارئ عاشق للأدب القوطي، فسوف تفهم فوراً أن هذا العنصر وحده كفيل بأن يجعل الرواية تسكنك، لا العكس.
ليزا الطيف الناعم، أميرة مُسالمة، تمرّ عليك كنسمة، وتترك فيك برداً لا تُشفى منه.
لأول مرة في حياتي، أشعر أنني أريد أن
يُلازمني طيف! أريد أن تمشي "ليزا" بجانبي في الطرقات، أن تهمس لي كلما خفت، أن تكون لي مرآةً لا تعكس وجهي، بل روحي.
كل شخصية في هذا الكتاب تصدمك أكثر من التي قبلها. لا مكان للملل، لأنك لا تستطيع الوثوق بأي شيء، ولا حتى بنفسك كقارئ. تشعر كأن الرواية تتنفس معك، وتنتظر لحظة شرودك لتُسقطك.
طيف ليزا ليست سرداً، بل حالة وجدانية نادرة، بين الطيف و الهوية، بين الأزمنة واللعنات.
هو عمل لا تفرغ منه بمجرد أن تنتهي الصفحة الأخيرة، بل عمل يُقيم فيك، ويُطالبك بأن تقرأ نفسك مجدداً.