ذات ليلة باردة، يقرّر مروان العابد مغادرة برلين نهائيّاً مخلّفاً وراءه عمله وزوجته وحياته بأكملها. يترك كلّ شيء إلّا قطّه الرمادي الذي يصبح أكثر التصاقاً به في ساعات الوحدة. في تونس، يتّخذ قراراً باستكمال مشروع عائلة والدته العجائبيّ، فيفتتح شقّته المطلّة على شارع الحبيب بورقيبة، لمنح سكّان مدينته ممّن يفترسهم الأرق ليلةً من النوم المريح. وقائع الرواية لا تقلّ غرابة عن هذا المشروع الذي يُعلن عنه مروان وهو يجوب شوارع المدينة عارياً، فتلتقطه عدسات المارّة. في الغرفة المعتمة، تستسلم الرؤوس للنوم، فتطفو مخاوفهم وأسرارهم القاتمة على السطح. تظهر كائنات غرائبيّة أحياناً لتخفّف من وحدة أبطال الرواية، أو ربّما لتنطق بلسان جنونهم مثل السيّد رمادي، وبورا، وريفن... أبطال الرواية متشابهون رغم كلّ اختلافاتهم. إنهم صناعة ماضيهم، والحيرة هي الثابت الوحيد لديهم بينما يحاولون شقّ طُرُق خلاصهم.
ونشرع بعدها في قراءة الرواية، لنكتشف أنها ليست برواية عادية، فهي لا تكشف كل ما بجعبتها مرة واحدة، تُحيرك أحياناً وتكون واضحة كالشمس أحياناً، عوالم مجنونة تجد ضمنها قط رمادي سليط اللسان، وشخص في إمكانه أن يساعدك في التخلص من أرقك الدائم، ومواجهة ماضيك التعس، ولفيف من الحكايات المُتشابكة، الذي يجعلنا نتذكر مقولة "أوستر" في كل حكاية، فالذاكرة هي التي تؤرقنا، وتجعل أعيننا تهاب النوم، كيف نواجه الماضي؟ وكيف نتأقلم معه؟ والأهم كيف نعيش الماضي بالحاضر ليصبح جزءاً من المستقبل؟ هذه أسئلة فلسفية أكثر من اللازم، ولكني وقعت فيها أثناء قراءتي للرواية.
بدأت الرواية بداية عادية لمروان العابد التونسي الذي يعيش بألمانيا ومتزوج من ألمانية -؟- وخلال مأدبة الطعام يكتشف سراً يجعله يقرر العودة إلى تونس وترك كل شيء وراءه، والسعي إلى إكمال مشروع عائلة البياتي التي ينتمي لها، العائلة التي تمتلك سراً خطيراً يتمثل في قدرتهم على طرد الأرق ومساعدتك للنوم، مواجهة مخاوفك ويمتصون منك تلك المخاوف، ويجعلوك خفيفاً كريشة، لتستعيد حيويتك في مواجهة العالم، وموهبة كتلك، وبلا شك، ستجذب اهتمام قصر الحاكم، فتكون المواجهة حتمية، وتنشأ علاقة تواطؤ بين الطرفين.
الرواية متشابكة الأحداث، تحمل حكايات مختلفة وشخصيات مثيرة للاهتمام، وتحمل نهايتها التواءة جيدة، ولم أرها قادمة، وليس ذلك فقط ما تقوم عليه الرواية، فوجدت فيها متعة وتسلية، وفلسفة، وشعرت في أوقات ليست بقليلة أن هذه الرواية خارجة من عالم هاروكي موراكامي، ولكنها بنكهة تونسية خالصة، وخرجت من العمل مُجملاً راضياً.
رواية لمُحبي الروايات المُختلفة، التي ستأخذك في عالم لم تقرأ عنه من قبل، حكايات جذابة ومؤلمة، وحيوانات ناطقة، وبشر لا ينامون، لعدم قدرتهم على مواجهة خوفهم، ستجعلك تتمنى أن يكون مشروع النوم حقيقة، لنستطيع النوم دون خوف.
مع الإنتهاء من قراءتها وفي انتظار إعادة ترتيب الأفكار ومراجعة الملاحظات، ربما لن أجد الآن العبارات الدقيقة للحديث عن مشروع النّوم لكن ما يمكن أن أقول انها ممتعة كثيرا، عنصر التشويق لا يغادرها ولا يغيب عنها لآخر جملة فيها، تثير دهشة القارئ وتجعل نبضات قلبه لا تهدأ تفاعلا مع الأحداث، مهما حاولنا توقّع النّهايات والسيناريوهات الممكنة فشهاب عبد الله كان له رأي آخر، كثيرة قصصها وشخصياتها لكنّه تمكّن من السيطرة عليها وترويضها رغم تمرّدها وصعوبة فهمها. الذاكرة والماضي أبرز التيمات التي إختارها للإحتفاء بنعمة النوم، لكن هل نحن ننعم بهذه الفضيلة؟ ألسنا محمّلين بذاكرة قاسية وماض يأبي التخلّي عن سطوته علينا فأصبحنا اليوم من صناعته. فماهو مشروع النوم؟ وماهو سرّ عائلة البياتي الذي ورثه مروان العابد؟ لماذا صار هذا المشروع قبلة للجميع بمن فيهم كبار السياسيين ورموز الدولة؟. كثيرة هي الإستعارات والإيحاءات الجريئة، هل نحن امام رواية سياسية، ام امام تشريح وتفكيك نفسي لسجناء الذّاكرة؟
إنّ المرءَ لا يكتشف كتابا إكتشافا حقيقيا إلاّ في اليوم الذي يفهمه فيه. غوته البيانُ إسم جامع لكلّ شيء كشف لك قناع المعنى. الجاحظ مشروع النوم * ما قد يقوله قارىء " عاديّ "في هذه الرواية الممتعة حقا في آنتظار أن يعثر يوما على " حيوانه الأسطوري " كعادته ؛ يفاجئنا شهاب عبد الله بتحفة أدبيّة أخرى و هذه المرّة تتجسّد في إهاب لعبة معقّدة التفاصيل ؛ مشتبكة الثنايا ؛ ملغزة الكودات و العلامات ؛ مضلّلة حينا كوجه الحقيقة " الرّمادي " ؛ مربكة حينا آخر ؛ مخيفة ؛ مثيرة ؛ مجنونة ؛ تقززنا ؛ تضحكنا ؛ تُخجِلنا ؛ تُشعرُنا بالإرتباك المضني ؛ تُهيننا ؛ تشتثيرُ الضّعفَ فينا ؛ تؤدّبُنا ؛ توبّخنا ؛ تُضنينا ؛ تقهرُنا ؛ تُقحمُنا ضمن شكّ لا نهائي جبار ؛ ترمي بنا في هاويات الأفكار فلا تترك لنا حق الإختيار ؛ و تنظّرُ للجمهورية الآتية : جمهورية النوم .. ! الرواية صادرة عن دار نوفل بلبنان عدد صفحاتها ثلاثة و عشرين بعد الثلاثمائة ؛ و هي فصول قصيرة مبوّبة ضمن العناوين التالية : العائلة : 5 فصول السيد رمادي : 5 فصول مشروع النوم : 9 فصول العائلة مرة أخرى : فصل واحد النوم=موت=لذّة : أربعة فصول الغرفة المريحة : فصل واحد رغبات قديمة : 4 فصول تحوّلات : 4 فصول أين ذهب عزيزي السيد رماديّ المحترم ؟ : فصل واحد المذكرات : فصل واحد ( خمس مذكرات ) أوهام تتداعى : فصل واحد تحوّلات ... مرّة أخرى : 4 فصول في الرواية حكايات لا حكاية واحدة و شبكة علاقات رهيبة تشكّلها شخصيات عديدة ؛ تحمل سمات و صفات و أمزجة متباينة ؛ تتقاطع بين صفحاتها الأزمنة و الأمكنة فمن برلين إلى تونس العاصمة إلى المرسى و من ماض سحيق إلى ماض قريب إلى الآن ؛ و في الرواية تتمتزج الألوان و لا يطغى إلا الرمادي هذا اللون اللغز ؛ و تحضر فيها شخصيات عجائبية في إهاب حيوانات تتكلم ( الحرباء و القط و الغراب ) ؛ تتداخل في تفاصيلها أيضا أحداث حدثت فعلا و أخرى هي من وحي خيال الكاتب الخصب . يلتقي القارىء أولا بمروان العابد ( الأستاذ العادي ! ) و بحماته و زوجته كلارا و صديقه الجرماني التونسي وسام بن يدر و يحدث أن يندمج مع قصتهم جميعا بادىء الأمر إلا أنّ حادثة الطريق المفاجئة و الصادمة و التي أودت بحياة إبنته الرضيعة ذات التسعة أشهر و زوجه و صديقه قد جعلته يتحول إلى إنسان غير عادي بالمرة لتنعطف بذلك الحكاية آنعطافة عظيمة حين يلتقي بمروان بقط يتكلم هو السيد رمادي و يقرر العودة إلى تونس بصحبته فتولد بذلك حكاية من أدب الواقعية السحرية الجديد و تنبجس تفاصيل أخرى لا تخلو من تعقيدات و إرباكات و إشكالات سيكولوجية و سوسيولوجية و سياسية و فكرية داخل هذا المتن الأدبي المتميز . إلا أنّه ( القارىء ) يصطدم إصطداما مخيفا مع شخصية معاذ درويش هذا الإنسان_ الوحش و حكايته المخيفة ( حين يتجسّد الوهم و يرينا كيف يجب أن يكون ) .. مشروع النوم هو الإصدار الثالث لشهاب عبد الله ( عن دار نوفل بلبنان هذه المرة ) ؛ إصدار يرغّبك في متابعته لحظة بلحظة ؛ و ما سيأتي بعد ذلك سيشكل قفزة نوعية في ثنيّة الكتابة الأدبية في تونس .
رواية جديدة ومختلفة. قطٌ يتكلم، بيزنس للنوم، والكتابة حلوة. كانت شيقة في البداية ثم وصلت للمنتصف والأحداث أصابتها الرتابة فلم أُكمل. كل التوفيق في القادم.