اللذات كمالات, إلا أنها بالقوة وإنما تصير إلى الفعل بإدراك ذي الكمال لها, وإنما يدركها ذو الكمال بما هو حي. وكأنها في التحقيق هي الكمال الذي يدركه الكامل به
أحمد بن يعقوب، أبو علي الملقب مسكويه (932-1030) ويطلق عليه اسم أبي علي الخازن، أو صاحب تجارب الأمم. وقد اختلف المؤرخون في تحديد اسم مسكويه، وهل كان لقباً له أم لجدّه فإذا كان لجدّه وجب أن يكتب ابن مسكويه، وإن كان له يكتب مسكويه فقط. وقد رجّح بعض هؤلاء المؤرخين أن يكون مسكويه لقباً له، وإن كان البعض الآخر يرى أن مسكويه قد يكون في الأصل لقب لجدّه. ذكر ياقوت في معجم الأدباء أن مسكويه كان مجوسياً وأسلم.[1] هناك أمور مغلوطة عن هذي الشخصية .. لم يكن ينعم بحياة اللهو والفجور بل كان شخصية رائعه ويمكنكم معرفة شخصية من خلال مؤالفاته والرجوع لكتب الخلاف أي انتم اعتمدتم على الطبري وهو رجل امامي ولا ينال استحسان الطرف المخالف
كتب مسكويه هذه الرسالات رداً على بعض الأسئلة من شخص سأله عن الأمور الوجودية من النفس و الروح و الإله و صنع الكون. مسكويه عقل عبقري يسع الآراء العقلانية و يستوعب الأمور الصوفية بمنطقها, تكلم عن الإنسان انه اما ان يكون روحانياً فيفضل أو طبيعياً فيعدل أو شيطانياً غير طبيعي فيجور و لذلك نرى ان الأمور الروحانية هي سبب وجود العالم
بعدها بدأ يتكلم عن تأثير المحسوسات التي تعقل النفس خصوصا عند من نفوسهم عالية لطيفة مثل الألحان, رد في الكتاب على مسألة إطالة الفكر في علم أو مسألة ما تصيب بالماليخوليا و قال كيف يكون أطالة الفكر مرضاً و أن الأمور الصحيحة لا تنتج إلا من عقول أطالت النظر و الفكر في مسألة ما. و فصّل بين ان يتم التمعن في الأوهام و ذلك مايصيب الأنسان بالماليخوليا (الوسوسة) لكن بدرجات عالية
أتوقع أن مسكويه يقصد التنظير في كلامه هنا, و أنا اتفق معه كل الأفكار النظرية لا تأتي بعدم أمعان و تمعن في الفكر, و لنا أمثلة في الأنظمة الحياتية التي نعيشها كيف ان اصحابها افنوا اعمارهم في تنظيرها
يقول مسكويه "فأما الفكر في العارض كيف عرض, و استخراج علله و أسبابه و الوقوف على حقائقها و معالجته بما يزيله و يصلحه فليس ذلك يسمي ذلك أحدنا ماليخوليا"ا
و بعد ذلك الى الفرق بين المحسوسات و المعقولات و الفرق بينهم..فالعقل يرد كثيرا من أحكام الحس و أما الحس فينتج الوهم إذا لم يعقل. ينتقل بعدها مسكويه الى الجزء المفضل لدي في الكتاب و هو حديثه عن السكون النفسي و العقلي عند أدراكها للعلة الأولى فيقول ان النفس دائما تبحث الى الأقدم منها و ترى الفلك الذي يسبقها مع إشكالية ان الفلك متحرك و المتحرك يدخل في الزمان و المكان, فبعدها ننتقل الى الغير المتحرك الساكن الذي لا وجود له بالزمان و المكان و ليس علة ينشئ منها أو تحمله, عندها يقف النظر و تسكن النفس الى العلة الأولى. و أن النفس و العقل إن لم ينتهوا الى محرك أول لا يتحرك و يحيلها و لا يستحيل فهناك عوج غير مستقيم في البناء العقلي
بعدها تطرق الى مسائل لم يسهب بها عن الفرق بين الحكيم و النبي و أن الأنبياء عندهم إستعداد لا ينمى و لا يكتسب الى قبول الأمور العقلية بنوع أشرف و أعلى مما نشاهده بعقولنا و نجدهم دائما يضربون الأمثال لكي تعقله عقولنا. و هنا يأتي سؤال "هل الدين يعقل و يحاسب على تعقلك له؟". ينتهي مسكويه الرسالات بمسحة صوفية و استنادات الى افلاطون
....
الكتاب مدهش إذا قورن بموضوعه و حجمه و زمنه, الكتاب فيه بعض المسائل التي تدلك على قدم الكتاب و لم تكن مدركة تلك الأيام. مثل أن العقل ليس له صورة تخصه و أنه لا يمكن تصوره, أجمل مافي الكتاب هو التمحور الحقيقي في الفكر حول الإنسان فيبدأ بكل الأمور و ينتهي بكيف تخدم الأنسان. إذا تم المقارنة و لو جدلاً بين كتبنا الحالية و القديمة لرأينا تأخرنا المتقدم
ختمت عام 2016 بقراءة هذا الكتاب الخفيف لفيلسوف من فلاسفة المسلمين، كنت قد قرأت له الهوامل والشوامل وردوده على التوحيدي، عودة على هذا الكتاب فهو بسيط وصغير الحجم، يعرض فيه ابن مسكويه علمه وفلسفته في معرض رده على سائل. لا أنصح بالكتاب لمن هو في بداية الطريق للفلسفة المشائية. بسبب أني اعتقد بأن قراءة الردود تتطلب منك إلمام في فن المتحاورين. دمتم بود.
الكتاب كعادة كل الكتب القديمة ذات ألفاظ ليست بيسيرة ولكنها مقبولة إلى حدٍ كبير، هاتان رسالتان كتبهما ابن مسكويه للرد على أسئلة أحد الأصدقاء في أمور عن اللذات والآلام والنفس والعقل، الرسالة الأولى مقتضبة جداً وأعتقد أنني إستمتعت بها أكثر من الثانيةز
الكتاب قد يكون غير صالح إلا لمن له عهد بالألفاظ الفلسفية المستخدمة في هذه الفترة وإلا ستجد نفسك تتصفحه لمجرد إنهائه ولا تستفيد منه شيئاً
أكثر ما شدَّني فيه هو رفضه لفكرة إن المبالغة في التفكير أو التمعُّن في الفكر تجلب الماليخوليا (السوداوية)؛ بل يرى أن قوة الفكر هي ما يميز الإنسان عن البهائم، وأن الإمعان في التوهم هو ما ينتج الماليخوليا.
أميل بين فترة وأخرى للعودة لهذا النوع من الكتب الفلسفية، الدينية، ثقيلة اللفظ وبديهية المعنى، والتي تتطلب تركيزًا عاليًا وصفاء ذهني.