"مازلت أحاور ما لم يوجد، كي أعطيه وجود، وأحاصر كل مساحات الأمل المنشود، أحسبها في سجن قصيد يقرع باب صمت فيفرق هذا العالم في الموسيقى، وأغني أصفى أشعار الحب المتوهج للوطن الصعب المفقود لكن يبقى الأمل المنشود بعيداً جداً يستوطن أرض اللاموجود".
يحمل ديوان فدوى طوقان هذا عنوان إحدى قصائد الديوان هو اللحن الأخير فعلاً أي أن يحمل عنوان مجموعة قصائد الديوان، وبغض النظر عن محاولة تحقيق تاريخ نشر هذه القصائد فإن التأمل في هذا الديوان قد يخلص إلى أن هذه القصائد نظمت في فترات متباعدة بين اللحن الأول، الموقف من العاطفة الأول حين كانت تدرج إلى الصبا، أو حين تكالبت عليها الهموم الذاتية بفقد الأحبة، إلى التأمل في تجربة الحياة كلها ونقض السنين لتنظر إلى بقايا الجمرات المكومة في حضن حياتها، ماذا بقي في فيها من أحزان لتسكبها في شعرها
ولدت فدوى طوقان في مدينة نابلس الفلسطينية سنة 1917 م لأسرة مثقفة وغنية لها حظوة كبيرة في المجتمع الاردني وهي تحمل الجنسية الاردنية. ابنة عبد الفتاح آغا طوقان وفوزية أمين بيك عسقلان. تلقت تعليمها حتى المرحلة الابتدائية حيث اعتبرت عائلتها مشاركة المرأة في الحياة العامة أمراً غير مقبول فتركت مقاعد الدراسة واستمرت في تثقيف نفسها بنفسها ثم درست على يد أخيها الشاعر إبراهيم طوقان الذي نمى مواهبها ووجهها نحو كتابة الشعر ثم شجعها على نشره في العديد من الصحف العربية. عرفت بقصة حبها مع الناقد المصري أنور المعداوي التي وثقها الناقد رجاء النقاش في كتاب ظهر في أواسط السبعينات. وكانت قصة حب أفلاطونية عفيفة عن طريق الرسائل فقط. توالت النكبات في حياة فدوى طوقان بعد ذلك، حيث توفي والدها ثم توفي أخوها ومعلمها إبراهيم، أعقب ذلك احتلال فلسطين إبان نكبة 1948، تلك المآسي المتلاحقة تركت أثرها الواضح في نفسية فدوى طوقان كما يتبين لنا من شعرها في ديوانها الأول وحدي مع الأيام وفي نفس الوقت فلقد دفع ذلك فدوى طوقان إلى المشاركة في الحياة السياسية خلال الخمسينيات. سافرت فدوى طوقان إلى لندن في بداية الستينيات من القرن الماضي, وأقامت هناك سنتين، وفتحت لها هذه الإقامة آفاقًا معرفية وإنسانية, حيث جعلتها على تماسٍّ مع منجزات الحضارة الأوروبيّة الحديثة وبعد نكسة 1967 خرجت شاعرتنا من قوقعتها لتشارك في الحياة العامة بنابلس فبدأت في حضور المؤتمرات واللقاءات والندوات التي كان يعقدها الشعراء الفلسطينيون البارزون من أمثال محمود درويش وسميح القاسم وتوفيق زياد. في مساء السبت الثاني عشر من شهر ديسمبر عام 2003 ودعت فدوى طوقان الدنيا عن عمر يناهز السادسة والثمانين عاما قضتها مناضلة بكلماتها وأشعارها في سبيل حرية فلسطين، وكُتب على قبرها قصيدتها المشهورة: كفاني أموت عليها وأدفن فيها