في هذا الكتاب حاول فيه صاحبه دراسة سيرة الخلفاء الراشدين دراسة وافية تعالج تلك الفترة بكل تفاصيلها و قضاياها وخصوصا" الفتوحات الإسلامية الأولى و الفتن التي شقت عصا المسلمين في أواخر الخلافة الراشدة
هذا الكتاب أول كتاب أقرؤه باحثة عن تاريخ الخلفاء الراشدين وما حدث في عصرهم -رحمهم الله جميعا ورضي عنهم- لاسيما الاثنان الأخيران عثمان وعلي والفتنة التي حدثت وعمّت الأمة، وأفادني كثيرا في حديثه عن كيفية تولي كل خليفة والأمور التي حصلت في عهده وكيفية وفاته -حسنا أشعر بالخجل لجهلي بتلك الأمور حتى الآن، لكن جمال المعرفة هنا :$- الغريب أن لغته في تلك الأجزاء كانت سهلة بسيطة -رغم وجود بعض مصطلحات أو عبارات لاسيما مما نقل عن الصحابة كانت تحتاج بعض تفسير في الهوامش- لكنها في الأجزاء التي تحدث فيها عن الفتوحات الإسلامية كانت أصعب، وربما ذلك لكثرة الأسماء الأعجمية من أشخاص ومدن وبدون توضيحات على الهامش تبسطها
ما أجمل اللحظات الّتي قضيتها مع سيرة الخلفاء الراشدين.
أفرحُ بنصرهم، وأحزن لهزيمتهم، وتدمع عيناي في لحظة وفاة كلٍ منهم، وأدمى قلبي ما حصل من فتنةٍ وانشقاقٍ بين المسلمين في آخر عهدهم..شعرتُ بتواجدي معهم في كل اللحظات.
وإذا وقفت على ما مرّوا بهِ من ابتلاءاتٍ ومِحَن، يقع في خاطرك بأنها كفيلة بأن توقفهم عن الحراك، لكن ما إن تطيل النظر في معرفة شخصياتهم، اتضح لك بأن كل واحد منهم أمة في رجل واحد.
أبو بكر حسم الأمر في حرب الردّة.. وعمر كانت له الفتوحات على الأرض في كل اتجاه .. وعثمان جامع القرآن على حرفٍ واحد.. وعلي واجه الإنقسامات الداخلية بالسيف والحجة..
فمن الوفاء لهم أن نقرأ سيرهم، فلا يكفي فقط أن نردد بأننا نحبهم، ونسير على منهجهم، ونحن لا نعلم عنهم شيئا .
كتب كثيرون عن (قصص الأنبياء) وعن (الخلفاء الراشدين)، قلة منهم كتبوا من منطلق واقعي عقلاني، لا عاطفي رغبوي أيديولوجي، منهم العلامة المصري (عبدالوهاب النجّار). وقد هُوجم من قبل المتطرفين خصوصاً بسبب كتابه المثير للجدل (قصص الأنبياء).. وهذه عادتهم كما هاجموا لاحقاً العلامة محمود أبو رية، والداعية الغزالي السقا، أو أي كاتب أو شيخ يكتب من منطلقات تختلف عن منطلقاتهم "يرونها صوابًا مطلقاً لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها". هذا كتاب ستقرأ فيه ما لم تقرأ في غيره.. لكن تهيأ لصدمات متتالية وأنت تقرأ
ومعروف منهج العلامة عبدالوهاب النجار الفكري منذ كتابه المثير للجدل (قصص الأنبياء) ومنهجه هو اخضاع الأفكار والتجارب الدينية للعقل. بمعنى النظر للأفكار الدينية والأحداث التاريخية من وجهة نظر عقلية علمية (قدر المستطاع)، وهذا ما نلحظه في أولى صفحات هذا الكتاب عند مناقشة قضية الخلافة، ورغبة الانصار فيها لكن (الواقع الموضوعي) لم يساعدهم.. كذلك علي بن أبي طالب لم يساعده الواقع الموضوعي في تولي الخلافة قبل الصديق. ثم نظرته للخلاف بين (علي) و(طلحة والزبير)، و(علي) و(معاوية) وأن مثالية علي لا واقعيته ربما كانت سبباً في عدم تحقيقه للمكاسب الدنيوية، حيث يفسر العلامة النجار ما حدث وفق عوامل موضوعية..
لا اريد الخوض في التفاصيل لكن هذه القراءة (العقلانية) لتاريخ الخلفاء الراشدين هي أقرب قراءة يقبلها الإنسان المتعلم في هذا القرن. قراءة تبتعد عن الخرافية وعن تقديس الأشخاص. كتاب النجار ينظر للصحابة كبشر يتفاعلون فيما بينهم وفق قواعد علم الاجتماع، لا ملائكة يمشون على الأرض كما تحاول كتب التراث التقليدية تصوير ما حدث
والنهج الذي اختطه العلامة النجار في قراءة تاريخ الخلفاء الراشدين، ليس نهج القراءة المجردة، بل نظر إلى السنن الاجتماعية الكونية من ورائها (وقارنوا استنتاجاته باستنتاجات رجال الدين التقليديين السطحيين)..
وهذه القصص ليست تاريخية، بل ترتبط بالواقع جداً فالتاريخ يكرر نفسه (لأن اللاعبين على المسرح يشتركون في نفس البذور البشرية).. والمتربصين كُثُر، وهم يلعبون على التناقضات الاجتماعية، كما فعل المحرِّضون ضد الخليفة عثمان بن عفان. التاريخ يكرر نفسه، والجيل السعيد مَنْ اتعظ بغيره. لذلك دراسة تلك الحقبة مهمة (ليس لأجل السب والشتم)، بل لأنها مليئة جداً جداً بالعِبَر والحِكَم لمن تأمل. أما الذي ينظر للقصة على إنها (مضاربة) وفلان مع فلان وفلان ضد فلان، ويسب ويشتم ؛ فلن يستفيد
أقدم احترامي الشديد جدا للنجار الذي سبر في نفسي أغوار هذه الفترة المهمة من حياة الأمة فقدم الأسباب وربطها بالنتائج لتكتمل الصورة ويضاء النور في بقعة جديدة من مخيلتي الصغيرة ونرى من أثر الواقع المرير على فترة الاختلاف التي تمر بنا أن هذا التناحر ليس حديث العهد ولا هو من بدع الأمم حين ما تر الأخ يكفر أخاه ويقصيه ثم يرديه قتيلا بالمقابل ليس حديثا علينا -كأمة مسلمة- توحيد الصف والكلمة وعمق الفهم للواقع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأدعوا الله أن يجعل كتب التاريخ المماثلة نبراسا لنا لنفهم واقعنا ولنستفيد من أخطئنا فلا نقع (في كل عام مرة أو مرتين) بوقعة كصفين اللهم درء الفتن ووحدة الجنان والحمد لله رب العالمين