حظت هذه الرواية بإهتمام نقدي لافت، نظراً لقوة العوالم التي طرحتها الرواية، إلى جانب الجماليات المميزة، التي تقصد الكاتب الاشتغال عليها.
تحكي هذه الرواية عن تنازل عشائر "عصيرة " النازلة ب " وادي الحسيني" عن قيادة الشمل لصالح سلطة "الإمارة " الجديدة الوافدة من الشمال؛ كما تحكي عن ضرورة المناصفة بين المرأة والرجل.
حمل غلاف هذا الكتاب مقتطفات من قراءات نقدية نشرت في صحف عربية؛ حيث يقول الأديب والشاعر الدكتور "غازي القصيبي": «إنّ هذا التسجيل الروائي الفني لمنطقة ومرحلة مجهولتين في تاريخنا، عند عامتنا، عمل يستحق الإشادة لا من ناحية تفوقه الفني؛ بل لكونه عملاً رائداً لم تعرفه الرواية السعودية، حتى الآن، في كتابة الرواية التاريخية.
أما الروائية السعودية "رجاء عالم" فتحدثت عن الرواية قائلة: "تباغتك "ساق الغراب" بعوالمها الفنتازية، عوالم الخرافة المعاشة على بقعة من الأرض يحتفل فيها الإنسان والكائنات بفطرية الحياة الخلابة، فيأسرك سحرها؛ لتنتهي مُحَمَّلاً بالحزن، تجاه ذلك الوجود النقي الذي غادر إلى عالمٍ بتحوَّل لتكريس السدود بين البشر أنفسهم وبينهم والكون"...
فيما أكد الناقد "فيصل دراج" إلى أن "هذه الرواية عن الذات الإنسانية الحرة، عن عالم ملحمي يرتحل، لا يتحدث أهله عن الدين لأنهم يُمارسون الفضيلة، ولا يتغنون بالعشق فهم يعيشونه، ولم يهجسوا بالخوف إلاّ بحلول معاداةٍ الطبيعة وإغترابٍ لا خروج منه، جاءت به سلطة تصنع "الإنسان الغُفل" وتُنكر الإنسان الطليق".
أما الناقد التونسي "حسين الواد" فيقول: «هذه الرواية تحكي ما احتفظت به ذاكرة الأمجاد لقرية «عُصَيْرة» - جنوب غربي السعودية - على امتداد مئتي عام وأكثر قُبيل وأثناء تصدّعها واضمحلالها أمام سلطة أخرى؛ لقد تدبر الروائي "يحيى امقاسم" اشتغاله السردي على أنماط مختلفة، وبنظرةٍ من الأعلى عارفة بالبدايات والنهايات جميعاً، وبلغةٍ فذة نسجها لتشييد عالمه السحري، إذ جعلها ألواناً من الخطابات فيها من الشاعرية والأسطرة ما يتجانس مع طبيعة ذلك العالم المدهش.
إنّها رواية تستجيب إستجابة كبيرة للقراءات الأنثروبولوجية من دون نفيٍ لغيرها من القراءات...
الدراسة والمؤهلات • تخرج بإجازة الحقوق (الليسانس)، من كلية العلوم الإدارية، جامعة الملك سعود، الرياض 1997م. • دورات قانونية داخل المملكة وخارجها. • دورتي السلوك الدبلوماسي.
العمل والخبرات • مستشاراً قانونياً منذ 1999م وحتى الآن. • التحق بالعمل الدبلوماسي في الشؤون الثقافية بالمكتب الثقافي في السفارة السعودية في فرنسا مع مطلع 2007م. • مشرف ثقافي في المكتب الثقافي في السفارة السعودية في بيروت مع بداية مارس 2011م ـ 2015م. • عمل منذ 2013م على تاريخ الملحقيات الثقافية السعودية (النشأة والريادة). • مستشار تحرير لعدد من دور النشر والطباعة في الوطن العربي. • باحث في الذاكرة التاريخية (شعبية، حديثة). • باحث مشارك في تاريخ القصة القصيرة (القصة السعودية نموذجاً).
الإصدارات الأدبية • المَخْش، قصص، دار الكنوز الأدبية، بيروت 2000م. • مختارات: قصص من السعودية، صنعاء عاصمة الثقافة العربية 2004م، بالتعاون مع موقع القصة العربية. • طيور الرمل: مختارات قصصية من السعودية، طوى 2005م، ترجمة أستاذة الأدب الإنجليزي الدكتورة هيلة الخلف. • رواية (ساق الغراب ـ اَلهَرْبَةْ) جزء من سيرة (ساق الغراب)، وطبعاتها: ــ الطبعة الأولى: دار الآداب ـ بيروت 2008م. ــ الطبعة الثانية: دار ثقافة ـ أبو ظبي 2009م. ــ الطبعة الثالثة: طوى والجمل ـ بيروت 2010م. ــ الطبعة الرابعة: ضمن سلسلة "عيون المعاصرة" في دار الجنوب، تونس 2010م.
الصحافة والإعلام • ٢٠٠٥ عمل في صحيفة الحياة، ويكتب لها حتى الآن في الشأن الثقافي. • كتب في عدة مجلات ثقافية وصحف عربية.
المشاركات والأنشطة الأخرى • رئيس الوفد السعودي في عدد من المحافل الدولية كمعارض الكتاب في القاهرة والدار البيضاء وطهران والمنامة ودمشق وبيروت. • شارك في عدد من اللقاءات الفكرية والأدبية ومؤتمرات الرواية العربية والقصص والحكاية الشعبية والمهرجانات على مستوى الوطن العربي والعالم، مثلاً في تونس والجزائر ولبنان والقاهرة، وصنعاء والمغرب ودول الخليج العربية وفرنسا. • اختير 2010م ضمن أميز 39 كاتباً وكاتبة من الوطن العربي للمشاركة في احتفالية بيروت39 والذي نظمته مؤسسة هاي فيستيفال البريطانية في لبنان بمناسبة بيروت عاصمة عالمية للكتاب. • تمت دعوته لبرامج "معتزل الكتابة" في كل من مدينة نابول في جنوب فرنسا ٢٠١٢م، ومدينة فاس الأثرية في مملكة المغرب ٢٠١١م.
قراءة في رواية ساق الغراب، يحيى أمقاسم / كتابة التاريخ بعد صناعته بقرنين بين الرجل والمرأة : وحدهم أجدادي، نسألهم : لا تموتوا أكثر
وحده التاريخ من يهبنا روحًا للنص تفيض حدثًا وخشوع. نتمايل معها وفق كل حدث. هنا في (ساق الغراب) يصحو التاريخ يوشوش في أذاننا بعض الذي غفلنا عنه. ماضٍ يجتر معه بعض أفراحنا وبعض خيباتنا. نستسقيه غيمة تدندن لنا بعض من أغنيات الزمان. في أجواء غارقة في النستالوجية يعود (امقاسم) يطرح الجنوب التهامي على الصعيد الروائي بحبكة وبناء روائي غاية في الجمال، ورغم المسافة الزمنية والتي تقارب قرنين من الزمان مع التركيز على تأخر حداثة الجزء الجنوبي كأخر بقعة سعودية تم الإلتفات لها بعد تشبع بقية البلدان السعودية بمردود إقتصادي، جعلها تحافظ دون قصد على هويتها التاريخية وتقليدية مجتمعها القادم من رائحة البن ونشوة القمح ولون الطين.
هذه رواية من أجمل الروايات الخليجية والعربية وقد تناولتها أقلام النقاد حتى خارج حدود الخليج، ولكن ربما لأن صاحبها (أمقاسم) كاتب مغمور – أتمنى أن يصل للجميع – فكان حظها قليلًا بعض الشيء في الوصول للقارئ العربي ولا أقول للذائقة فالثانية تحتاج أن تقرأ هذا النص لتتضح ذائقتها بعيدًا عن الروايات الخارجة من رحم العامية وصناعة البربقندا في مواقع التواصل.
أمقاسم، سجل لنا بعض التاريخ المسكوت عنه ليس خشية خروجه وأن يسبب إنكاء لجراح سابقة ولكنه مما لم يخرج للناس بسبب سوء عامل المعرفة (في التاريخ الشفهي) وتكثيف المؤرخ السعودي على أحداث السعودية بكل أدوارها وما دون ذلك يغفل عنه الباحث التاريخي السعودي فهو عند (البعض) خامل التوثيق رغم وفرة المادة فهو جزء من كل وخبر مكمل لوحدة بناء إقليم بأكملة للتاريخ وهذا سوء إمانة من هؤلاء البعض.
في الجنوب الذي يضج بالتاريخ على مر عصوره. كانت عشيرة (عُصيْرَةْ) تنام آمنه مطمئنة يأتيها رزقها من حيث تحرث الأرض وتغني للقمح الذي يلامس قامات الرجال والنساء وجميهم يشارك البذرة غرستها الأولى. رغم دور المرأة في النص برز أكثر كعامل فنتازي تجدها تظهر بدور "صادقية" التي بين القوة والنبؤة وإتخاذ القرار والمشاركة فيه تقف بحزم.
في الرواية الكثير من الموروث الجنوبي، التهامي – إن صحت التسمية الجغرافية – مثل الخِتان الذي يختص به الذكور إحتفاليًا – بينما هو لكلا الجنسين – وسط فرح ذات طابع فحولي حيث يجتز (الختّان) قطعة لحم صغيرة من عضو الشاب الذي عادة لا يختن إلا بعد سنة (5 – 7)، ومع كل مرور لشفرة الختّان على عضو الصغير يصرخ ليس باكيًا وإنما منشدًا الشعر الذي يحرص فيه على التفاخر بنسبه وقبيلته ويشير لخواله بكل فخر دون أن يذرف دمعة واحدة وإلا أصبح مسبة، ومن هنا تبدأ معالم غرس الفحولة والرجولة في ذلك الجذع الصغير ليصبح فيما بعد رجلًا يدافع عن اسم القبيلة، وهذه العادة تكاد إحتفالياتها ذات وقع في الجنوب ( * )، وما بعد (1985م) سوف يصبح الطفل (مختون) فور خروجه من المستشفى بينما بعض مناطق الجنوب أبقت علي هذا الكرنفال الفحولي حتى مابعد التسعينات حتى جاء الوقت ليصبح مبضع الطبيب المعقم هو سيد الصرخة.
إن بروز دور المرأة في النص لم يكن مبالغًا فيه. ففي زمنٍ قريب بعض الشيء قبل توغل المدنية المقننة المصحوبة بـ(التخوّيف) من الرجل كانت المرأة تقف ندًا بند للرجل في رقصات الحرب والفرح شامخة كأنها نخلة سامقة كان هذا في كل الجنوب، وقبل الرقصة وبعدها صوت الرب القادم من السماء تباركه جباه الجميع ملبين للنداء قبل أن يصبح الرجل عامل شر والمرأة / الحية التي تحمل الشيطان بين فكيها في التوارة أصبحت تحمله في كل شيءٍ فيها.
بئس الشعوب التي تخشى المرأة
عصيرة قرية في وادي الحسيني تأتيها قوة جديدة محتلة السعودية الأولى (1744 – 1818م) قادمة من الحجاز – بعد أن دخلت هي الأخرى في حكم السعودية الأولى، ترسل لها الدولة الحديثة (المقرئين) وهم بلغة اليوم (المطاوعة / الشيوخ / رجال دين) يأمرهم طبعًا دون الحاجة أن يخبرنا الروائي للعودة للإسلام – كما تخبرنا نصوص الحركة الوهابية في عهد السعودية الأولى – وحبس المرأة في البيت وعدم خروجها لأنها عورة ونجاسة، والقضاء على كل مراسم البهجة والفرحة والغناء وتغير جذري لموروث قبائلي وعادات وتقاليد تلك المنطقة وبعد محاولات جادة تقوم الإمارة الجديدة وتسقط مقاليد الحكم السابقة في العشيرة وينتهي عهد المرأة التي كانت تقود العشيرة، "صادقية" وقبل نهاية دورها يغادرها (بشيبش) معلنًا نهاية عهد وبداية عهد مغاير لما سبق. وبذلك تتحول الأرض السابقة وتتغير الهوية القديمة وفق أيدلوجيا جديدة تخبرنا بعض مصادرها عن غايتها الدينية، وعلى خجل تحاول مصادر ودراسات حديثة أن الوهابية ليست حركة دينية بقدر ماهي سياسية في المقام الأول ثم لازمتها على صعيد آخر بمسار ديني في قالب تشددي.
السيف الذي يحمله (المقرئ) الذي يفترض أن يكون صوت سماوي على الأرض يكثر الحديث عن السيف وقوة التغيير وإلغاء كل الطقوس السابقة في هوية ما قبل دخول العنصر الجديد باسم وهي من الذرائع المؤدلجة باسم الدين مارستها كل الحكومات وسوف تمارسها كل الجماعات الدينية على البشر حتى نهاية الدنيا. تنجح وتتعاضد يدًا بيد عندما تسير وفق القوة. يصرخ عاليًا من بينها رجالاها باسم الرب فلا يخشى العباد تلك الأكاذيب لمعرفتهم بالرب الذي يسكن قلوبهم. لكنهم يعلمون أنه ميزان القوى ليس أكثر.. تتوقف الرقصات.. تلغي إحتفاليات الخِتان.. تلازم المرأة / العورة، الدار.. تتبدل صيغة الأوامر ويختلف نتاج الأشجار فتموت.
الدخيل الجديد (أتباع الحركة الوهابية) لم يأتي بغية الرقي والتقدم بكثر ماهو تأصيل لدوره السابق الذي جاء يحمله في ثوبه القصير وسيفه الذي لم يدخل غِمده منذ عهد. جاء ليوسع رقعته بهويته على حساب هوية أخرى دون بدل أي سبل نحو تطور ملموس ليس غير قتل الهوية السابقة (الجبلية) ومنحهم هوية (صحرواية) تليق بمشروع توسعي على أساس أيدلوجي كبرت معه الأرض حد التخمة.
كنت اسأل نفسي سؤال منذ سنين سابقة – ما بعد قراءة العمل – يلح عليّ : ماذا لو هذا العمل خُففت (رمزيته) هل سوف يصل ويتقبله كل أبناء المجمتع السعودي (بحكم هوية الكاتب)، وهل سوف يتقبله القارئ العربي (بحكم هوية اللغة) ؟. وحدها الرمزية من كادت تقتل العمل لولاء قوة البناء. رمزية (امقاسم) غلبت المكان وفتحت مجالًا غير جيد للخيال.
لاشك أن الرواية ماتزال تقاوم كل ممانعة منذ صدورها لأنها ناقشت حرب ضروس بين الموروث والمعتقد والقبيلة بمواجهة حرمة دينية والحركة التي أقصدها حركة محمد بن عبد الوهاب التي أكتسحت شبه جزيرة العرب لأغراض سياسية دينية وهذا كفيل في أن يسعى المنتصر للتقليل من صوتها الإعلامي. حيث سيطرة قوة الإمارة الجديدة (المقرئين) القادمين للمنطقة بقوة السلاح وقوة التشدد.
ثمة معالم (أمكنة) لم يعد لها أثر هذا اليوم ليس غير تحديد معالمها على الأرض وقد تلاشت بفعل الزمان والعمران، ولكن بعضها باقٍ أو تغير اسمه حبذا لو أشار لها المؤلف، وإن كانت لم تربك العمل من ناحية التقنية الروائية.
يكاد يكون الشعر جزء مقدس في هذا النص الجميل لكن وجود أشعار غاية في الصعوبة من ناحية المعنى يصعب على القارئ فهمها فشرحها كان ليفتح أفقًا رائعًا لفهم مكانها من النص حيث أن المؤلف لم يوردها عبثًا بل لمقتضيات النص.
رغم جمال اللغة التي كتب بها (امقاسم) نصه البديع إلا أنه كان في غنى عن هذا الإستعراض الفحولي لها. نحن نقرأ نص لنتاج ما بعد الألفية وليس لأحد مواليد (1900م) ولو أنه عوّل على تخفيف حدة الكلمات العامية وتحويلها للغة اليومية (لغة الصحف اليومية) أو قلل منها لكان عونًا على ميل الناس للنص والمساهمة في إنتشاره، ولكن يبدو أن هذا التخصيص للكلمات هو عمد من المؤلف ليبقى النص محاط بهالة من الغموض على الأقل في السنوات الأولى من صدوره وكأنه بهذا خصصه لفئة محلية – إقليمية خشية أمرٍ ما.
تجانس جميل بين الشعر والأسطورة المثيولوجيا – الخرافة – في النص وبلغة سردية رائعة تسلب القارئ مقدرته على التوقف.
في النص ترد (ال) التعريف بحذف الـ(ل) ويقلب إلى (م) وهي اليوم من الدارجة في (جازان) وهي ما يعرف بـ(الطمطمة) وهي من لغة حمير( * * ) اليوم، وثمة تواجد لها ضعيف في مصر أظنه دخل علي مدنها الكبرى قادمًا من (الوجه البحري) عليها مثل (البارح : أمبارح) وقد قدمت مع لهجات العرب أثناء فتح مصر.
أخيرًا.. هذا نص كتب له أن يعيش لفترات طويلة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ الحاشية : ( * ) كان قد أشار لها (عبده خال) في روايته الفاتنة (مدن) أبرز أعماله، وثمة إشارات لها إن لم تخني الذاكرة عند (عبد العزيز مشري) – رحمه الله – في بعض أعماله، وإن كان إهتمام مشري بالجنوب من ناحية الأرض – المكان – بعيدًا عن تكثيف العادات رغم وجودها.
( * * ) حمير مثل (الباب : امباب / الصلاة : امصلاة)، وإلى يوم يعمل بها ويقبالها في بعض بلدان السعودية لهجات تتحول فيها الأحرف مثل قلب الـ(ك) إلى (س) في (السكسكة) في بلدان نجد مثل (خالك : خالتس / أحبك : أحبتس / كيف حالك؟ : كيف حالتس؟) وتخفف الـ(ت) عند النطق ويبقى بعض جرسها الصوتي، وكذلك قلب الـ(ك) إلى (ش) وهي (الكشكشة) في سراة عبيدة مثل (خالك : خالش / أحبك : أحبش / كيف حالك؟ : كيف حالش؟).
هذا العمل البديع يسجل حقبة زمنية ضائعة في بقعة منسية مغيبة رصد كاتبها التحول الذي طرأ على "عصيرة"بعد تاريخ سحريّ للقبيلة حافل بالمجد والبطولات والأساطير ليتم تذويب هويتها وطمسها في الدولة الجديدة دولة الغرباء الشماليون!. رواية كتبت بنفس روائي ملحمي بلغة سردية بديعة جميلة نجح من خلالها الكاتب على إحياء أساطير ومعتقدات كانت في بطون المرويّات أظهرت قدرته العجيبة على التخيّل التاريخي كأنه ينقل تفاصيل واقع معاش،أعجبني أسلوبه في الوصف وخياله الواسع ورسمه للشخصيات وتطورها وتسجيله للموروث الشعبي من أغاني وأهازيج وفلكلور ورقص. من عيوبها الإيقاع السردي البطيء الذي يسبب بعض الملل في بداية الرواية،والعبارات المليئة بشتائم بالألفاظ الدارجة الفجّة وبعض المشاهد الدموية في وصف طقوس الختان أجدها مرعبة ومقززة بالنسبة لي مع صعوبات بسيطة في تفسير بعض معاني الكلمات كتبت باللهجة المحلية الدارجة. رواية رائعة بعوالمها السحرية وبتقنيات السرد الروائي.
لا استطيع أن أكتب شيئًا جيدًا أو حقيقي عنها . بعيدًا عن الرواية وقريبًا من ج��وب غرب المملكة , المكان الذي عرفت به بإن النساء تكاتف الرجال وترقص , تحرث الأرض وتغني , المكان الذي يحترم الموت والحزن والعشق . ويأخذ نفسًا طويلًا في الناي . تركت في قلبي حزنًا فاترًا وصوت ريح . هذا الجزء المغيب في وطني , الجزء الذي لا أعرفه تمامًا لكني كنت أحترمه , وكنت أسأل دائمًا لماذا سيل اللغة في ألسنتهم وقلوبهم غزيرًا ؟ هذه الرواية تركت لي جوابًا لهذا السؤال البعيد . في هذا المكان وذاك الزمان كانت القبلية تحكمهم كانت قلوبهم راضية . العادات والتقاليد التي يعيشون عليها وبها تجعلني أخاف أن أقرؤها دفعة واحدة . لا أدري كيف كانت تستطيع قلوبهم تحمل كل هذا ؟
في البدء واجهت صعوبة, ثم بدأت أنزلق في النص , السرد جميل , والحكايات كثيرة والليل طويل .
هكذا استهل يحيى امقاسم روايته.. وكأنه في بدايتها ينصب لها هدفاً يجب أن تصل إليه عند نهايتها ويجب على القارئ أن يستشعره ويحسّه.. عليها أن تحيي ذكر أجداده، الذين اندثرت حكاياهم ودفن الزمن بقسوته وقدرته الهائلة على المضي على الأمام عادتهم وتقاليدهم.
هنا يكمن الهدف الرئيسي والأساسي من الرواية، ولكنّ كل قارئ أو ناقد يظنّ أن يحيى أراد فقط أن ينتصر لأجداده على الزمن، فهو بلا شك مخطئ، هذه الرواية ليست مجرد رواية تاريخية أو ملحمة من الماضي، وليست رحلة لتعريف أبناء الحاضر بالزمن الغابر.. إن العودة إلى عمق الماضي بهذا الشكل، ليس فقط في كتابة رواية تجري أحداثها قبل قرنين من الزمن، وإنما أيضاً داخل الرواية، عندما نجد أن روح القرية (عصيرة) تقاوم الزمّن الذي يريد أن يطويها، ويكتب البقاء للأمارة ومقرئيها بنهجهم الجديد وطريقتهم التي لا تحترم أبناء القرية ولا تقيم وزناً لعاداتهم أو أسلوب حياتهم، نستشف أن الراوي "ربما" ليس براضٍ عن الحاضر، ليس هذا هو الزمن الذي يريد أن يعيش فيه.
برأيي هذه الرواية هي أفضل عمل أدبي سعودي –إذا ما استثنينا عبدالرحمن منيف ونتاجه الأدبي، وأجد أنه من المؤلم اختزال الرواية في القول بأنها حسٌ حنيني ليحيى، أو حبٌ لوطنه وانتصارٌ لاجداده.. إن أحداث الرواية برمزيتها يمكن أن تعممّ لتشمل ما هو أكثر من ذلك بكثير، وهنا نطرح سؤال: أليس ما رواه يحيى عن (عصيرة) ووادي الحسيني وقرى المخلاف، هو نفس نمط الحياة الذي كان يعيشه كل أبناء الجزيرة العربية –مع اختلاف في العادات والتقاليد ولكن تشابهٍ كبير في المضمون- قبل ظهور الإمارة وقبل أن يأتي المقرؤون؟ بكل تأكيد نعم.. إن الرواية تحاكم الدعوّة الدينية للشيخ "محمد بن عبدالوهاب" حيث اختزلت صورتها في المقرئين وأسلوبهم، وتحاكم "ابن سعود" الذي يظهر جلياً في الإمارة..
إن رواية "ساق الغراب" يمكن أن نقول أنها أقوى قصيدة هجاء قيلت بحق الطريقة التي قامت بها الدولة الدينية الحديثة في شبه الجزيرة العربية على شتات عادات وتقاليد وحياة أبنائها الأصليين الذين هزموا بالدين لأنه كان أقوى منهم ومن جذورهم المتأصلة.. لقد قرأت بعض القراءات النقدية للرواية، وقرأت رأي الأستاذ الكبير "غازي القصيبي" رحمه الله فيها، ولكن كل القراءات كانت تشدد على اختزال الرواية وقصرها على (عصيرة) وقرى وادي الحسيني، وشخصياً لا أعلم السبب، ربما خوفاً من فك رموز هذه الرواية وخوفاً من أن يفهمها..... ولا نريد الإكمال في هذا الخط. وربما لأنهم لم يصلوا فعلاً لما أراد يحيى امقاسم أن يقوله.
..
بنية الرواية الفنية رائعة جداً، وأسلوب يحيى السردي كان عبقرياً، لقد أبدع في التحكم بالخط الزمني، بحيث كان يعطي القارئ خيوطاً يستشف منها المستقبل قبل حدوثه، لتحفيزه على التفكير والتوقّع وليبقى مشدوداً "ذهنياً" إلى العمل بشكل دائم.
أيضاً يجدر بنا الإشادة بالجهد الكبير للكاتب في حصر هذا الكمّ الهائل من المعلومات عن تلك الحقبة، لقد كان يكتب وكأنه يعيش في عصيرة، وكأنه يتمشّى بين أهلها ويعرف كل صغيرة وكبيرة من عاداتهم وتقاليدهم وكأنه قد مارسها.. دون أن ننسى أنها رواية تجري أحداثها في العام 1800، أي قبل أكثر من 200 عام. وهذا جهد مذهل وجبار، وأتمنى لو تحصل لي فرصة اللقاء بيحيى لأسأله عن كيف حصّل كل هذه الأفكار، أمن مجرد الحكاوي التي كان يسمعها من الأباء والأجداد، أم أنه واهتدى إلى مصادر أخرى أشمل وأوسع! ..
إن أكثر ما أعجبني في الرواية أن الكاتب لم يكن يقحم أحداثاً ولا شخصيات هكذا "عبثاً" –يمكن أن استثني بعض الأحاديث والحوارات التي دارت حول الجنس في بعض الفصول- عدى ذلك فكل الشخصيات كان لها قيمتها الفنية والبنائية.. شخصيات وجدت لتعبر عن قيمة المقاومة –كشريفة-، شخصية عبّرت عن أن الإنهيار أتى أولاً من الداخل –حمود الخير "أبو حشفة-، ورجال القرية الذين ساعدوا عدوّهم على النيل منهم.. وغيرها الكثير الكثير، وأنا مقتنع تماماً بجودة الكاتب الذين لا يفتعل الشخصيات والأحداث لمجرد جذب القارئ دونما هدف فني يجعلها تخدم العمل ككل.
..
لقد انتصر يحيى امقاسم للمرأة وأكد على أهمية قيمتها في المجتمع لينهض ويكون مجتمعاً ناجحاً.. أكّد على هذا بأدوات بسيطة وأحداثٍ ومشاهد أبسط، عبر شخصية "الأم" التي تبرهن أن قيادة المرأة للمجتمع هي الأنسب، وهي التي ضحّت ببصرها من أجل أبناء قريتها، وشخصية "شريفة" الفتاة ذات العزيمة القوية والتي حملت المسؤولية باكراً، لتكون ابنة الرجل وابنة الأرض.. ودونهما تظهر شخصية "هدية" الزوجة التي كانت خير معين لزوجها الشيخ، والتي وقفت بجانبه رغماً عن أنه لم يكن يعطيها حقها وواجبه عليها، فبقيت عذراء إلى أن قضى. انتصاره للمرأة أيضاً ظهرت عندما بيّن انهيار المجتمع بغياب المرأة وتغييبها عنه، الذي أنتجته دعوة "المصلح" أو "المقروع".. وكيف أن يد الرجل وحدها لن تصفق أبداً. ..
ورغم إعجابي الكبير بالرواية، إلا أن لي بعض المآخذ عليها، كإهتمام كاتبها المبالغ فيه –حسب رأيي- باللغة على حساب الوصف الجمالي، فأنا في الكثير من اللحظات كنت أحس وكأنني أقرأ عن مكان ضبابي وغير واضح –ربما قصد الكاتب هذا الشيء، لا أعلم- وعيب كبير، فأنا كقارئ أهتم جداً بالمكان وودقة وصفه.. وفي هذه اللحظة لو طلبت منّي أن أصف لك غرفة "الأم" لعجزت عن وصفها لك، ولو طلبت مني وصف البيت الذي كان يسكنونه لعجزت، ولو طلبت مني أن أصف القرية لما استطعت.. إن الضعف في وصف المكان بدقة كانت عيباً.
أيضاً الكاتب لم يأصل لبعض الأفعال التي كان يقدم عليها أبناء القرية، كالحرية في الممارسات الجنسية، فحسب علمي أن هذا المجتمع الذي يتحدث عنه الكاتب كان مجتمعاً إن لم نقل "محافظاً" لم يكن "حراً" بالمعنى الذي تصفه الرواية.. وكنت أتمنى لو وضح ذلك بشكل أفضل، كما أصّل للكثير من العادات والتقاليد والأفعال الأخرى، كالختان وغيره.. ثم يؤخذ عليه أنّه لم يسلط الضوء على حدثٍ هام كموت كبار رجال القرية، الذين جاؤوا إلى الشيخ لاستئذانه بأن يموتوا، هل كان يقصد الانتحار؟ أم أي نوع من الموت هذا الذي يستأذن لأجله.. لم أفهم وتمنيت لو تم توضيحه.
أخيراً هناك الإسهاب في بعض المواضع التي كان يمكن أن تختصر لكي لا يصاب القارئ بالملل، والذي شعرت به في بعض الفصول حينما كانت الأحداث تسير ببطء شديد، مع التركيز على بعض الأمور التي لم يكن هناك داعي للتركيز عليها.
..
إن رواية "ساق الغراب" رواية عظيمة دون شك.. وعدم حصولها على الاهتمام الذي تستحقه نابع برأيي من عدّة أسباب، أولها هي الرمزية، وفهم القلّة القليلة لما كان يريد الكاتب أن يقوله فيها، وهو أمر مشابه لما حدث مع رواية الأديب السوداني الطيب صالح "موسم الهجرة إلى الشمال"، والتي إلى اليوم هناك من يقول بأنها رواية جنسية وأنها تافهة وليست من الأدب، وكل هذا يقال لأن القارئ لم يهتدي لفهمها، وبينما قلّة يقدرونها حقّ تقديرها في العالم العربي، نجد أنها في الغرب بعد أن ترجمت تصنّف من بين أفضل مئة عمل أدبي في التاريخ الإنساني.. وربما ترجمة "ساق الغراب" إلى الأنجليزية ستمنحها الزخم الذي تستحقه.
ثانياً.. هناك من الكتّاب والنّقاد من فهم الرواية جيداً، ولكنّه لا يريد الاعتراف بعظمتها وأن كاتباً شاباً من قرية في الجنوب تفوّق عليه وعلى الجميع في الوسط الأدبي السعودي، الأمر صعب، ولا أحب قول هذا ولكنّي سأقوله "الغيرة" لعبت دوراً هنا.
ثالثا.. لأن الأدب السعودي لم يعرف في خريطة الأدب العالمي ولم يكتب له أسماً في الأدب العربي بعد، فهو لم يحظى بالأضواء المسلطة على بقية التجارب الأدبية في العالم، وهذا التجاهل الذي بالطبع له مبرراته، ظلم رواية عظيمة كساق الغراب بجريرة أقرانها..
أخيراً، هذه الرواية دون شك تستحق فرصة، وهي عاجلاً أم آجلاً ستصل إلى المكان الذي تستحقه، فهي التجربة الأدبية الأولى من هذا النوع والتي تصل لهذا المستوى في الأدب السعودي.
الرواية بصفتها مقاومة ضد النسيان. أحببتها، أحببت النفس الأسطوري، أو الواقعية السحرية إن جازت التسمية. تمنيت أن أراها تراوح ما بين زمنين، زمن "عصيرة" وزمن النسيان والتناسي.
ما الذي يمكن أن يقال عن هذا النص؟! هذه قراءة نشرت (مُقتطعة) في جريدة الحياة قبل عام : ما الذي يحيل الجمال إلى فعل مؤثر في قارئه, كأن يشعر قارئ بعيد عن مقر الحدث أن الحدث يعنيه, وأن باستطاعة خياله التماهي مع قدرة الكاتب على ابتكار هذا العالم الجميل, حينما أقول (ابتكار) ذلك لأن المؤلف يحكي عن سنوات لم يدركها معايشة (تدور أحداث العمل في عام 1800م كما ينقل مبدع النص), إن من يستطيع أن يحيل الروايات الشفاهية المتواترة على اختلاف أشكالها, إلى عمل يقفز على النماذج السائدة, لهو عمل مؤثر ومذهل, ولأن الكتابات التاريخية والرسمية في حالة النزاع لا تنقل لنا إلا رواية واحدة, هي رواية المنتصر أبداً, فإننا نحكي عن حالة نادرة من حالات تحويل الهزيمة إلى نص جمالي فاتن, يحكي عن الزاوية التي لم تصادفنا كثيرا, الزاوية التي تنظر بها عين المهزوم!
في شكل مغاير, نبدأ القراءة من خلال الإشارة الدالة جداً على الحالة التي مثلها الصراع بين صاحب الأرض الأصلي, ذو الهوية الممتدة جذورها في عصيرة, القرية العاصبمة لوادي الحسيني/ جنوب الجزيرة العربية, وبين الداخل الجديد إلى الأرض, الغريب الذي يحمل مشروعاً مختلفاً يرغب في إحلاله بديلا عن نمط الهوية القائم, في هذا الموجز, يحضر رمز الهوية ماثلا في الطقس الختاني الذي يؤديه أهل المنطقة حال بلوغ الصبي مآل الرجال, الهوية التي يُعمل الداخل الجديد في نزعها من خلال توجيهاته الصارمة بمنع أداء الطقوس, بذريعة الدين حيناً, وبتلويحة السيف الذي سيطبق على رؤوس العباد لاحقا, من خلال الدين ذاته, كما يحكي النص, ولم أستخدم الدلالة هنا إلا لأبين كيف استحال هذا الطقس- الذي لم يعاينه الكاتب في حياته- إلى حالة جمالية من طراز فريد, يستحضر فيها كامل تفاصيل الختان, وكأنه قد أمسك بكاميرا عالية الدقة, ليرصد أدق التفاصيل التي تم بها, حاملاً أجواءه في لغة متخمة بقيم ذلك الزمن, فيدفع بالمجد, والهوية, والشجاعة, ورباطة الجأش, والرفض, ربما باعتباره قيمة ضرورية لا تبالي في حالة النزاع القيميّ الذي يعيشه أهل القرية بما هو آتٍ من النتائج, ولو كلفه الأمر حياته! إن هذا المستوى من التمسك بالقيمة ينتج فيما يبدو لدى (حمود الخير) نتيجة لحالة التهديد التي تتعرض لها هويته, فالذين يشعرون بالقلق حيال ثبات حياتهم ينتفضون دائما ضدّ كل علامة تشير إلى تبدل الحال, ويبذلون ما لا يظنون أنهم قادرون على إتيانه في استقرارهم ورغدهم, ولو كان ثمن الحفاظ على رسوخ الحال هو الحياة ذاتها! وهذا ما يتأكد لاحقاً بعد سلسلة من الحالات التي يرصد فيها امقاسم مفارقات تبدل الزمن, والاختلاف الذي يطرأ على حياة الناس التلقائية, وما بين ذلك مما كانت عليه أيامهم ولياليهم, وبين ما تحمله تعليمات الداخل الجديد, الذي استطاع لأسباب ليس هذا موضع ذكرها الصبر على تحقيق النتائج وقتاً ليس باليسير.
يعرف بناة الدول أن التغيير لا يتم من خلال القوة دائماً, فإحكام السيطرة على جماعات مختلفة المنهج, متنافرة الهويات, لا بد أنه بحاجة إلى أدوات من طراز مختلف, تحضر المفاجأة في الأداة الغير متوقعة! إذ أن (نسف الجمال), باعتباره عاملاً محلحلاً للملامح الثقافية للقرية, يأتي على صورة الدين هذه المرة, رجلا مفرداً لا ترافقه نصف حياته, لابساً ثوباً أبيض, يضع فوق كتفيه عباءة عربية, ويغطي رأسه بغترة بيضاء, وأهل الجمال لا يغطون رؤوسهم, بل يتعمدون كشفها للشمس والهواء, ويزينونها بالنباتات التي تنشر العطر في أجسادهم, يجدلون شعورهم أو يطلقونها كيفما اتفق, يمارسون دينهم بعفويةِ من لا يتوقع أن دينه مليء بما يمنحه الفاتح هيئة الخطأ! يعيشون ولا يظنون أن الحياة الجميلة التي يدورون في أفلاكها تنتهك الجمال, إنهم يدركون بعفوية المتمرس أن للرقص ساعته, وللعمل ساعته, كما للصلاة جمالها الذي لا يخلّون به, والرجال الذين دأبوا على تلقي تعليماتهم من (صادقية) والدة شيخ القبيلة, والمدبر الحقيقي لأمورهم, والقائد الروحي المحرك لتفاصيل حياتهم بدءاً من دفن الحبال السرية للمواليد وانتهاء بجمع المحاصيل, مرورا بكل ما تحمله الحياة المشتركة بين الرجال والنساء, لا يقنعون بعد هذا كله أن على هذه المرأة, أن تعيش بمعزل عنهم, خلف سواتر تم ابتكارها خصيصا لعزلها عن العالم, هذا بمفهوم الجمال يعني اقتطاع نصف الحياة, وإبقاء نصفه الآخر مثل خشبة جافة, بقيت في الشمس حتى صار لونها كالحاً, وعبث بها السوس حتى أصبحت جوفاء!
إن ضخامة الحكاية وثبات مجراها, تجعل من المستحيل حصر المواضع التي تفجّرت فيها ينابيع الفتنة, فما بين (إذ يقفون بأسمالهم المبللة وبنادقهم ترهقها قطرات المطر) و(عذوبة الليل التي تذهب بهم إلى ذكريات قديمة) وما بين إشعال النيران العظيمة, ورش الرحى بقطرات الماء كي يرى القمر المخسوف طريقه فيها, تكمن حياة تم وأدها لأغراض سياسية خبيئة أولاً, ثم صارت إعلاناً غير قابل للطعن والجدال, دون أدنى التفاتة إلى ما يمكن أن تؤول إليه حياة بأكلمها, فالمجتمع الذي تفكك, والناس الذين تبددت آمالهم في مجابهة الداخل الجديد, صاروا يعلنون باكراً رفضهم للتغيير, لنغرق في عذوبة جديدة يؤديها اليائسون من الحياة, عذوبة ما زالت عذراء على عيون القارئ العربي, إذ يتوجهون تباعاً إلى الشيخ وأمه, يستأذنونهم في الموت! إنها الأدوار حين تستبدل, فيصبح الموت حالة إبداعية لاستمرار الحفاظ على الصورة الأخيرة للجمال قبل زواله, وللزجاج الشفاف قبل خدشه بإزميل التغيير, ولا بد لنا من باب الإنصاف أن نفرق بين التغيير والتطوير في هذه الحالة, فالرفض في حالة النص لا يمثل صداً لمدّ حداثي, ولا يقف عقبةً في سبيل عملية نهضوية, بل يفصح عن نفسه كنوع من مقاومة اجتثاث الجذور, العملية التي تستهدف نزع النسوغ والأعصاب والوجه الكامل للقرية وإحلال قناع بديلٍ لا يشبه وجهها, حينئذ تصبح الحياة موتاً ذا لحية, يلتحف سيفه, يقف مفرداً صامتاً, ولا تنبعث من بين شفتيه ألحان الجنوب!
أبطال العمل ليسوا أشخاصاً مثاليين, ولا يمكننا التنبؤ بسهولة, إن كان فيهم جانبٌ من الشر خفي أو أنهم على ما فيه في خير مطلق, إذ يسهب امقاسم في صبغهم بالمحمود من الصفات والمواصفات والأفعال, وفقاً لأحداث الحكاية الطويلة التي لا تشبهها الحكايات, وكما لا يبدو الكاتب حيادياً مع شخوصه, فإن إعجابه الجليّ بما ينثرونه من الحُسن والعفوية يقودنا لتتبع ما يبرر هذا الإعجاب, لنجد قائمة تطول: فهناك (بشيبش) الكائن الأسطوري الذي رفض أن تهزم قريته وهو موثق إلى سرير خالته (صادقية) فغادرها إلى حيث لا يرى النهاية التي لا تروقه لعنفوانه/ مجد عصيرة, ولا يرحل رحيل المخذول, إنما رحيل من ينجو بالجمال من الذكريات المزعجة التي تشوبه, وهو إذ يقرر الذهاب يقدم طقساً غرائبياً آخر لا يخلو من صيغة الفتنة, حين يلعق قدمي طفلته دافعاً إياها إلى عدم الانزعاج من رحيله, إذ كان الراحلون يعتقدون أن فعلهم هذا يمسح ألم الغياب! وهنا (صادقية) الأم التي تقف خلف ابنها شيخ القبيلة, توجهه كما لو كان سهما نافذاً لتعليماتها, وتدير الحصاد, والمخزون, والرجال والنسوة, متمتعتة بكل صلابة القادة, دون أن نغفل عن تعريض (بشيبش) الدائم لها برغبة جسدها المكبوتة غالبا, النافرة نادراً في ملامحها الملكية الجميلة, ودون أن نسهو عما تحمله بصيرتها من قدرة على استشراف النوازل, والتدبير الحكيم لكل ما يطرأ على القرية من أحداث, وثمة (حمود) الذي كان رمزاً متقدماً لهوية القرية, والممارسة الغير مألوفة التي قام بها حين ختن نفسه لإثبات أحقيته بالرجولة, وبالتالي مدعاة للفخر في العرف السائد, الفخر الذي صار محرّما مذ هبط الداخل الجديد بأرضهم, ها هو يتحول إلى رمز للهو والعبث, ويقف موقف التوبيخ إذ تذكره جدته أنه لم يكتب في تاريخ واديهم الحسيني الذي ضم قرية عصيرة لاهٍ مثله, ها هو يستقبل وصية أبيه الغريبة بأن يعلق جسده على حبل جاهز لتخليصه من حياته, إذا صار أرخص القوم وأذلهم! وهناك (عيسى الخير) شيخ القبيلة الحيّ, الذي يدرك الأمور قبل وقوعها فيطلب إلى خادمه الذي كان يمازحه قبل قليل ما لا يسرّ به السيد إلى عبده! ويجهزه للموت قبل أن يقع, ويتشبث بحياته بين يدي أمه وهو على فراش الموت, يراوغها ليحصل على وقت خارج قدره المكتوب, ثم يستحي من الاستمرار حياً وقد سبقه إلى الموت كل رفاق دربه ومعاصري مجده, الذين غادروا قبل الأفول, وفضلوا الحصول على رخصة الموت قبل أن تنتهي أسطورة عصيرة! إنهم جميعا مزيج غرائبيّ التركيب, معقد الصيغة, لا تجد مثلها كثيراً, ولا تملك إلا الانحياز لجمالها, كما تنحاز لجمال رقصهم, وليالي سمرهم, والأغنيات البديعة التي أجهد الكاتب نفسه في تفسيرها, ومحاولة تقريبها إلى بساطة القارئ, بالرغم من أنها تنضح حساً لم يكن في حاجة إلى كثير تعبٍ ليلمس أرواح القارئين, قبل أن تندمج مع أهالي القرية في حلقة الرقص!
(ساق الغراب) ليست عملا حِرفياً, وحين نشير إلى المران الذي بذله الكاتب للخروج بهذا الكتاب العملاق, فإننا نتحدث عن اجتهاد المبدع الذي ينحت تمثالا لكي يتمثل ألم الصخر, لا عن تعب الصانع الذي يتخلص من آثام صنمه, يفاجئنا بالجمال من كل جانب, وكأنه يشن حربا زمنية مضادة بالكتابة, تشبه الحرب التي سُرق فيها جمال القرية وانتهك, يحاول أن يعيده بالجمال, إنه لا يبكي على فردوس كان, فهو يمجد الزمن الذي كان فيه الجمال حاكماً ونمط حياة, وربما لم تكن الحقيقة قريبة جداً مما صوّرته روحه وسكبته في جوف النص, لكن الخيال صنع من كل الصور التي التقطها والأرشيف الفني الثري لحياة الناس وأناشيدهم الندية, صنع عالما جميلاً, متخيَّلاً ربما, لكنه لا ينافي فطرة الكاتب, فطرة الانحياز إلى الحياة بشكلها العاري عن الأقنعة وكل ما يحجب الضوء, الحياة التي ترتفع فيها قيمة التضحية, إذ تتخلى الشيخة عن عينيها وهي تتساءل بصدق حارق: من كان يستحق عيوني غير وادي الحسيني؟!
لا يشين العمل ولا ينقص من روعته التماهي الخفي الذي تشي به السطور بين (ساق الغراب) و(مائة عام من العزلة) للكولومبي ماركيز, فثمة رابط شفيف بين ماكوندو الخيالية التي احتوت حياة حقيقية لم تعد موجودة, وبين عصيرة الحقيقية التي احتوت خيال امقاسم بأقصى ما يمكنه استجلاب الماضي, وتبجيل الذين استأذنوا في الرحيل إلى الموت, وثمة براعة حقيقية في التشبع الكامل بتقنيات الواقعية السحرية من جهة, وتحويلها من جهة أخرى إلى قالب نقي اجترحه امقاسم ليمنح عمله تقنية الإنباء بالكارثة قبل حلولها, مع الاحتفاظ بكمّ من المفاجآت, والربط بينها وبين التقنية النابهة في تصوير المشهد من عدة زوايا, كمشهد انتحار حمود العابث, الذي سنراه مرة أخرى بعيني شريفة بنت الأرض التي صارت بنت الرجال! هذه هي ساق الغراب, النص أو الأرض, لا فرق: روح دافقة في الكتابة, وزمن يحلم المارون به لو أنه لم يكن حلماً, وفجيعة ضخمة, تشبه فجيعة شريفة التي تسأل بصدق شفيف وصامت, عن القرية التي امّحت معالمها وكأنما ابتلعتها الأرض الغاضبة, وكأنها لم تكن يوما..!
هذه الرواية وقوفٌ على طلل الماضي لشعب أصيل راعه أن يرى قادماً مبشراً بعهد جديد مهدداً هويته الثقافية والممتدة لمئتي عام وأكثر فتلك الثقافة الخصبة التي احتفت بالأرض والرياح والمطر والسنابل و الغناء كانت على موعد مع منعطف تاريخي مهم غير وجهها إلى الأبد.
تطرح رواية ساق الغراب موضوع الخصوصية الثقافية التي تميزت بها منطقة جازان في الجنوب السعودي أو ما عُرف بالمخلاف السليماني وفي الفترة التي بدأت تتوحد فيها الدولة السعودية كانت قبائل وادي الحسيني قد بدأت النزوح لإحدى المناطق خوفاً من الانضمام للدولة التي ستفرض حتماً سلطة لا قِبَلَ لهم بها وأعرافاً لم يألفوها . و بين اعتزازهم الجم بهويتهم وحرصهم عليها وبين إدراكهم لقوة الدولة الحديثة وصرامتها نقرأ في الرواية ونشاهد كيف تخلخلت قوتهم الاجتماعية وتلاشى جزء من ثقافتهم ليندمج في كيان الدولة الجديد.، فكانت الرواية أشبه برثاء طويل يستحضر شواهد من تلك المرحلة الحرجة لذلك حشد الكاتب ما استطاع من أوجه ثقافته العديدة سواء في المظاهر الاجتماعية كالختان والزواج والروابط المجتمعية ودور المرأة كما استعرض العديد من المعتقدات المرتبطة بالطبيعة والموت وطقوسهم في الزراعة والحصاد و الرقص ، وهذا ما دعاه لإبراز اللهجة المحلية سواء في الحوار بين الشخصيات أو الاقتباس من الموروث الشعبي الغني. نجد في الرواية نبرة تمجيد الماضي والاحتفاء به والتحسر على ما تلاشى من مظاهره ولكن الجميل في الفن كما في الأدب هو تخليده لكل ما يستحق أن يخلد من ذاكرة الأرض وساكنيها .. ومنها رواية ساق الغراب .
"وكأجدادي وُلدت شرق صٓبْياء، بمنطقة جازان، جنوب غرب الوطن المملكة العربية السعودية، أيضًا مثلهم أتيت للدنيا بأكثر من تاريخ ميلاد فقيل إنّي ولدت في مطلع السبعينيات الميلادية، وقيل في منتصفها، والمؤكد أنَّني وُلدت يومًا ما، ولن اُغادر مثلهم اختيارًا.."
في هذه الرواية تحوّلات الحياة في قرية عُصَيْرة -على امتداد مائتي عام- الواقعة في وادي الحسيني.
تحكي الرواية عاداتهم وتقاليدهم على مدى سنين طويلة وكيف تغلّبت سلطة الإمارة على سلطة المشيخة مما غيّر الحياة الإجتماعية وسلب الحريات وألغى المساواة بين الرجل والمرأة في المهام واتخاذ القرارات. نشهد عام الهٓرْبٓة وليلة آمدُقمْ ورحيل بِشَيبشْ.. هذا وغيرها من الأحداث المصيرية التي غيّرت تاريخ هذه القرية.
وجدت أحداث الرواية قريبة من الواقعية السحرية. تأتي رواية "ساق الغراب: الهٓرْبَة" جزءًا من سيرة "ساق الغراب" وصدرت طبعتها الأولى عن دار الآداب - بيروت 2008 م.
تتحدث الروايـة عن البقعـة المنسيّـة في هذا البلد المترامي الأطراف، البقعـة التي لا تملك حظًا جيدًا من الالتفاف إن صحّ التعبيـر، البقعـة التي تعرفت عليها بشكلٍ واسع و مدهِش. البقعـة التي أذهلني إلتفافـها للحياة، الغناء، الفَـرح، تلمّسهم للطريق الصواب عن طريق قلوبهم، القلوب التي لا تخطئ طريقها و إن تعسّـرت. أول ما جذبني هنـا هي اللغـة. لغـة يحيى المتفرّدة، و التي خلقت هالـة غرق لذيذة على امتداد الأحداث. النقلات الذكيـة. قدرتـه على إمدادك كقارئ بما يكفي لتصنع توقعاتك الخاصّـة، ثم تجريدك منها و إقحام عامل المفاجأة، هكذا كنت أركض و توقعاتي لنتفاجأ بما يختلف عنها. الغريب في علاقتي مع هذه الروايـة أني اقتنيتها من المعرض الفائت أي قبل ما يقارب عشرة شهور، و في كل مرّة أحاول أن أشرع بها كان يقِف لي فيها الإهداء بالمرصاد: "للرجل الذي مزّقـوا قلبه بويل الله، أبي" أشعـرُ بالفزع و أغلقها. الآن اصبحوا ثلاثـة الذين أراهِـن على أقلامهم، بعدما أنضم إليهم بجدارة : يحيى !
قرات روايه ساق الغراب تتكلم عن منطقه ساق الغراب جنوب السعوديه قبل 200 سنه تقريباهي تأريخ كامل لمرحله زمنيه - تتحدث الروايه عن القريه قديما وعادتها في الافراح \ و الحصاد و دور المراه المنصف في ذلك الوقت مثل الاخذ برايها بالامور المهمه للقريه - مشاركتها للرجل في الزرع \ الحصاد وغيره اللهجه في الروايه كانت صعبه نوعا ما \ وفي اجزاء في الروايه كانت ممله جدا رغم ان عدد الصفحات تقريبا 300
رواية تاريخية تتناول فترة زمنية في منطقة "عُصيرة" الواقعة بالقرب من اليمن في المملكة السعودية. . يُحسب للكاتب الجهد الذي بذله في وصف العادات والتقاليد والخرافات السائدة في ذلك المجتمع آنذاك، فقد وصفَ الناس وصفَ الذي عاش في أوساطهم وخبَرَ أحوالهم وسبَرَ أوضاعهم. .
ولكن . يبدو بأنّ الكاتب أخرجَ عصارة جُهدَه اللغوي في هذه الرواية، فخرجت بهذا الكم الهائل من الألفاظ الغير مألوفة، علاوة على المصطلحات الخاصة بتلك الفترة التي تناولها الكاتب، مما يدعو القارئ لبذل المزيد من الجهد ومتابعة الأحداث بدقّة كي لا تضيع من بين يديه. فقد سئِمتُ من لغتها الصعبة، وفكّرتُ مِراراً بتركها وعدم إكمالها، فجمعتُ صبري المشتّت وعزمتُ على إكمالها رغم صعوبتها.
والسؤال، لماذا هذا الغموض في الألفاظ؟ وماذا أراد الكاتب من حشده لهذا الكم من الألفاظ الغير مألوفة لدى الكثير من القُرّاء؟ وهل كُتِبَت الرواية للخواص أم للعوام؟
الإنسان .. الأرض .. الدين .. العلاقات .. السلطة .. الهوية . كثير من المعاني و التفاصيل اشتملت عليها هذه الرواية "التاريخية" إن حق لنا قول ذلك ، فأحداث الرواية تجري بعد العام 1800م -كما نوه الكاتب- أي إبان الدولة السعودية الأولى التي كانت تحاول اجتثاث كثير من الجذور ليتسنى لها إلقاء بذورها حتى يستقر لها الأمر . الأحداث ببساطة تجري في قرية صغيرة اسمها "عصيرة" تقع جنوب غرب المملكة ، لأهلها عاداتهم و تقاليدهم الخاصة بهم والتي يؤمنون بها و يتعايشون معها ، منها ماقد نتعجب منه ومنها ماقد نراه جميلا ومنها ماقد ننبذه . المرأة كانت حاضرة و تجسد ذلك كثيرا في الأم "صادقية" التي تملك قوى خفية تجعلها تسيّر الأمور و تتنبأ بما قد يحدث ، ستجد نفسك مشدوها بما تفعله هذه المرأة فتحبها تارة و تبغضها تارة أخرى . يرى البعض أن الأساطير أو الفانتازيا كانت حاضرة لتتداخل مع الواقع مشكِّلة الأحداث ، عن نفسي أصدق بوجود عالم آخر يتدخل أصحابه في عالمنا هذا و أحيانا يكون ذلك بالاتفاق مع البعض فيأخذوا شيئا ليمنحوا شيئا آخر . هل يكون التدخل و التمازج بهذه الصورة التي ظهرت ؟ لا أعلم حقيقة لكن قد يكون !
السرد كان مترابطا ، البناء الفني محكم ، اللغة ممتازة ، الشخصيات مرسومة بدقة ، الحوارات أضفت للرواية طابعا خاصا مع أنها قد تكون مزعجة أو غير مفهومة للكثيرين ، لكن الكاتب كان يشرح مباشرة المعنى من كل حوار .
هذه الرواية كُتِبت باقتدار ، ولو لم يكن ليحي امقاسم رواية غيرها فهي تكفي لتخليد اسمه .
" إنّ هذا التسجيل الروائي الفني لمنطقة ومرحلة مجهولتين في تاريخنا، عند عامتنا ، عمل يستحق الإشادة لا من ناحية تفوقه الفني ، بل لكونه عملاً رائداً لم تعرفه الرواية السعودية ، حتى الآن ، في كتابة الرواية التاريخية " """ غازي القصيبي """ . . من الروايات التاريخية التي تخلد حقبة زمنية من تاريخ شبه الجزيرة العربية وبالتحديد قرية " عُصيرة " التي تحدها الجبال ومنها جبل " ساق الغراب " وهي عنوان الرواية . حظي هذا العمل بإشادة الكثير من النقاد و الأدباء ، تطرق يحيى امقاسم الى التعريف عن القرية و المكان و الطبيعة المحيطة بها والحياة البسيطة لسكان تلك القرية، و العادات الاجتماعية القاسية كانت أحداث الرواية تأخذ منحى ووتيرة تصاعدية بدايةً من مراسم واحتفال ( الختان ) ، الثأر ، التضحية ، القتل ، الإنتقام ) جعلتني اقرا الرواية بتروي الى ان انتهيت . أهم ما يميز هذه الرواية هو دور المرأة حيث كانت هي الأم و الحبيبة و القائد ويأخذ برأيها ، وبعد أن حل الوافد الجديد ( المتدينين ) حجّم هذا الدور واكتفى بأن تكون ربة بيت فقط !!؟ . . من الاعمال التي أعجبتني وأنصح بها ✨
ذا العالم المنزوي له كثير من العادات المختلفة عن باقي أجزاء السعودية كما أنه محسوب بالدرجة الأكبر على اليمن وهناك اتفاقية وقعت قديما بتأجير هذه المدن على أن تعود ملكيتها الى بلاد اليمن ثانية ..تحكم المرأة في هذا المجتمع الذي تسوده القبلية وحياة الجبال الرعوية في آن واحد ...معقدة حياة هؤلاء الناس ومن خلال نص معقد كأنه كتب لكي يقرأه أهله لا لكي يصل للعامة ثقافة مندثرة غائبة لذلك سوف يستصعب استساغة النص من البداية ومع الوقت سوف تنساب الكلمات بطريقة أسهل لا لأن النص سلس وانما لان تكيفك معه لاكتشاف هدا العالم سوف يقودك لاكماله.. .جيدة بتحفظ
في البداية، هذه هي أول رواية عربية تحاول استخدام أسلوب الواقعية السحرية، وأعتقد بأنها خطت خطوة جيدة في ذلك. بالعموم، الرواية تتحدث عن منطقة ساق الغراب في جازان، وعن الحالة الاجتماعية في الفترة القريبة لدخول الحكم السعودي إلى المنطقة، وفعليًا راق لي الكتاب، إلا أنني لا أعتقد بأنه موجه لعامة القراء، خصوصًا وأن أغلبية الحوارات بين الشخصيات كانت مكتوبة باللهجة المحلية الجازانية، وهو ما يعد غير مفهوم بالنسبة للكثير. لكن لو رأيت بأنك قادر على فهم اللهجة المحلية، فأعتقد بأن قراءة هذا الكتاب واجبة.
الكاتب متمكن جدًا من أدواته اللغوية والسردية، واخرج عمله في أبهى صورة بعيدًا عن الحشو والتعقيد، فالرواية كتبت بكلمات عاشق وتم نسج أدق تفاصيلها بعناية شديدة.
الرواية تسلط الضوء على تلك البقعة المنسية جغرافيًا والقديمة تاريخيًا، والتي شهدت مواكبة أحداث وتقلبات مرت بها قرى ومدن كثيرة، ويصوّر الانتقال من القبلية إلى المدنية، ويكشف لنا هذه الأحداث من الداخل، بوج��ة نظر من عاصروا تلك الحقبة.
المميز في هذه الرواية أن الكاتب استخدم سحر الكلمات المنمقة والمختارة بعناية، كما أن لديه احساس شاعري فيّاض ظهر جليًا في توصيفاته البديعة، أما بالنسبة لشخوص الرواية فقد كان لهم ألقهم وجاذبيتهم.
المؤسف أن العمل لم يلقَ الاشادة والشهرة التي يستحقها
تقف الجدة "صادقية" على قمة الجبل المتاخم لقرية "عصيرة"، تستنزل اللعنات بالقرية التى تركت الشرف، وقتل رجالها من لاذ بهم محتميا فيهم، منتهزين فرصة انشغال الجدة الحكيمة والعرافة القديرة بموت ابنها الشيخ حاكم القرية ورئيس رجالها.
"صادقية" هى شريكة الحكم، أرملة الشريف مشارى الذى يعتز به اخوالها الجن، وهى الأم والكاهنة التى تتلخص فيها سمات الأمهات القدامى كما تذكرهم كتب الحضارات والأنثربولوجى التى تحلل قيام الحضارات الأولى، التى اتسمت بقيامها على أكتاف مجتمعات "أمومية".
فالمجتمع الذى يرسمه "يحيى امقاسم" فى روايته "ساق الغراب – الهَرَبَة " الصادرة عن منشورات الجمل، هو مجتمع أمومى بامتياز تتصل فيه المرأة بالأرض. هو مجتمع يحتفل بالحياة، ويغزل من أساطيره منهج وأسلوب فى ممارستها، ويسلم قياده للعارفين وأصحاب العلم.. رجالا كانوا أم نساء.
فى مجتمع القرية الصغيرة "عصيرة" استمر جيل الأم والأبناء فى مقاومة سيطرة الإمارة الجديدة الناهضة فى الأراضى الحجازية، تلك الإمارة التى عضدت ملكها ومكنت له عبر "المقرئين" أو الشيوخ المتشددين الذين "جردوا العيش من الحياة"، ومكنوا برؤيتهم الخاصة للإسلام من ملك "إمارة"، سعت للسيطرة على الأراضى الممتدة من جنوب الشام إلى المنطقة الشمالية لليمن" صارت بعد نجاحهم هي المملكة العربية السعودية"، عبر حروب قبلية عدة فى بدايات القرن العشرين. يستعيد "يحيى أمقاسم" فى روايته تراث وأساطير قريته التى أبعد عنها (يحيا حاليا خارج المملكة العربية السعودية لمعارضته لنظام الحكم هناك)، والواقعة فى منطقة ساق الغراب بشمال اليمن، والتى جرى ضمها للمملكة العربية السعودية بعد تغيير كافة التقاليد وأسايب الحياة التى عايشتها القرية لما يزيد عن مئتى عام. ويقر الكاتب فى تقديمه للرواية على موقعه الشخصى أنه استند فى هذا التأريخ الروائى، لحكايات شفاهية تناقلها أبناء قريته المبقين على تراثهم القديم، فى محاولة منه لرصد تلك الذاكرة الموشكة على الرحيل، والتى تنقل حكايات مجتمع صغير يحتفى بالحياة ويبذرها أينما ارتحل.
المجتمع فى القرية الصغيرة التى تحكمها "صادقية" وولدها الشيخ، مجتمع زراعى تملك فيه النساء وتعملن، يخرجن فى مواسم البَذْر والحصاد، كى يملئن الأرض خيرا. يدركن المواسم وأساليب الزراعة، ويستأثرن بأعمال بث الحياة.. يتصلن بالأرض التى تشبههن فى حملها للبذور فى الرحم، ويحظر على غيرهن أن يمد للزروع الوليدة يدا للقطاف.
هذا المجتمع المحتشد بالرقص والغناء ومباهج الاحتفال بكل فعل للحياة، يتغير ما إن يصل القرية "المقرى"، ذلك الشيخ الذى حرم على النساء الخروج، فوصمهن بالنجاسة والنقص، وحبسهن تنفيذا لأوامر ربانية يراها. "المقرى" مبعوث الأمير، استطاع أن يخضع القرية لسلطان من أرسله، أهان الجدة التى أخذت الحكمة عن أخوالها من الجن، وقاد القرية للبوار. فضاع الشرف وبارت الأرض، وبارت معها أرحام النساء، لتصرن حرثا لأتباع المقرى الذين انتشروا فى القرية ليبدلوا شكل الحياة فيها بعد أن رحل عنها بالموت يأسا رجالها الأقدمين. تتنقل الرواية بين أساطير للموت والحياة والحب الذى يموت غالبا قبل أن يولد، والذى حرمت عليه الحياة بوصول المقرى وأتباعه. وتستمر فى سرد ما أحاط بالقرية من تقلبات شهدتها الجدة "صادقية" التى اجتمعت لديها أساطير ومعارف القرية فى كتابها الذى تحفظه فى قلبها، فى رحلة بحثها عن خليفة لها تحمل فى قلبها العلم والسر.
ينتصر امقاسم فى نهاية روايته للأمل فى بقاء الحياة، ببقاء الحفيدة "شريفة" قابضة على قيم عائلتها، مستشرفة مستقبلا تكون فيه الأرض ملكا لمن اتبعوا مذهب أبناء "عصيرة" فى الحياة.
**محمد امقاسم كما فهمت يعتز بلهجة اجداده الذين يقلبون لام التعريف ميما ،،
”عندما أكملت القصيدة, جرّت من صدرها آهتها القديمة: (إِييييييييهأ...), تتلمّظ منها ذاكرة مشروخة, كأنّما تُريده أن ينكأ لها جرحًا باليًا فتبيت على لذّته, تُناوش روحها ذكرى قديمة فيه, وتستحسن وخزه العذب.“
أظن أن "يحيى آمقاسم" أجاد نكأ الجراح. عبث جيدًا في ذاكرة أبناء قرية "عُصيْرَةْ", القابعة في وادي "اَلُحسَيْني" جنوب غرب المملكة, الجزء المنسي من هذا الوطن المترامي الأطراف. هنا أتذكر قول محمد علوان: ”... والذاكرة البشرية إذا تهيّأ لها فمٌ ينكشها جيدًا خرجت بأشياء مدهشة, وحكايات ممتعة“. هذا مافعله يحيى أخذ من أفواههم, واستمع لقصص وحكايات متواترة من هنا وهناك ليصيغ لنا هذه الحبكة التاريخية لزمن هو نفسه لم يعشه. فالأحداث تدور في عام 1800م . يحكي لنا الكاتب عن "عُصيْرَةْ" وأهلها, طبيعة عاداتهم وتقاليدهم الخاصة, جمال رقصهم, ليالي سمرهم, والأغنيات البديعة التي كانوا يتمايلون على أنغامها, وقمرٌ يحكي لهم عن ألوان الذرة وعن حصاد موسمهم. حضور المرأة كان قويًا, فالسيادة كانت للجدة "صادقية". والمساواة قائمة بين الرجل والمرأة. إلا أن جائهم ذلك الغريب ليجتث جذور هويتهم الممدودة طويلًا في هذه الأرض. جارفًا ماضيها وحاضرها ”كنبتة برّيّة تجرفها الرّيح دون حاضر يبكي جذورها الرطبة“. جمال السرد وترابطه, الامتزاج الفني التاريخي للنص, عذوبة الحوارات, كلها عوامل تجعلك تشيد بهذا الكاتب/العمل –مع تحفظي على بعض النصوص والألفاظ-, كما أشاد به الأديب غازي القصيبي: ” إنّ هذا التسجيل الروائي الفني لمنطقة ومرحلة مجهولتين في تاريخنا، عند عامتنا، عمل يستحق الإشادة لا من ناحية تفوقه الفني؛ بل لكونه عملاً رائداً لم تعرفه الرواية السعودية، حتى الآن، في كتابة الرواية التاريخية “.
اعتقدت أنني سأجد أفضل مما قرأت.. بناء روائي سردي ولا يشجع على مواصلة القراءة، مبالغة في استخدام الألفاظ الغير لائقة، بالإضافة إلى أن إعادة تفسير الكلمات التي كُتبت باللهجة المحلية في كل مرة كان أشبه بأسلوب الكتب المدرسية لا الأعمال الروائية. الشيء الوحيد الذي يُحسب لهذا العمل هو محاولة توثيق جزء من ثقافة الجنوب في فترة ما.
هذه الرواية ما أن تقرأها حتى تترك فيك أثرا بليغا يصعب أن يفارقك حتى بعد مرور زمن على مغادرتك لها رواية جميلة أخادة أخذتني بعيدا لعالم لا أعرفه و بالرغم من ذالك وجدتني االفه تماما في عالم يحكمه الرجل و لكم تديره النساء بقوة و تخطيط و ذكاء وبعد بصيرة هذا يسير لا يكفي ولا يفي هذا العمل الجبار حق
ملحمة ادبية بدوية لعشيرة عصيدة في وادي الحسيني القابعة في بلاد الجزيرة الغربية لمرحلة زمنية غابرة ، اجاد الكاتب تصويرها و بلغة عربية تتخللها عبارات مرموقة .
فرغت للتو من قراءة هذه الرواية التي كانت مبشرة بزخمها اللغوي و تضاريس المكان الذي من كثرته تحاول أنت كقارئ أن تمسك الأسماء المختلفة الرواية تكمل مايقارب الثلاثمئة صفحة ، وقد قسمها الكاتب إلي ثلاث أقسام ، الجزء الأول يبدأ في مايسميه الهربة ثم فحولة إلى حين ثم الشارق : الرواية تدور في قرية قرب جازان يحف يها جبل اسمه ساق الغراب ونختصر الثيمة الروائية التي تدور حول هؤلاء القرويين المعتزين بمكانهم بقدوم غزاة شماليين ليبسطوا نفوذهم ، فيبدآ الأمر بالهروب ثم الرجوع إلى قريتهم تقودهم الأم وابنها الشيخ ومعاونيه ، بعد ذلك يبدآ الغزاة بتبديل قواعد اللعبة لإخضاعهم لنفوذهم عبر الجماعات الدينية والمقرئين وبناء المساجد وتعليم الناس أن بعض العادات خاطئة في النهاية ينجح الغزاة بامتلاك الارض التي سوف يغمرها سيل يجرفها وتهب رياح تقتلع الأشياء ، ويصبح الرجال عنينين ( فاقدي القدرة الجنسية ) وتموت الأشياء ، أما الرعيل الأول فيموت أو يهرب كما حصل مع شريفة ( نسخة الأم الجديدة ( التي تحاول زراعة الأمل في نهاية الرواية البطلة الأم ترمز لأصالة الارتباط ، والمحافظة على الأصول القديمة الرجولية ، حسنات الرواية : الرواية مادة دسمة تسجيلية للبشر الذين سكنوا انثروبولوجية واجتماعية في ��لعام ١٨٠٠ م حين أحداث الرواية اللغة العالية التي كتبت فيها الرواية والنفس الشعري الواقعية السحرية التي تتضح بالرواية وجعلتها مع كل السلبيات ملهمة سيئات الرواية : الشخوص الروائية لا تتطور وتتوه من خلال الوصف الطويل للعادات الذي لايساعد على نمو الحدث - هناك أحداث تظهر ثم تقفز مرة أخرى بعد اختفائها مثل موت حمود - ا يكاد يكون ٢٠٪ من الرواية يدور حول الختان بوصف يصل إلى حد التقزز في بعض الأحيان الرمزية العالية وخاصة في نهاية الرواية ، ربما يحولهاإلى غموض
برغم جمال الحكاية وغرابتها ودقة الوصف وروعته لدي ثلاثة مآخذ عليها : ١- استخدم الكاتب اللهجة المحلية في حوار الشخصيات والتي لم افهم اغلبها مما اضاع علي الكثير من التفاصيل وكان بامكانه ادراج شرح معاني الكلمات في الحواشي ولا اعتقد انه قصد بالمكتوب المتلقي المحلي وحده فالكاتب دائما يرغب في توسيع جمهوره . ٢- استخدم الفاظ مبتذلة خادشة للحياء تصم مجتمع بأكمله بوصمة السوقية ولا اعتقد ان الحقبة موضوع الحكاية كانت كذلك. ٣- من النص يتضح ان ابعاد المكان هو منطقة جنوبية ومعروف من خلال الدراسات السكانية على نطاق العالم ان اهل الشمال في كل بلد هم اكثر انفتاحا وتقبلا للتطور من أهل جنوبه وان اهل الجنوب في كل بلاد العالم هم الاكثر التزاما بالتقاليد والاعراف والاكثر تزمتاً تجاه حركة التغيير والاكثر انفة على صعيد العلاقات وما صوره الكاتب هنا هو مجتمع منحل يلهث خلف شهواته بكافة افراده وبمختلف اعمارهم وهو شيء لا يمكن ان يصدق على مجتمع ما ناهيك بمجتمع جنوبي صميم يقوم في الاساس على مراعاة التقاليد والحشمة في المعاملات وسيادة العرف الاصيل اعجبتني الحكاية فمنحتها ثلاث نجمات ولم يعجبني سردها فبخستها اثنتين ..
أن تسافر خلال الزمان والمكان قبل عشرات السنين الي قرية عصيرة بجازان وتعيش تفاصيل الحياة الفطرية وعادات القبيلة و حياة الارتحال والبحث عن الماء و بدايات تحول الصورة التاريخية لتلك القبيلة الي الصورة النمطية الوهابية التي أخمنها دائما او صُدرت لنا اعلامياً عن تاريخ السعودية.. الرواية تحكي عن سعودية لا أعرفها من لسان جنوبي لا أفقهه فاللغة كانت نوعا ما عسيرة و أجهل بعض المصطلحات..
عن زمان و مكان كانا يئنان خلف صورة براقة عظيمة مؤملة ، يرصد الإنسان مفضالا و محتفلا بالأرض و السماء و ما وراءهما ، يسرده عاشقا عدلا و أحيانا ناقضا لكل فضيلة أو عرف ، يسهب في الوصف لكن بلذاذة - نعم نحن في عصر حيث تربع عرش الأوصاف : اللذاذة .