كان جدي يجلس هناك.. في مواجهة البعيد.. من ورائه المخيم ومن أمامه الغياب..
ينظر وحيدًا باتجاه وطن كان لنا، رأس جدي يكاد يغوص في حجره، لم يكن هناك أحدٌ بهذه التلة الصغيرة غيره، الشمس قد اختفت...
اقتربت وجلست بجانبه، وقلت دون أن أنظر إليه: مساءٌ جديدٌ سيحلّ بمخيمنا. تأمّلت بحرص المخيم الذي هو أسفل "التلة"، تأمّلته خيمة خيمة.. وتأمّلت الخيام المجاورة لخيمتنا عن اليمين وعن الشمال، وكذلك بعض الفتحات التي تتفرع من خيمة لأخرى مشكّلة شوارع ضيقة لوطن أسّس على عجل؛ فوجدت فتحات صامتة حزينة، كأنها جدران تشعرك فقط بألم داخليّ، وقفت واتجهت قليلا للأسفل وأنا أجرّ ذلك الإحساس المرعب معي؛ بحثًا عن بيتٍ مختلف أو عن خيمة من فرح كما كان من قبل في قريتنا، نظرت مجددًا لعمق الفتحات من الغرب ومن الشرق، ثم عاودت النظر لبيتنا / خيمتنا، الإحساس هو هو.. لم يتغير!!
ولم يخفّ بعض الشيء!!
هناك شيء ما خفيّ قابض للروح، شيء أخرس لا يبوح إلا بألم شديد، ألم يصعب على طفل استيعابه وتحمله، نعم كان هناك بعض الأشياء التي قد تساعدك أو تتخيل أنها تساعدك على الهروب من هذا الإحساس المقزز.. البشع!! .. http://lastagionetriestedellafarfalla...
"لا نعرف ما تخبئه الأقدار وإن كنا نبذل قصارى جهدنا لتفادي ما لا نرغب فيه، ولكن الآن يحدث ما رغبت فيه، يأتي بعدما قد اعتقدت أنه لن يأتي أبدًا.. كأن تولد الماء من جريد وحجر.."
الرواية تتحدث عن شاب فلسطيني يعيش في المخيم ويسرد لنا حياته قبل وبعد حسب تذكره للأحداث ويحكي عن جده وعن عودتهم للوطن مرة أخرى وعن حياته بعد ما أصبح وحيدًا..
في “موسم الفراشات الحزينة” يأخذنا أسامة الحبشي في رحلةٍ شاعرية تتأرجح بين حزن الفراق وبريق الأمل، حيث تتراقص الذكريات كفراشاتٍ تهيم في سماء الروح. هي رواية قصيرة تقطر حسراً وجمالاً، تذكرنا بأن كل وداع يحمل في طياته بصيصاً من بداية جديدة. وبأن الأرض تضرب جذورها في القلب…
تأخذنا رواية "موسم الفراشات الحزين" للكاتب أسامة حبشي في رحلة عميقة إلى أعماق القضية الفلسطينية، مستعرضةً مشاعر الفقد والحنين التي ترافق الفلسطينيين منذ النكبة عام 1948. من خلال عيون طفل، يقدم الكاتب صورة حية لقسوة التهجير والعيش في المخيمات، حيث يصبح الأمل في العودة إلى الوطن هو السمة الأبرز في حياة هؤلاء اللاجئين. تتميز الرواية بلغة شاعرية تغلف الأحداث والذكريات، حيث يستخدم حبشي الرموز بشكل بارع؛ فالفراشات تصبح رمزًا للوداعة والجمال المفقود، يرمز إلى الفقد الذي يعانيه الشعب الفلسطيني تحت وطأة الاحتلال. هذه الرمزية تعكس الفجوة بين الجمال الطبيعي الذي كان موجودًا يومًا ما، وبين القبح الذي يرافق الاحتلال. أحد الجوانب المثيرة للاهتمام في الرواية هو الأسلوب الاستفهامي الذي يعكس فضول الطفل السارد. هذا الأسلوب لا يقتصر فقط على طرح الأسئلة، بل يفتح مجالًا للتأمل والتفكير العميق في الواقع المحيط. الأسئلة التي تطرحها الشخصية الطفولية تعكس حيرتها وقلقها، مما يضفي عمقًا إنسانيًا على التجربة الفلسطينية. شخصية الجد تمثل رمز الأصالة والصمود. فهو ليس مجرد شخصية ثانوية، بل يمثل الجذور والتاريخ الذي يظل حيًا في ذاكرة الأجيال. يظل الجد رمزًا للحنين إلى الماضي، ويعكس عمق الروابط العائلية والمجتمعية التي لم تستطع قسوة الاحتلال قطعها. تتطرق الرواية أيضًا إلى حلم التعايش بين العرب واليهود، من خلال شخصيتي أبراهام وسارة. هذه الشخصيات تجسد الأمل في إمكانية التفاهم والعيش المشترك، وهو حلم يبدو بعيد المنال في ظل الظروف الحالية. لكن حبشي يسعى من خلال الحجر، الذي يمثل الانتفاضة، إلى تصوير المقاومة كوسيلة لاستعادة هذا الحلم المفقود. في المجمل، يعد هذا العمل مرثية للحلم الفلسطيني، تجسد الألم والفقد، لكنها أيضًا تبرز الأمل في العودة والتعايش. بأسلوب أدبي متقن ورؤية فلسفية عميقة، ينجح أسامة حبشي في نقل مشاعر الشعب الفلسطيني، مما يجعل من روايته عملًا أدبيًا يستحق القراءة والتأمل.