ابن تيمية، يا رجُل المستحيل الذي يندر تكرارُه ! بهذه العبارة أصف ذلك الأيهَم العظيم الذي لا تُخطئ نبوغَه عين مُنصف، ولا أدري أيكون لي بعدما قيل فيه من العلماء الأجلّاء قولٌ ذو بال؟! لكني لا أجد إلّا تكرار بعض ما قيل فيه:
ولا أحصي عدد المرات التي قرأت فيها هذا الوصف الذي يبدو لمن لم يقرأ له أو عرف سيرتَه - يبدو كالخيال المُبالغ فيه، لكنه قليل فعلا.. كما قال أبو الحجاج صاحب تهذيب الكمال: "ما رأيت مثله ولا رأى هو مثل نفسه، وما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنة رسوله ولا أتبع لهما منه" ودونكم مصنّفاته وسيرة أعماله تُنبئكم! لم أتوقع أن أجد في هذا الكتاب دررًا كامنة كما رأيت بعدما جرّبت، يقع الكتاب في 700 صفحة، يشكّل المكتوب فيها 600صفحة تقريبا، والباقي فهارس.. فكرة الكتاب كما في العنوان تماما، فهو تارة ينقل آراء الشيوخ والعلماء فيه منذ صغره إلى وفاته وما بعدها، وتارة يأتي برسائله وخطبه ومناظراته مختصَرة تارة وكاملة حينًا آخر.. وكلها مناقبُ حتى لو أتت من خصومه، فقد كان رحمه الله من أعدل الناس وأعفاهم عن أعدائه ومخالفيه رغم كل ما كانوا يكيدون له من المكائد: - ولا أبدع ولا أجمل ولا أفضل من رسائل الانتصار له في فتنته بعد الحبس الذي كان بسبب قوله في مسألة شدّ الرحال إلى القبر النبويّ الشريف، ومن أنفس الرسائل التي قرأتها تلك المُعنوَنة ب"التذكرة والاعتبار والانتصار للأبرار" أنصح بالاطلاع عليها وأعلم أنها ذات نفع وفائدة بحيث يصلح أن تحفظ في كرّاس وتُقرأ مرارًا..
ثم تلاها خلاصة رأي ابن تيمية رحمه الله في قضية شد الرحال، وهي في بضع صفحات اختصرتُها كالتالي ـوأرجو ممن لهم علم بالمسألة أن يصوّبني إن أخطأت- :
لا تُشد الرحال إلّا إلى الثلاثة المذكورة في الحديث المشهور، وهو عمدة أحاديث الباب، ولو نذَر أحد نذرًا للسفر إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فلا يلزمه الوفاء بنذره ، لأن الرحال لا تشد إليه، وليس في ذلك انتقاص من قدر النبوة بل العكس تماما، إذ هو طاعة لأمره وامتثال له، وكذلك لو نذَر الإنسان للسفر إلى مسجد آخر غير المساجد المذكورة فيه فلا يجب عليه وفاء النذر. باستثناء أن يكون المسجد قريبًا فيلزمه الوفاء بنذره لأنه لا يعتبر شدّ رحل، وهناك فرق بين شد الرحال إلى القبر وبين مجرد السفر للصلاة والتسليم على النبي وصاحبيه في المسجد النبوي.. فلذلك يختلف الحكم، والتفصيل في صفحة : 419 من هذه الطبعة. - ومن أجمل ما اطلعت عليه في بداية الكتاب: مناظرتُه مع ابن المرحّل في قضية الشكر والحمد، ومناظرته له في معني النفاق وصنوف المنافق في الشريعة، وردّه على الاعتراض على من ينفي اطلاق اسم "الفرقة الناجية" ويقول: إذا كنتم الفرقة الناجية فغيركم هالك! -انظر ص: 287-288 - ثم يالله.. يالله ارزقنا ثباته أو بعض ثباته.. ذلك الجبل الأشم المملوء عزّة بالدين، المحروس بالدين، المقضيّ والمُمتثل امره بالدين مع الحجّة البينة الناصعة، لما حُبس ماذا فعل؟ أتراه جزع أو حزن؟ أتراه انكفأ على نفسه وانزوى في ركن لا يحدّث أو يحادث؟ كلا، إن نفسه الأبيّة تعلم أنها ما جاءت لتلهو بل لتدعو، وإنه كان للسجن كما كان يوسف له، وللمساجين كما كان لهم في الصبر والتصبّر والدعوة إلى الخير.. لدرجة أن المساجين بعد خروجه يعودون إليه لينهلوا من علمه فيترددون عليه صباح مساء، إلى أن ضاقت الحلقة بناسها من الاكتظاظ، وغاظَ الظالمين ما آتى اللهُ عبدَه من قبول فآثروا نقلَه ففعلوا.. وما غيّر منه ذلك مثقال حبة خردل!
- وإن رمت إدراك شيء من خصاله فاجمع إليك المحامد ثم قل هذا هو، ولا تجده إلا حامدا شاكرا محتسبا في كل حاله.. هل كنت معه إذ يقول لما قال له الناسُ إن الناسَ قد أجمعوا أمرهم ليمكروا بك،؟ لقد كان ردّه واضحا صريحا عزيزا: حسبي الله ونعم الوكيل! القران نصب عينيه، والسنّة عمله وحُكم الله عنده، لا يتلكآ إن وجد الدليل أن يتبعه.. يا جمعًا يقال إنه من أمة أحمد! قال سقراط وبقراط: اتبع الدليل حيثما قادك.. فإن من اتباع الدليل أن يكون نهجًا دائمًا، وليس أيّ دليل فمنه الصواب والخطأ، إلا أنك إن أردته صحيحا متمثّلا في هيئة بشرية فدونك ابن تيمية! ٫ ٫ هل ياترى يتهمك هؤلاء الحداثيون كما اتهموا قبلك نقلا عن مستشرقي الغرب النبيَّ محمدا بتسييس الإسلام -حاشاه ونضّره وكرّمه وكفاه ما يقولون- هل يقولون إنك فعلت ما فعلت وصبرت وتحمّلت لتنال الجاه والمنصب؟ أهذا سعيُك ونهاية مآربك وبُغيتك؟ "مسيلمةٌ منهم يلوذُ بأشعَبِ".. ألا فلتُجب يا تقيّ الدين.. وليكن جوابُك أمام (الملك الناصر) لما زعموا له ذلك..
٫ يطول بي المقام إن أردت التفصيل أكثر، وبين دفّتي الكتاب روائع وهواملُ من جمالها وقوّتها لا تملك إلّا أن تمسك القلم وتكتب: هذا القُمقامُ الشهمُ الأبيّ المسلم.. قد كان منه كذا وكذا وقيل فيه كذا وكذا، ولئن أحياني الله لأتبعن سبيله فهو طريق نبيّي وديني، لا يخالف في ذلك إلا مخالف. - يختتم الكتاب في نحو 100صفحة من الشعر الذي قيل فيه بعد وفاته، وقد قرأتُه كاملا ودوّنت بعضه مما أستفيد منه حكمًا أو لغةً فصيحة..
رحمك الله وأثابك يا شيخُ عمّا قدّمت لهذه الأمة خير الجزاء، وكما قال أحمد بن حنبل رحمه الله: قولوا لأهل البِدَع: بيننا وبينكم الجنائز، فاقرؤوا عن جنازة ابن تيمية كيف كانت، وهل استطاع الناسُ أن يجدوا لهم مكانًا فيها أصلا !
وأختم ببيت شعرٍ راقني، وأراه يصف حال ابن تيمية ومخالفيه، وإن كان هو نفسه لو قرأه لقال: عفا الله عني وعنكم.. هذا لايصح.. :)
ماذا عسي اقول او اكتب عن مثل هذه الكتب التي هي بمثابة آلة الزمن التي بمجرد ان تقلب صفاحتها تدخل لعالم وعصر من العصور العظيمة بها الأحداث والعجائب عن أمام اصطفاه الله ليكون نور يهتدى به في العلم والعمل رحمة الله على شيخ الإسلام ورضي عنه.
هذا كتاب مفرد في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية من تأليف تلميذه الإمام الحافظ محمد بن أحمد ابن عبد الهادي المقدسي (الذي لم يجاوز الأربعين من العمر) هو أهم كتاب في ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية أيضا وتتضح أهميته من أن مؤلفه من تلاميذ شيخ الإسلام، الآخذين عنه، وقد عاصر كثيرا من الأحداث التي جرت، وأخذ عمن عاصرها. أنه أوسع كتاب في ترجمة الشيخ، سواء من المعاصرين له أو ممن جاء بعدهم. أن المؤلف منبت في أخباره وسياقه للنقول، فهو إما يعزو إلى كتاب معروف ذاكرًا اسمه، أو إلى طبقة سماع نقل منها، أو ينقل من خطوط أصحاب الكتب، أو ينقل من خط الشيخ، أو من خط بعض أصحابه أو يعتمد على سماعاته من الرواة أو مشاهداته.
والكتاب يعد من أهم مصادر ترجمة شيخ الإسلام، وهو أصل/أكثر الكتب التي جاءت بعده في ترجمة الشيخ، خلا كتاب أبي حفص البزار «الأعلام العلية» فهو كتاب مبتكر... وهذان العالمان مع الحافظ الذهبي هم الذين ألفوا في ترجمة الشيخ، من تلاميذه،
وهذه الترجمة على أنها أطول ترجمة للشيخ وجدت إلا أن المؤلف في مقدمته يقول: إنها «نبذة يسيرة مختصرة في ذكر حال سيّدنا وشيخنا»
هذا والكتاب من اروع ما أُلف في ترجمة شيخ الإسلام ، افتتح المؤلف كتابه بذكر نسب الشيخ ومولده، وانتقاله من حران مع أهله، ثم ذكر بعض شيوخه المسندين، ونشأته العلمية، ونبوغه المبكر، و ثناء العلماء عليه وهو في صغره. ثم انتهاء الإمامة إليه في العلم والعمل وهو شاب في الثلاثين. كما ذكر مصنفات الشيخ، وساق مقتطفات من بعض كتبه، ثم تطرق إلى بعض مناظرات الشيخ وما جرى فيها من أحداث ، ثم ذكر جهود الشيخ في استنهاض الهمم إلى مقاتلة التتار ...ثم ساق كتابا مطولا للشيخ في هذه الحادثة ومقارنتها بما وقع في غزوة الأحزاب. ثم ذكر ما كان في وقعة شقحب، وما ظهر فيها من نصر المسلمين، وكرامات الشيخ وشجاعته وقوة بأسه.
ثم ذكر ما حصل للشيخ من السجن والمناظرات وغيرها في مصر مع الصوفية وغيرهم، ثم ذكر أحداث متعلقة بنشر شيخ الإسلام العلم والاجتهاد في الأحكام الشرعية، وتخلّص إلى ذكر بعض اختياراته الفقهية التي خالف فيها المذاهب الأربعة أو بعضها. وانفصل إلى ذكر فتاه في الحلف بالطلاق وما جرى له فيها من محنة وسجن،و مسألة شدّ الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، و محنة الشيخ وسجنه. واخيرا ذكر وفاة الشيخ، وانتهى إلى ذكر بعض المدائح والمرائي التي قيلت في الشيخ ليكتمل هذا الكتاب عقد جمان يتلألأ للقارئ.
الكتاب الثاني (ملحق) عبارة عن نبذة مختصرة في مناقب شيخ الإسلام وفضائله، جاء في اربعة عشر فصلا ذكر المؤلف في كل فصل ما يستحضره عن شيخ الإسلام فاصبح نبذة يسيرة تكون كالدليل للقارئ والراغب للإطلاع على مناقب شيخ الإسلام
هذا الكتاب الماتع هو أحد مُخرجات مشروع ’’آثار شيخ الإسلام ابن تيمية، وما لحقها من أعمال‘‘ والذي أشرف عليه العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد -رحمه الله- صدر منه ثمانية عشر مجلداً هذا الكتاب الذي بين أيدينا واحد من تلك المجلدات. يجمع الكتاب بين دفتيه ترجمة الإمام شيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن عبد الحليم بن تيمية -رضي الله عنه- التي كتبها الإمام شمس الدين أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الهادي المقدسي-عليه رحمات الرب- وبين الترجمة التي كتبها الإمام أبي حفص عمر بن علي البزار-رحمه الله- وكان المحقق قد ذكر في مقدمته على "الأعلام العلية" أنه رأى أولاً التقاط الفوائد والزوائد التي يضيفها البزار في كتابه وتضاف إلى حواشي "العقود الدرية"، ولكنه عدل عن ذلك خشية تطويل الحواشي. عمل المحقق على ترجمة كل إمام من الإمامين-المقدسي والبزار- قبل الشروع في كتبابيهما، وذكر منهجه وعمله في الكتابين ولكن النسخة التي حصلت عليها سقط منها مقدمة المحقق على "العقود الدرية" وعمله فيه والنسخ والمخطوطات المعتمد عليها، ولم يكن ذلك في "الأعلام العلية".
🔹 العقود الدرية في ذكر بعض مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية - ابن عبد الهادي المقدسي توسع الكتاب في سيرة شيخ الإسلام رحمه الله وترجمته العطرة فذكر حتى بعض دقائق الأمور وتفاصيلها. بداية تكلم الإمام المقدسي عن نسب شيخ الإسلام أحمد بن تيمية-رضي الله عنه- ومولده بحرَّان ثم قدومه مع أهله وأسرته إلى الشام إثر جَور التتار، فسمع الشيخ ابن تيمية من ابن أبي اليُسر، و المَجد ابن عساكر، والقاسم الإربلي وفخر الدين ابن البخاري وغيرهم حتى بلغ شيوخه الذين سمع منهم أكثر من مائتي شيخ. وكان لحفظه-رضي الله عنه- ونباهته وحسن أخلاقه دوراً في نبوغه العلمي، هذا مع جلوسه للتدريس مع صِغر سنه وتفوقه على أقرانه بل وعلى شيوخ عصره، ولشيخ الإسلام نصيب وافر من التعبد والزهد والورع، ونُقل عنه إدمانه للاستغفار فكان يُفتح له ما أُغلق عليه. ثم نقل الإمام المقدسي ثناء العلماء على شيخ الإسلام ومكانته عندهم.
أما عن مصنفات شيخ الإسلام فذُكر في ثنايا هذا الكتاب أن كبار مصنفات ابن تيمية لعلها بلغت أكثر من أربعة آلاف كراس، ولكن مصنفاته كثيرة جداً لا حصر لها، والحصر متعذر حقيقة وفي ذلك يقول ابن عبد الهادي المقدسي: "وما كفي هذا إلا أنه لما حبس تفرق أتباعه وتفرقت كتبه، وخوفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، ذهب كل أحد بما عنده، وهذا وأخفاه ولم يظهروا كتبه، فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتي أن منهم من تسرق كتبه أو تجحد فلا يستطيع أن يطلبها ولا يقدر علي تخليصها". وذكر المصنف عناوين مصنفاته -رحمهما الله- معلقاً بإيجاز شديد عن أكثر ما ذكر من عناوين. وعرض ابن عبد الهادي كلام من أثنى على ابن تيمية وما جرى له من مناظرات مع ابن المرحل وغيره، ذكرها بنصها وما وقع فيها من نصر لشيخ الإسلام على خصومه. عود على بدء.. رجع المصنف من ثناء العلماء على ابن تيمية وذكرهم العطر لسيرته العطرة إلى ترجمته مرة أخرى وإلى أرض المعركة مع التتار، ففي تلك الأحداث ظهر شيخ الإسلام وبرز دوره وبطولته وشجاعته في الحرب-لاسيما في معركة شقحب- ومواقفه في تحريض البلاد الإسلامية على صد عدوان التتار، وما جرى له من كرامات في هذا. وبعد أن نصر الله الأمة على التتار توجه شيخ الإسلام إلى قتال الكسراونيين وسل سيفه في وجوههم كما حرض السلطان القلاوون على ذلك في رسالته له. والناظر إلى عصر شيخ الإسلام يجده مُكْتَظ بالبدع والشركيات والمخالفات، فناظر شيخنا -عليه رحمات الرب- الأحمدية، وامتُحن بسبب الحموية في مصر وسُجن-رضي الله عنه- وقد ذكر ابن عبد الهادي ذلك مُجملاً ثم مفصلاً، ثم أعقبه بما وقع له من مناظرات في المعتقد وإخراجه من سجنه. لقد كان له في مصر من الأنصار الجمع الغفير، ومكث في مصر مدة لمّا رأى الصالح في ذلك، وبعث برسائل إلى والدته ست النعم -رحمها الله- وإلى أخيه لأمه بدر الدين ذكر نصها ابن عبد الهادي. وظل في مصر يُعلم الناس ويرشدهم إلى السنة حتى شكاه الصوفية وحرضوا عليه وسُجن بالإسكندرية، حتى عاد الملك الناصر وثبت حكمه وسلطانه من جديد بعد هروب الشاشنكير. وفي لقاء الشيخ بالملك الناصر يتجلى بوضوح عفو وكرم الشيخ عن مخالفيه ومن ألحق به الأذى، وكذا عدله وإنصافه مع مخالفيه وذكر المقدسي في ذلك أحداثاً لطيفة. لم تتوقف تحركات أهل الحقد على شيخ الإسلام بعد والتحريض عليه، فقد ناله الأذى من جديد ثم عاد إلى الشام واستقبله أهلها بحفاوة. ➖ رسالة التذكرة والاعتبار والانتصار للإبرار لابن شيخ الحزامين. وجاء فيها دور طلاب شيخ الإسلام ومناصريه في نشر السنة ومحاربة البدعة ، وأورد فيها كلاماً طيباً في الأدب مع الشيخ وإنصافه وعِظم قدره والتأدب معه في الرد عليه.
📍اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية اعتنى ابن عبد الهادي المقدسي كثيراً باختيارات شيخ الإسلام، فقد ذكر في موضع 121 اختياراً فقهياً للشيخ، بينما هنا ذكر 21 اختياراً فحسب، ومنها: القول بقصر الصلاة في كل ما يُسمى سفراً، وأنه لا يشترط الوضوء لسجود التلاوة وغير ذلك. ثم عقد فصلاً في مسألة الحلف بالطلاق وما جرى للشيخ فيها، وكذا مسالة شد الرحال.
هكذا كان شيخ الإسلام رحمه الله حتى في دمشق امتُحن وسُجن حتى توفاه الله، ونُقل مشهد جنازته الطيبة وتعظيم الناس لمكانته حتى إن أهل دمشق كانوا يتبركون بماء غسله -رضي الله عنه- وأخيراً نقل المصنف رحمه الله عدة أجوبة لعلماء بغداد انتصاراً لشيخ الإسلام وختم بالكثير من قصائد مدح ورثاء شيخ الإسلام.
🔸 الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية - الإمام البزار. لا تختلف ترجمة البزار لشيخ الإسلام كثيراً عما ذكره ابن عبد الهادي المقدسي، فلقد جاءت-كما ذكر البزار- بناء على طلب طلاب الشيخ بان يُترجم لشيخ الإسلام لاسيما وقد جالسه وبقى معه مدة. عقد الإمام أربعة عشر فصلاً: الأول: في ذكر منشئه وعمره. الثاني: في غزارة علومه ومصنفاته وسَعة نقله في فتاويه ودروسه. الثالث: في ذكر معرفته بأنواع أجناس المذكور والمقول والمنقول، والمتصور والمفهوم والمنقول. من الرابع إلى العاشر: في ذكر تعبده وورعه وزهده وتواضعه وهيئته ولباسه(لم يذكره ابن عبد الهادي) وبعض كرامته وكرمه. الحادي عشر: في ذكر قوة قلبه وشجاعته. الثاني عشر: في صبره على الشدائد والمِحن. الثالث عشر: في أن الله جعله حجة في عصره معياراً للحق والباطل. الرابع عشر: في وفاته رحمه الله، وكثرة من صلى عليه وشيعه.
✍️ حق لنا أهل السنة أن نفخر بشيخ الإسلام أحمد بن عبد السلام بن تيمية رحمه الله، لقد كانت حياته عبرة وعظة وعلم وجهاد ودعوة وتصنيف وحجج تدمغ الضلال والاهواء، وليس مثلي يتكلم عن شيخ الإسلام ففي الكتاب كفاية ببيان عظم قدره ومكانته. ولطيب سيرة شيخ الإسلام قرأت هذا الكتاب في يوم واحد بفضل من الله لم اتركه إلا لصلاة أو طعام ونحوه، إذ ليس في الكتاب مسائل علمية سوى جزء يسير جاء في مناظرات الشيخ مع الخصوم، وما شعرت أنني شبعت حقاً من الكتاب فقد أثار شغفي لجرد كل ما أُفرد بالتصنيف عن شيخ الإسلام طيب الله ثراه 🌿
أتذكر قول الأخطل الشاعر حين قال: أولئك آبائي فجئني بمثلهم .. إذا جمعتنا يا جرير المجامعُ
حق به لقب شيخ الإسلام .. فأحسب هذا الرجل ممن ينطبق عليه قول رسول الله: " إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها " .. إمام تجتمع فيها العلوم كلها .. العقيدة والفقه والتفسير والحديث أضف إلى ذلك زهده وورعه وتقواه وعفوه عمن أساء له وهو بجانب كل هذا مجاهد ومقاتل يركب الخيل ويمسك السيف ويحارب التتار بل ويشجع المسلمين على الثبات والاستبسال وهو معهم في صفوف الجيش .. ليس كالدراويش المتحذلقين !
يحكي الكتاب عن بعض المواقف من سيرة الإمام ابن تيمية رحمه الله ويركز تركيزا شديدا على مناظراته التي كانت سببا في سجنه -رحمه الله - .. حيث سُجن ابن تيمية مرتين .. وسبحان الله كعادة أهل الحق يتم تزييف كلامه ويكون القاضي في أمره هو نفسه خصمه أمام القضاء .. ويسجن ظلما ..ومع ذلك يصبر رحمه الله .. بل ربما يظهر من كلامه أنه يعتبر هذا من نعم الله عليه ! .. فيقول: " سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة". فكل هذا من قدر الله، والله تعالى لا يقدر إلا الخير ..
ابن تيمية رحمه الله لم يكن بهذا الشكل نتيجة أزمة مثلا تعرض لها أو موقف تعلم منه .. بل هو كذلك من صغره .. حتى أن أحد العلماء قال عنه وهو مازال صبيا أنه سيكون لهذا الصبي شأن عظيم .. سبحان الله .. أصبح هذا الصبي له كتب ومؤلفات يصعب حصرها لكثرة عددها وتنوع موضوعاتها .. أصبحت كتب وفكر هذا الرجل محل للدراسات العليا ورسائل الماجيستير حتى اليوم .. بل ويُدرس ويُدرس في أكبر جامعات العالم أيضا .. فمن سجنوه حتى مات لم يلبثوا أن ماتوا هم أيضا .. فلا أحد يخلد في هذه الدنيا.. ولكن هم ماتوا ومات ذكرهم .. وبقى ابن تيمية حتى اليوم وبقيت كتبه وأفكاره حتى اليوم .. فإن الله إذا شاء لأمر أن ينتشر فلن يستطيع أن يحجبه ظل.
مما لابد علمه أن الكتاب يناقش قضايا عقدية وفقهية متخصصة .. فلا بد من أن يكون القارئ على دراية ببعض الشيء في علم العقيدة وعلم الفقه .. فأحيانا المؤلف يضع مناظرات كاملة بين ابن تيمية ومخالفيه .. وربما لو كنت على غير علم بهذه الموضوعات لأصبحت تائها لا تدري من يقول ماذا! ..
كما أن الكتاب مليء بالاستطراد والإطالة .. قد تعتبر هذا عيبا في الكتاب وتمل منه وأنت تقرأ، ولكن يمكن أيضا أن تتقبل هذا بل وتعتبره ميزة إذا عرفت أن سمة الكتابة في هذا العصر عموما كانت بهذا الشكل والأسلوب.
بعض اقتباسات من الكتاب:
- كان -رحمه الله- لا تكاد نفسه تشبع من العلم، ولا تروَى من المطالعة، ولا تمل من الاشتغال، ولا تكلُّ عن البحث، وقلَّ أن يدخل في علم من العلوم من باب من أبوابه إلا ويُفتح له من ذلك الباب أبواب، ويستدرك مستدركات في ذلك العلم على حُذَّاق أهله، معضودة بالكتاب والسنة.
- كان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا في مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك.
- قال وهو مسجون بالقلعة: " فتح الله عليَّ في هذا الحصن من معاني القرآن وأصول العلم بأشياء مات كثير من العلماء يتمنَّونها، وندمتُ على تضييع أكثر وقتي في غير معاني القرآن".
الكتاب فيه بعض مقدمات كتب ابن تيمية ( المقدمة كاملة ) ورسائله وفصول من مجموع الفتاوى وكتبه الأخرى . فاذا كنت متحمس لتقرأ بعضًا من سيرته او مناقبه بالمعنى الحرفي فهذا الكتاب ليس هو الكتاب المنشود .
هذا الكِتاب يتحدث عن عظيم من عُظماء زمانه ، شهد لهُ أهل زمانه حتى قيل فيه : "صُنع على عين الله" ، و قيل أيضًا : "ما حسبت أن الله يبقى يخلُق مثله في هذا الزمان" ، كتاب يُعلمك من هو شيخ الإسلام ابن تيمية ولماذا ذاع خبرهُ في أقطار الارض ، كتاب ممتع جدًا يتحدث عن رجل لم يكن له في زمانه مثيل ، وكيف كانت نشأتهُ وحياته ، فيه من أعاجيب قدرة الله ، و حُسن ما جُبل عليه ابن تيمية رحمه الله ، تطرُق الكاتِب للتفاصيل صنع لنا قدوة يُمكن لنا أن نقتدي بها في تفاصيل حياتنا .