يأتي كتاب سليم تماري الجديد الجبل ضد البحر: دراسات في إشكاليات الحداثة الفلسطينية لمؤسسة مواطن في رام الله ليقدم واحدة من أهم دراسات علم الاجتماع الحضري في منطقتنا، على ندرتها. يغوص الكتاب بطريقة رائعة في الجانب النظري، وفي الدراسات العيانية للحالة المنبثقة من مذكرات بعض الشخصيات التاريخية الفلسطينية التي عاشت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين. وخلافاً للطريقة التي عالج بها بعض الباحثين والمفكرين العرب موضوع الحداثة بشكل مجرد ومنمط، الأمر الذي أوقعهم في شرك التعميمات التي تأخذ المجتمع العربي أو الفلسطيني كوحدة دراسية، فإن سليم تماري قام بتحليل الصورة المعقدة والملونة وغير الخطية لدخول الحداثة إلى مجتمعاتنا، موضحاً تفاوت الصورة بين العواصم المتروبولية والمدينة المريّفة والريف الممدّن، والجبل والبحر.
يتألف الكتاب من قطع نصّية مشغولة ببراعة على مستوى الصياغة والتحرير وربما يمكن لي الحديث إلى ابعد من ذلك، على مستوى الإخراج أيضاً. في الفصول الأولى طعّم الكاتب هذه القطع بأقوال فلسطينية مأثورة ومشهورة عند الفلسطيني العادي، وهذا ما أضاف طابعاً جمالياً وخفّة للسرد، حيث اقتربت لغة الكتابة من اللهجة الفلسطينية المحكية، ربما طبيعة الموضوع فرضت عليه ذلك، إلا أنه كان ماهراً ومتميزاً في إضافة هذه الخفّة الإجرائية على النص. هذا التطعيم والبراعة، خفّة تميّز كل قطعة بذاتها، يتلاشى ذلك إلى حد بعيد إذا ما نظرنا إلى القطع مجتمعة في كتاب، فأظن أن انتقال الكاتب من المواضيع كان سريعة ومرتبكاً ربما، وربما افترض كسبباً لذلك حصول الكاتب على مخطوطات ثمينة حول الموضوع الذي يبحثه – ويخطر في بالي هنا سؤال؟ هل حصول الكتاب على المخطوطات هو الذي دعاه لاختيار موضوع البحث؟ أم العكس؟ أي أن الكاتب استطاع الحصول على المخطوطات بعد اختيار موضوع البحث؟- جزء من هذه المخطوطات غير منشورة حسبما يذكر في الهوامش وحتى المنشور منها تمكن من الحصول على نسخته الأصلية – بعضها مكتوب بخط اليد حسبما ينوّه- من خلال اتصاله المباشر بعوائل كتّابها، ربما هذا يفسر شيء من الارتباك الذي ادعي وجوده في تسلسل الأفكار، أي أن الكاتب انحاز للاستفادة من هذه المخطوطات الثمينة بطريقة تفوق خدمتها لموضوع البحث الذي اختاره، وربما أيضاً رصد دخول الحداثة إلى مجتمع ما يفرض بالضرورة هذا الارتباك فما بالك عندما نتحدث عن رصد الحداثة الفلسطينية؟ هذا مجرد انطباع وجداني سريع لي كقارئ حول هذا النص/ الكتاب الجميل. وافترض أن أي قارئ عربي "شامي" بالتحديد سيستشعر حميمة ما خلال قراءته. بكل الأحول شكراً للباحث سليم تماري أو كما يحب أن يطلق على نفسك س.ت