يضيف الدكتور محمد بشير شريم كتابا جديدا إلى كتبه بشكل خاص وإلى المكتبة الوطنية بشكل عام بكتابه ((الثقافة الصحية)) ، وقد اختر العنوان لكتابه دلالة على رؤيا سليمة واستنادا إلى فلسفة جادة نحو مفهوم الصحة. إن وقع الحياة المعاصرة بما فيها من سرعة وتطور أدى إلى أن يتطور الطب العلاجي للمحافظة على صحة الإنسان بوسائل الكنولوجيا الحديثة حيثالنظرةإلى الجسد بأنه آلة يمكن إصلاحها كلما أصابها عطل أو ضرر . إل ا أن الدكتور محمد بشير شريم في كتابه ((الثقافة الصحية)) قد آثر أن يلجأ إلى أن صحة الإنسان هي جزء من صحةالبيئة المحيطة به وأنالصحة هي سلوك إنساني ونظام حياتي. لذلك فقد ارتأى الدكتورشريم أن يؤكد في كتابه هذا بأن الثقافة الصحية تؤدي إلى صحة الإنسان وبيئته ، فهو ينظر إلى صحة الإنسان بأنها بستان من الورود يجب رعايته والاهتمام به بشكل يومي وروتيني وليس كنظام آليات ميكانيكية متحركة. يتطرق الكاتب في نهايته إلى وسائل الاتصال التي يمكن من خلالها أن يتم نشر المعرفة الصحية بأبعادها الإنسانيةوالبيئية والسلوكية بحيث يرتقي المجتمع من حالة المقدرة على علاج الأمراض إلى حالة إدامة الصحة، فهو لا يكتب أو يتحدث عن المرض بقدر ما يكتبويتحدث عن الصحة.
يأخذنا الكتاب إلى موضوع هام يغفل عنه أفراد المجتمعات وخاصةً في العصر الحديث وهو الثقافة الصحية العامة والتعرف على الأمراض وأنواعها، وسلوك البشر تجاهها.
يعرض لنا الكاتب تعدد تطور الصحة على مدار التاريخ ففي المرحلة البدائية كان علاج أي مشكلة صحية متوقِّفًا فقط على مسؤولي الصحة وداخل مكانين فقط: المستشفيات أو العيادات، ولم يكن هناك أي ثقافة صحية إلا عند الكوادر الطبية فقط، ثم جاءت المرحلة الثانية ليكون هناك مشاركون للطبيب في علاج المشاكل الصحية مثل الممرضات، وأيضًا أصبح المُتلقي ليس المريض فقط، بل بعض أفراد المجتمع المُعرَّضين لهذا الخطر، وأيضًا يتلقَّون العلاج من هذه الكوادر الطبية وتنفيذها مع قليل من الإدراك. وكان المسؤول الأوحد في المرحلتين عن الثقافة الصحية وزارة الصحة فقط، ثم تأتي المرحلة الأخيرة الأكثر تطورًا حيث نتج عنها تطور في المجال الصحي وتوسعة في الثقافة الصحية وليس حصرها في الكوادر الصحية فقط أو نشرها عبر وزارة الصحة وحدها، بل انتشرت عبر الإعلام وبين عموم الناس حتى غير المُعرَّضين لخطر الإصابة بالأمراض، فأصبح الإنسان يعي أكثر طرق العدوى والوقاية منها، بل أصبح بإمكانه تخمين تشخيصه من خلال الأعراض التي ظهرت عليه، وأدَّى ذلك إلى تقليل فرص الإصابة بالأمراض والوقاية من الأمراض الوراثية وغيرها بسبب وعي الإنسان والمشاركة في الحفاظ على صحته.
ثم يعرض لنا السلوك وعلاقته بالأمراض البشرية لأن نوعية السلوك البشري هي انعكاس لكل مرض يصيب الإنسان، يعرض لنا تنوع من الأمراض، وكيفية تطور الأمراض مع التطور التكنولوجي، وكيف أن الإنسان هو عامل مشارك أساسي في صناعة الأمراض في التاريخ، كما عرض الثقافة الصحية في الدول المتقدمة والنامية وعلاقته بالصحة الأسرية، وعرض كيفية تعديل السلوك الإنساني كي نحصل على مجتمع واعي بالصحة العامة، ما يجعلنا نستنتج أن الثقافة الصحية واجبة على كل فرد في المجتمع ويجب تهيئة الدولة لها من إعلام ووزارة الصحة والبيئة، والتوعية وتحديد قوانين صارمة ليُبنى مجتمع صحي مُثقف.