"إنما هذه الاسفار كلها قناطر وجسور نعبر عليها الى ذواتنا وانفسنا "
أقطن مدناً و اهجر اخرى ،إلا ان اللهفة هى ذاتها حين التقيها ثانية ،سر مختزن بين طيات الذاكرة ،يتاجج مع كل لقاء.
أينما سافرت اقارن معالم المدن بمدينتى، التبسها بالمدن الجديدة او وهم الذاكرة،او كانه اعتذار من مكان غادرته على عجل ،وضعت اشيائى في حقيبتى ،لكن ملاعب طفولتى وذكريات صباى ووجوه اهلى واصدقائى مازالت هناك.فالمتسلل خلسة لا يودع عادة الاشياء الجميلة القريبة من روحه ،بل يظل مقيدا فيها حتى مماته.
كاتب عراقي ولد في بغداد ودرس فيها، غادر في النصف الثاني من السبعينيات إلى بيروت على أثر الهجمة التي تعرض لها اليسار ثم رحل إلى أثينا، ودرس فيها. حصل على شهادة الماجستير في العلوم السياسية، ويقيم حاليا في لندن أنتج جمال حيدر العديد من الأفلام الوثائقية، وأصدر عددا من الدراسات والترجمات منها : الصيف الأخير 1997 بغداد.. ملامح مدينة في ذاكرة الستينات ـ2002 الغجر.. ذاكرة الاسفار وسيرة العذاب ـ 2008 حكايات مدن بين الهامش والمتن ـ 2013 ريتسوس.. الأعمال الكاملة ـ الجزء الأول ـ 2017
ربما لأنني مهووس بالتعرف على المدن و السفر إليها ، ربما لأن المدن تشبه وجوه البشر و الإنسان يبحث عن وجوه تشبهه ، ربما لأن المدن صناديق أسرار و تجتاحني النشوة عندما أعثر على مفاتيح أسرارها ، ربما لأنني أبحثُ عن منفى .. ربما .. ر بما ... بهذه الاحتمالات أخذ بيدي الأديب العراقي جمال حيدر ليسافر بي في مُدُنه و يوغل بي في أسرارها و ما تخفيه خلف تلال الزمن و أسوار التاريخ من رصيد تاريخي و ثقافي و إنساني و حياتي معاصر . " حكايات مدن بين الهامش و المتن هو عنوان الكتاب " .. ، لكن .. هل هناك فعلًا مدن تقع في الهامش ؟ ، لعلي كنت أظن كذلك أو لعلنا نحن من نضع الهوامش في غير أماكنها ! كنت أظن أن ثراء المدن يعود إلى ما تكتنزه من رصيد تاريخي و حقب زمنية تمتد للجذور في أزمنة العهد القديم و العصور الوسطى . كنت أظن أن وهج المدن يكمن في آثارها و تراثها و ما خلّفه غبار الزمن لنا في زمننا الماثل . لكن جمال حيدر يضيف إلى كل ذلك الإنسان بما هو إنسان . يضيف الإنسان بكدحه و عرقه و همومه و طريقة حياته و تأثيره في المدينة و تأثره بها ، و ابتكاره لأنماط حياتية تساعده على مشاغبة الواقع . الإنسان هو أيقونة الحياة و وجه المدينة المعاصر و روحها المتشبّثة بالبقاء و رمز صمودها أمام معارك الإسمنت و صراع التقنيات الحديثة . يقول جمال حيدر : " المدينة تكتسب جماليتها من ثقافة ساكنيها قبل أن تكتسبها من أشكالها المرئية . إنها مستودع ذكريات الناس التي مرت على عجل و تلك التي تعاود المجيء . "
أستحضر من الكتاب مثالًا لذلك مدينة مومباي التي كنت أظنها على هامش الأرض والحقيقة أنها غنية و ثرية بالإنسان بيومياته و بساطته و ركضه وراء متطلبات عيشه . فالإنسان حين يصارع الحياة و هموم المستقبل فإنه يجر التاريخ إلى زمنه ، و يستعيد ثقافة أسلافه لصناعة تاريخ جديد سيكون مادة إنسانية و سمة حضارية للمستقبل ، و محل تأمل الأجيال المتعاقبة .
ما نظنه هامشيًّا ليس بالضرورة أن يكون كذلك ، بل ربما نحن من نمكث في الهامش إن لم نكن خارج الحياة و خارج التاريخ .
جمال حيدر المنفي عن وطنه الأول بغداد في زمن صدام ليجد في لندن مستقرا ومقاما يخبرنا عن ما رآه في رحلاته لمدن شتى ، يبدأها ببغداد وينهيها بلندن ، الكتاب لا يخلو من متعة وإن كان أسلوب الكاتب إخباري وليس أدبي ، كما لا يبخل علينا جمال بمعلومات كثيرة وشيقة. أيضا كانت له القدرة في إثارة الفضول لأرى كل ما كتب عنه من مبان ومعالم وتماثيل وميادين في صور العم جوجل. فشكرا للسيد جمال على هذا الكتاب اللطيف .