ما افرزته رواية (صراخ النوارس ) من حيث مضمونها وانشائها السردي، كيفية تحول شخصية داخل شخصية، فالابن منذ احساسه بمعاناة ابيه، يستعير احباطاته المتوالدة بسبب الحرب، ثم تتجه نواياه الى فعل ما لم يستطع فعله الاب، فقد كان الروائي ر حذرا جدا في بناء شخصياته الروائية، لأنها في الأغلب عضوية / فاعلة، رغم ان (الشخصيات الروائية تتعدد بتعدد الاهواء والمذاهب والايديولوجيات والثقافات والحضارات والهواجس والطبائع البشرية التي ليس لتنوعها ولا لاختلافها من حدود
حياته ونشأته: ولد في البصرة سنة 1927، نشر أولى محاولاته القصصية في مجلة الأديب اللبنانية في الخمسينات من القرن الماضي، صدرت أولى مجموعاته القصصية (مجرمون طيبون) سنة 1954.
مسيرته: يعد القاص مهدي عيسى الصقر من قصاصي جيل الخمسينات المجدد في العراق فهو إلى جوار عبد الملك نوري وفؤاد التكرلي ومحمود الظاهر ومحمود عبدالوهاب من القاصين الذين تمكنوا من المزج بين الواقعية لتسجيل أحداث اجتماعية مهمة وبين الفنية المعتمدة على المخيلة المحلقة في مناطق شعبية تستمد وعيها من المثيولوجي والغرائبي.
عده الناقد الدكتور علي جواد الطاهر من أحد القاصين المتميزين في الأدب القصصي ولما ظهرت أولى مجموعاته القصصية في عام 1954 بعنوان «غضب المدينة» اسس رؤية نقدية للواقع، باسلوب فني وصف بقربه من أسلوب تشيخوف.
عمل القاص مهدي عيسى الصقر موظفا في شركة نفط البصرة لاكثر من خمس وعشرين سنة وهو المكان الذي مكنه أن يكون أدبه وكتاباته خاضعة لحركة الشارع بتياريه: الموظفون والعمل.. وقد مكنته وظيفته هذه من أن يفهم معاناة عمال النفط ومشكلاتهم فهما طبقياًً. فكان في الخمسينات قريبا من أوضاعهم ومن أفكارهم دفعه ذلك لأن يرتبط بالتيار التقدمي اليساري وشهد على مدى عقود مظاهرات عمال النفط والديكيار والسيكاير والسينالكو والموانئ العراقية فاستبطن تلك الأحداث لاحقا في نتاجه. وهو من القاصين القلائل الذين بقوا ملتزمين بالتيار الواقعي في القصة. لإيمانهم أن الواقعية غينة بالدلالات.
مسيرته الأدبية و في أواسط السبعينات بدأ ينشر قصصا في مجلات عربية وعراقية من قصصه المتميزة «زيارة السيدة العجوز». والتي حملت عنوان مجموعته القصصية الثانية هي مجموعة قصصية وقف فيها على تنوع التيار الواقعي مع الكثير من البنية الشعرية الهادئة في النص. في بغداد وجد أن الظروف المغايرة لجو البصرة تمكنه من ان يعيد نشاطه القصصي ولكن بأسلوبية جديدة فقد زاد في نصة تغريب الواقع، والبحث عن أفق حداثي في الموضوع الواقعي والعودة إلى تاريخية الحدث وإلى التعامل الحذر والدقيق مع المكان وهو ما ميز تيارا في القصة التي يمكن أن تقرأ من خلالها بعض ما حدث في المجتمع العراقي. وداب في هذه الفترة على كتابة تخطيطات أولية لمشاريع قصص قصيرة وروايات، هنا بدأ الفن يضغط عليه بعدما كانت المخيلة. ولكنه لم يكن مستعدا أن يغامر بالنشر في فترة ملتبسة. يكتسب الحديث عن القاص مهدي عيسى الصقر جوانب مهمة من حياة الثقافة العراقية الحديثة. فهو من جنوب العراق ويعني ذلك كما انعكس في قصصة ورواياته أن البيئة الجنوبية كانت حاملة لنوى التحديث في الشعر وفي الفن المسرحي والقصصي. كما هي حاملة في الوقت نفسه لكل أقدام المحتلين الأجانب من فرس ومغول وإنكليز. ولذا كانت هذه البيئة وما تزال عرضة للتغيير الديموغرافي والجغرافي. ولا نعدم القول إذا قلنا أن البصرة وبقية المدن العراقية الجنوبية والشمالية قد تعرضت على يد حكام العراق ما يوازي ما تعرضت له على يد المحتلين. ضمن هذا المناخ المستمر منذ الحرب العالمية الأولى وحتى اليوم تتعايش الثقافات في مدينة البصرة وتتداخل التجارب. فهي مدينة ميناء ونفط ونخيل كما تجد فيها تجانسا غريبا لأقوام من مختلف شعوب العالم، فالمدن الميناء ذات طبيعة عالمية وأن حملت اسما محليا وتراثا عربيا. فهي كغيرها من موانئ العالم.
في هذا الجو وجد القاص مهدي عيس الصقر كما وجد كتاب آخرون: السياب وسعدي يوسف والبريكان ومحمود عبد الوهاب ويعرب السعيدي ومحمد خضير وعشرات من أدباء العراق الأرضية التي تنمو فيها المتناقضات وتتضح فيها خيوط السرد المختلفة المشارب. وقد مهدت هذه البيئة للقاص مهدي عيسى الصقر أن يجد في معسكرات الشعيبة وفي محلات البصرة القديمة مكانا وثيمة يستل منها قصصه وأحداثه. لعل روايته القصيرة الشاهدة والزنجي خير دليل على هذا التزاوج بين سكان المدينة وأحداثها. بانتقال القاص مهدي عيسى الصقر إلى بغداد في أوائل السبعينات رغم أنه بقي صامتا لم يلتق بأحد لفترة طويلة إلا أنه كان ينتج وفي أواسط الثمانينات بدأ ينشر قصصه القصيرة في مجلة الأقلام العراقية والآداب البيروتية. وفي هذه الفترة بدأ يكتب روايته القصيرة الشاهدة والزنجي وهي باكورة نشاط استمر لعشر سنوات وعندما ظهرت في أواسط الثمانينات تعامل النقد العراقي معها تعاملا جادا.
وهي رواية تتحدث عن المدينة المحتلة من قبل الأجنبي وكيف يولد هذا الاحتلال خللا في العلاقات بين الناس تصل إلى حد الزنى والقتل للأجنبي فمن خلال امرأة شعبية تدفهعا الظروف لممارسة الجنس في البساتين يكشف عن بقعة غنية بالدلالة عندما تكون المرأة رمزا لمدينة محتلة من قبل الأنكليز. ومن داخل هذه البنية السياسية يطل مهدي عيسى الصقر على واقع المجتمع العراقي في الأربعينات فيكشف فيه عن تركيبة اجتماعية تعتمد على ثيمة التجاور بين سكنة ا
" الحياةُ يا جماعة، مثلُ رحلةٍ على ظهر سفينة مثقوبة "
لا يتألق الإنسان أبداً حينما يتقلب في عالمٍ من الشك ، حين يتحول الشك ذاته إلى حالة من الإنتشاء الأزلي للأشياء فيحول الإنسان إلى مجرد ركام تعبث به رياح الأيام، هذه الرواية تحكي قصة فتى قد طاله أدهى أنواع الشك التي تخدش بإظافرها كل معاني الحياة، التي تحول الحياة إلى بوتقة من الحب والكراهية والإنتقام، إختلاط المشاعر هنا في أبشع صورها وأكثرها إغرائاً وإثارة للسخرية والعذاب في الوقت نفسه...
تمسك الفتى بالحياة لا لأجل الانتقام وحسب، بل لأجل أن يرفع صخرة الوجع عن روحه ،لأجل أن يغطي بتلك الصخرة نفسها جميع مداخل الألم التي ماكانت لتتوقف حتى في أهدء لحضات حياته..
كان الشيطان يخاطبه فـ يقول له أنت لا تفهم كثيراً من الدنيا، لأنك لم تخالط الناس .. نفسه الشيطان الواقف على قديمين المتسبب في تصدع روحه، في تهشيمه إلى أشلاء متناثرة في دروب الحياة.. لقد أراد الشيطان أنه يمنحه الفرصة الأخيرة لأقتلاع نفسه - وبقلب محطم - من جبهات تلك الحياة المتناثرة..
لا يُعد شئ أسوء في هذا الوجود من إتخاد الشيطان وجه الملاك الرحيم..
رواية بشعة، صادمة مرهقة للنفس كئيبة التصاوير والأوراق ،تراجيديا مزدوجة في رداء ساخر .. تغور في أعماق شرور النفس البشرية، في فلسفتها التافهة نحو مفهوم الحياة في جرمها في عنفها الوجودي تجاه الضمير، في شهوتها القذرة حين تستدرج الإنسان إلى الشعور بقيمة نفسه في تلك الحفرة المدنسة..
قلم. عراقي روائي متميز، سرد ممتع شجين ذائب في عتمة الحزن، لغة راقية حساسة تجذب إنتابه القارئ منذ البداية.. قرائتي الأولى لهذا الكاتب المبدع ولن تكون الأخيرة، أؤكد ذلك لنفسي..
ويفقد الموت وقاره ، تنتصر عليه إمرأه فاتنة لعوب ، لا تكترث لشيء غير متعتها
لم أعرف تعبيراً أجمل ولا أدق لوصف تلك الصرخات التي تند عن ألم الروح من هذا التشبيه "صراخ النوارس"
لكن الزمن يمحو الالتباس ، ويعري الحقائق "
تلك الآهات التي اخذت تتكوم في دواخل النفس يوماً بعد يوم ، ووجعاً فوق وجع لتتعاظم بمرور السنين من هضاب وتلال إلى جبال شاهقة ، وفي لحظة الحقيقة نكتشف ان تلك الحبال لم تكن الا براكين اخذت محتقنة بحمم الحقد ، الكراهية ، النفور ، الغضب " إنني اسأل نفسي حائراً ، أحياناً ، ترى لماذا يسعى الواحد منّا إلى تعذيب نفسه بنفسه ، كأنه يستطيب الألم !؟"
لطالما كانت الملامح الجامدة الخالية من التعبير اكثر ذكاءً وقوة ، أن تكون قادراً على التحكم في أعصابك بدقة ومهارة
" في حين افكر أنا أن من نِعَم الدنيا علينا أنّ الآخرين ليس بوسعهم - مهما اطالوا التحديق إلى خلجات عيوننا ، ومهما حالت نظراتهم على صفحات وجوهنا (المحايدة والودودة في الكثير من الأحيان) - ان يكتشفوا حقيقة مشاعرنا نحوهم "
لهذا الكاتب لغة عذبة وأسلوب مميز مشوق رغم انها اتخذت وتيرة واحدة هادئة طيلة الوقت لكنها استحوذت بنجاح على كل ذرة من عقلي ومشاعري ، ولم تتركني حتى بعد أن أنهيت قرائتها ، كما احببت جداً تلك الأسئلة الصغيرة ذات الإجابات المفتوحة رغم بداهتها
القراءة الثانية لمهدي أثبتت لي أنه من المبدعين القابعين في الظل ، فروائي يكتب بهذه اللغة الجميلة بينما يغوص في أشد الأعماق البشرية حُلكة ، ويقدم على طبق روائي جذاب أصناف شتى من دناءة الحياة وخبث البشر و أنت تلتهم كل ذلك بشهية قراءة مفتوحة حتى تفرغ تماماً من الكتاب ، ويجعلك تجلس في الأخير فارغاً فاهك تحاول استيعاب ما قرأت ... ، هذا الروائي يستحق أن يلمع اسمه أكثر بكثير مما يفعل حقيقة ، هذا الإسم يستحق أن يوضع على الواجهة حين يدور الحديث عن الأدب العراقي .
كم يتغير الإنسان حين يستثار الحيوان داخله وتستفيق الغرائز !!
لطالما أحببت مراقبة النوارس بالصباحات الباردة ، تراها تُحلق في السماء تفرد جناحيها على إتساعهما كما لو إنها تعانق السماء ، بإندفاع صارخ ترتطم بسطح الماء كما لو أنها تختطف شيئاً ما قبل أن يطمره البحر بداخله ، فتتناثر المياه تلتمع براقة سابحة في الهواء لتعاود طريقها ثانية إلى البحر ... تثير افتتانك ولكن يغالبك صمتاً سرعان ما يتحد مع الصمت المهيب الذي يهيمن على المشهد... وفجاة يداهمك صراخ النوارس ليشق السكون ويمزق الصمت ...صوتها حاداً موحشاً يراودك الشك في إنه ينتمي إليها حقاً...يثير مخاوفي ويصرفني عن ملاحقتها بناظري.. هنا كان لابد من صراخ كصراخ النوارس ليطلق سراح سجين لهواجس لعينة تكاد تفتك به ، أن ينعتق من الظل الجاثم لكابوس مروع لا يفارقه ، وكان لابد من أن تفرغ الردهات المكدسة بالذكريات الموجعة... "" أنت ما تزال صغيراً يا بني ، لذلك دع قلبك نقياُ ، من أجل أن تنعم بشيء من الراحة مع نفسك ..مع نفسك ، سوف تتعذب بالطبع فيما بعد ولكن لكل شيء ثمناً يا ولدي..."""
- تخلّف الحروب الكثير من الضحايا والمهجّرين والمفقودين وجرحى الحرب، واذا كان اغلب الظنّ ان انتهائها هو مؤشر لوقف الدمّ واعادة عجلة الحياة للدوران وان الصعب قد بات في المرآة الخلفية إلا ان الواقع يخالف هذا الظنّ.
- صراخ النوارس لمهدي عيسى الصقر، رواية قصيرة لرائد القصة الواقعية العراقية في الخمسينات من القرن الماضي، رواية عما بعد الحرب، عن المآسي التي تولدّت خلالها وبقيت بعدها، عن الغدر والخيانة والوجع والقهر والحقد والإنتقام.
- الرواية مروية على لسان "الإبن" هو شخصية وجهة النظر، والأسلوب يعتمد على تداخل فترتين زمنيتين يفصلهما 11 سنة بالتواتر، تخلله الكثير من الشرح بين الأقواس لتبيان فرق الإدراك بين الراوي في الثالثة عشرة من عمره والراوي في عامه الرابع والعشرين.
- لم يستعمل الكاتب أسماء لشخصياته، بل تركها مجردة (الأب، الأم، العم،...)، هذا التجريد نستطيع فهمه بأن القصة تنطبق على الكثيرين وقد نستطيع تأويله في رمزية القصة. اللغة كانت سلسة وعذبة تخللها بعض الكلام باللهجة العامية العراقية المحببة.
- غاص الكاتب في أعماق نفسية الراوي بشكل خاص، وترك شذرات للقارئ عن الشخصيات الأخرى، واستطاع بإقتدار وصف المشاعر التي اعترت المراهق وخيانة اللغة له في التعبير عمّا يريد، وصيرورته الداخلية حتى نهاية القصة بتلك الطريقة.
- قصة مؤلمة وموجعة، ستجعلك تتسآل في الكثير من الأحيان لماذا يحصل هذا، او لماذا لا يتوقف هذا الأمر او ذاك، او لماذا يسير هذا الموضوع بهذه الطريقة، وبالتأكيد ستسأل مع نهاية القصة من والد من؟
يفقد الموت وقاره؛ تنتصر عليه امرأة فاتنة لعوب، لا تكترث لشيء غير متعتها
- " يا ولدي كم يتغير الانسان حين يستثار الحيوان في داخله. وتستفيق الغرائز! كم يتغير! " - " أبي لا يحمل معه ساعة ابدا. يقول أنه ليس بحاجة الى آلة تخبره بأن الزمن يفر منا. " - " أين ذهب الجمال الذي بهرني بروعته، أول مرة زرت فيها هذا المكان، وأنا صبي، أرنو الى الدنيا بعين متفائلة!؟ الله كم يتغير الخارج حين يتغير الداخل! كم يتغير حين يصيب العطب دواخلنا! " - " الحياة مثل رحلة على ظهر سفينة مثقوبة. "
كل هذا الحقد لهذه السنوات ... رواية تجعلك تتعاطف مع جميع شخوصها وتسال نفسك واهما ..لعل هذا الصبي فعلا يظن السوء بعمه لا اكثر؟! لا قوة اقوى من الغرائز حين تجد المبرر لتتحقق...
هي رواية بسيطة وهادئة، وتشعر طول الوقت بانك علي دراية بالأحداث من قبل، بل وقد تتذكر اكثر من عمل ادبي او سينمائي تناول هذا الموضوع سابقا. الا ان اللغة العربية في صراخ النوارس ممتازة وتجذب ذهن القارئ الي ملاحقه كلماتها وتفصيلاتها... وهذا ما يجعلها مميزة 👌