الواقعية السحرية بحر واسع خياله لا حدود له، أبحرت بقاربي في إحدى روايات الواقعية السحرية الغريبة والمثيرة للدهشة "كيد النسا" للكاتب "خيري عبد الجواد"، بدأت الرواية بكل واقعية اجتماعية في إحدى الأحياء الشعبية الفقيرة في بولاق الدكرور، سيدة مات زوجها وترك لها ابن ثماني سنوات وثلاث بنات، وكان عاملا في السكة الحديد ومعاشه سترهم من أهوال الحياة، حفني الابن الأكبر النقاش الذي يساعد بعمله في تربية بديعة وفهيمة وصديقة أخواته البنات. عاشوا في بيت فقير من طابق واحد من غرفتين صغيرتين و"عفشة مياة".
تعرض الرواية لنا حياة شعبية للغاية، والتراث الصوفي في مصر، والمعتقدات الصوفية الشائعة بين العامة الفقيرة، حتى انتهى إلى أنها بقايا معتقدات المصريين عن الآلهة في مصر الفرعونية، حيث نجد أضرحة الأولياء أصحاب الكرامات في كل محافظات مصر وهى بقايا أجزاء أوزوريس التي قطعت ووزعت في جميع أرجاء مصر.
تبدأ بواقعية محضة ثم تنزل مع الأموات عالمهم وتطير مع أهل السماء وتغوص في أعماق السحر وتنظر في عالم الملكوت، والأغرب أن الكاتب جعل نفسه جزء من الاحداث وكيف كانت البطلة بديعة مرت على أسرتهم ومكثت في بيتهم فترة، يتحدث عن الشخصيات ومع الشخصيات ويسكن في نفس الحي بولاق الدكرور ويعيش معهم في هذه الشوارع والحارات الضيقة، وكأنها دراسة اجتماعية تراثية شعبية مع ربطها بالأحداث السياسة والاقتصادية في مصر في ذلك الوقت، من حرب أكتوبر ١٩٧٣، ونكسة يونيو ١٩٦٧، حتى أن بديعة تنبأت بزلزال ١٩٩٢ وما فعله في مصر فقد كان لها كرامات وأحلام.
الراوي الذي هو كاتب الرواية خيري عبد الجواد- تتكون من أربعة أقسام: ١.القسم الأول: ١.بديعة ٢.نور ٣.منامات نور ٤.حفني ٥.أم حفني ٢.القسم الثاني: ١.فتحية ٢.فتحية ٣.بديعة ٤.حرب السحرة ٥.أولاد صديقة ٣.القسم الثالث: مقسم إلى ستة أجزاء. ٤.القسم الرابع: ١.حفني ٢.بديعة ٣.بديعة ٤.صفاء ثم الأجزاء من خمسة إلى تسعة بدون أسماء.
يبدأ الراوي الحديث عن بديعة التي تدور حولها الأحداث هى وزوجها فيما بعد، فقد أحبته ورسخ في قلبها مذ رأته فأرادت أن توقع به ليحبها ويتزوجها فمارست عليه أنواع السحر التي تعلمتها من شياطين الأنس، وبدأت رحلة البحث عن "أتر" نور الذي أحبته، واستأجرت من يؤدي هذه المهمة وفشلوا فنفذتها بنفسها ونجحت، حيث يبدأ الرواية ويقول: "تحايلت بديعة على ملائكة روحها الخيرة ،واختارت بإرادتها الحرة مصاحبة هاروت وماروت ملاكا السحر. تعلمت فنونه السوداء على ايدى شياطين الأنس وأرادت تجريب ما تعلمته فى بنى ادم فاختارت الشاب الذى سوف يصبح زوجها وأبو ابنتها الوحيدة فتحية."
نصف القصة الأول نجد أن بديعة وزوجها نور الدين كانت شخصيات سيئة وتفعل الشرور، فمثلا بديعة تسرق وتعدي على أمها، ونور كان "بلطجيا"، ولكن قدرة الله تتجلى وتفوز قوى الخير في النهاية، حيث يشاء الله أن يهتديا وتبيض قلوبهم، حتى يصبح نور الدين في النهاية ولي من أولياء الله الصالحين، قبل موته تاب إلى الله ولم تفارق المسبحة يده ولا يترك فرضا، وبديعة بعد موته حزنت بشدة وتحولت شخصيتها إلى الخير والإيمان، وزارها نور الدين مرات كثيرة في نومها يحدثها ويطلب منها ما يريد وهى تنفذ بكل إخلاص ووفاء ورفضت أن تتزوج من بعده، فعاشت حياتها لابنتها فتحية، التي وقعت في حب رمضان وتعلمت السحر من أمها بل وزادت عليها وتفوقت، ففعلت مثلما فعلت أمها في الماضي ووضعت محبتها قي قلب رمضان والنفور من خطيبته حتى تزوجا.
تمتلئ الرواية بالقصص الغريبة، بعضها مسحور وبه تعاليم السحر الأسود، ومن سُخِط قردا وتحوله حبيبته إلى إنسان وقتما تريد وتعيده قردا حتى لا يكتشف زوجها الساحر الشرير أنها تقاومه، إلا أنها أنجبت قردا في النهاية. وحكاية الكشكول الأخضر الذي تركه نور الدين عن مناماته التي غيرت حياته وحياة زوجته بعد موته التي لم تترك شيئا إلا وفعلته حتى تجعل الدولة تبني ضريحا لسيدنا الولى الصالح نور الدين، ليأتي الناس لزيارته من كل مكان ويتبركون به. نسير مع العائلة حتى تزوج الأبناء وجاء الأحفاد وانقلب الحال رأسا على عقب وتحول الكل إلى نقيض شخصيته. وأغربها حكاية بديعة التي أخرجت جثة زوجها بعد خمس وعشرين سنة من قبره لتنقله لضريح باسمه وعليه قبة خضراء، ستفاجئ وأنت تقرأ أن جثة نور الدين لم تتحلل وبقيت كما هى بندى ماء تغسيله عند وفاته، وهذا من كراماته.
إلا أن اسم الرواية "كيد النسا" جاءت بسبب حرب السحرة من النساء حول رمضان الذي كان خطيب إحداهن إلا أن فتحية أحبته وجلبته هى وأمها بسحرهما، فلم تسكت خطيبته وأمها ودافعا عن رمضان لجلبة مة أخرى بالسحر ونتجت عن الحرب إصابات ووفيات أيضا حتى توقفا عند زيادة الخسائر.
استلهم الكاتب من حكايات ألف ليلة وليلة الكثير من الأحداث أو العجائبية ذاتها وعالم الجن والتعاويذ والسحر والأشعار التي وردت فيها، حيث كان يسمع العوام ألف ليلة وليلة بنسختها المسموعة في الراديو في إذاعة البرنامج الثقافي، فنجد أن العامة تحفظ الأشعار التي سمعتها بصوت "زوزو نبيل" في الإذاعة.
كل هذه الأحداث الشيقة في مائة وأربع وثمانين صفحة فقط، رحلة تنقلك من زمانك ومكانك إلى عالم آخر. وهكذا رأينا كيف بدأنا من الواقع وانتقلنا إلى عالم السحر.
إلا أن المأخذ على الرواية بعض الألفاظ الخارجة التي استخدمها الكاتب من البيئة الشعبية والتي لا يصح أن تذكر في عمل أدبي مهما أراد الراوي أن ينقلنا إلى البيئة التي دارت فيها الأحداث.