هذا الكتاب يقع في قسمين ، القسم الأول هو تقديم بين يدي الرواية للأستاذ معتز شكري ، أما القسم الثاني هو دراسة نقدية لرواية أولاد حارتنا للدكتور محمد يحي ، في الحقيقة عندما كنت أسمع ثناء الأدباء على هذه الرواية كنت أتعجب لسببن : الأول : أن هذه الرواية من الناحية الأدبية ليست هى أفضل أعماله . الثاني : أن الفكرة الفلسفية والرمزية التى تتقاطع مع الثوابت الدينية واضحة كالشمس . إذن لابد أن يكون هناك سبب لهذا الاحتفاء بهذه الرواية ، للإجابة عن سؤال من تلك النوعية لابد للنظر إلى نوعية من يحتفون بها وتوجهاتهم الفكرية ، لتجد أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين خلفياتهم الفكرية والفكرة الفلسفية التي تدور حولها الرواية .
في القسم الأول من الكتاب يحاول الأستاذ معتز شكري فك شفرة الرواية فمن هو الجبلاوي ؟ من هو أدهم ؟ من هو رفاعه ؟ من هو قاسم ؟ وغيرهم ، لتجد أن الإشارات واضحة جداً فالجبلاوي يشير لله عز وجل ، ورفاعة لموسى عليه السلام ، وقاسم للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فالقصة تتكلم عن موت الإله ( الجبلاوي) ووراثة العلم ( عرفه) له ، وقد أشار المؤلف إلى أن حيثيات منح محفوظ جائزة نوبل جاءت على لسان سكرتير لجنة الجائزة في غضون إطرائه على الرواية ،والتى وصفها بأنها تتحدث عن موت الإله .
إذن فكرة موت الإله ووراثة العلم له التى سيطرت على الرواية هى الفكرة الأساسية لها في قالب رمزي ، وهناك يظهر سؤلان : من أين جاءت تلك الفكرة لمحفوظ ؟ هل ظهرت تلك الفكرة متأخرة عنده في أولاد حارتنا فقط ؟ .
للإجابة على السؤال الأول لابد أن نقرأ الفقرة التي خصصها الكاتب للحديث عن أثر سلامة موسى الملحد في تكوين محفوظ الفكري ، فينقل الكاتب عن حوار أجري مع نجيب محفوظ عن دور سلامة موسى في تكوينة الفكري ، ليجيب محفوظ أنه كان له دور كبير في توجيهه الفكري حيث وجهه إلى العلم والإشتراكية . ا[لعلم عند سلامة موسى الملحد ومن ثم عند محفوظ هو الماركسية العلمانية ].
أما للإجابة عن السؤال الثاني ، فيوضح الكاتب أن هذه الفكرة أخذت تنضج في روايات محفوظ حتى استوى سوقها في أولاد حارتنا ، كما في قصة الطريق التى جعل بطلها يبحث عن أبيه طوال الرواية كدلاله عن الإله إلى أن يكتشف أنه لا سبيل إليه، و من ذلك مثلاً القصة القصيرة ( الزعبلاوي ) التى هى بمثابة رؤية تفسيرية لشخصية الجبلاوي في أولاد حارتنا ، وزعبلاوى عند محفوظ هو نفسه الجبلاوي في أولاد حارتنا وكلاهما رمز للإله الذي اعتبره محفوظ وهم ، فالبطل يبحث عن زعبلاوى طوال الرواية ولا يجده ، تماماً مثل بطل روايته الطريق .
القسم الثاني من الكتاب يطرح رؤية دكتور محمد يحي مدرس الأدب الإنجليزي بجامعة القاهرة ، وهى رؤية نقدية ، أسجل منها اعتباره أن الأفق الثقافي الذي استقبل الرواية أهدر قيمتها الأدبية مقابل الرؤية الأيدولوجية العلمانية المسيطرة على الساحة ، ومن هنا ضاع الجانب الأدبي ليس فقط عند تلك النخبة المأدلجة ، بل عند نجيب محفوظ نفسه ، فيسجل هنا الدكتور محمد يحي أن اهتمام محفوظ بالتشفير والترميز لقصص الأنبياء في شكل حكاوي الحارة أضاع منه ما سماه بالتجويد الأدبي ، لذلك أغفلت لجنة نوبل الجانب الأدبي مقابل الجانب الفلسفي ، مع أنه من المفترض أن هذه الجائزة تمنح لإعتبارات أدبية وليست فلسفية .
بناء على ما سبق يرى الكاتب أن أولاد حارتنا كانت عارية من النسيج و تطوير الشخصيات إلى حد يصعب معه وصفها برواية إذا قورنت بالثلاثية مثلاً ، لأن الثلاثية وإن كانت تلقى بنفس الفكرة الفلسفية من خلال شخصية كمال عن وراثة العلم الماركسي للدين ، إلا أنها أعمق أثراً في رسم الشخصيات ، بينما أهمل محفوظ ملء خلفيات الأحداث أو توظيف عناصر الوصف في أولاد حارتنا لأنه كان معنياً في المقام الأول بالفكرة الفلسفية .
الخلاصة هنا في هذا القسم الثاني من الكتاب أن معايير إعطاء الجائزة أو الاحتفاء بالرواية لم تكن معايير أدبية بحال ، وأن الفكرة الفلسفية الإلحادية عن موت الإله ووراثة العلم له كانت سبباً لرواج الرواية عند الماركسيين والعلمانيين .
الكتاب هام جداً وبه فوائد تحليلية في منتهى الأهمية لهذه الرواية .