سيلاحظ القارئ لفصول الكتاب, بأن الإتجاه السائد اليوم نحو "تخريب تراث الأمة", وتزويره, وتشويه صورته, ليس مجرد مجهودات فردية موتورة, يدفعها التعصب الأيديولوجي, أو الحصام السياسي لظاهرة الصحوة الإسلامية الجديدة, وإنما هو اتجاه منظم, ويسير وفق خطط مرسومة بدقة, ومن جهات ظاهرها التناقض والتضاد, وباطنها التنسيق والتكامل, في عدائها لتراث الأمة.
وسيلاحظ القارئ أن التخطيط في "الغارة" الجديد على التراث الإسلامي لم يعد مقتصراً على الجهود الفردية المباشرة, وإنما تجاوز ذلك إلى دخول مؤسسات ومنظمات مسؤولة, بعضها ذو طابع قومي, مما يعني أن الوتيرة التي يسير بها جهد الهدم والتخريب لم تكن كافية ولا منجزة للهدف المطلوب, مما استدعى دخول المؤسسات الرسمية والقومية بثقلها إلى قلب الميدان.
أما عن سبب هذه المغارة الجديدة على التراث, ومبررات ذلك الحلف الفكري المشبوه بين أقصى اليسار وأقصى اليمين في حربهم لتراث الإسلام, فهذا ما يتركه المؤلف لفصول هذا الكتاب
الكتاب عبارة عن فصل من فصول الصراع الإسلامي العلماني المعاصر، ساحة الحرب فيه هي التراث والنصوص. فعلى الجانب الإسلامي نجد الدعوة إلى الانطلاق من التراث، والاعتماد عليه، والاستفادة من تجارب الماضي الطويلة لبناء الحاصر على ضوئه، لا سيما وأن من التراث ما هو واجب الاتباع: الكتاب والسنة. وعلى الجانب العلماني نجد الاستهانة بالتراث، وتعمد تشويهه، والتخويف منه، والدعوة إلى الاستفادة المبتسرة منه، مع الإصرار على قراءته بعين أجنبية، وافتراض إشكالات إنما هي مخلفات حضارات أخرى غير حضارة الإسلام. يتناول المؤلف في هذا الكتاب عبر فصوله المتعددة أشكالًا من الغارات التي يشنها عرب من بني جلدتنا على التراث الإسلامي، موضحا الخلل عند كثير منهم في التعاطي مع هذه المسألة البالغة الحساسية والخطورة، والذي يكشف سوء نيات بعضهم، وفساد المنهج العلمي عند آخرين، واجتماع الأمرين عند طائفة غير قليلة، مع دعم رسمي يثير الشكوك ويطرح الأسئلة عن الأشخاص الحقيقيين المستفيدين من هذه الهجمة على التراث، الذي لا يمكن لأمة أن تنهض إلا اعتمادًا عليه.