كانت الدولة اللبنانية دوماً هي الضامن الأساسي لإنتاج الطوائف سياسياً وضبط نزعاتها. وهكذا بقي الخلل يضرب في الكيان اللبناني، يتعمق مع الزمن ويتحول إلى فجوات تسربت من خلالها هبّات التفجير التي عصفت بالوطن أكثر من مرة وآخرها الحرب الأهلية (1975 ـ 1990). وسيستمر ذلك إذا بقيت الطائفية الركيزة الأولى والأهم في بنية النظام اللبناني. ومن جهة ثانية فإن هذا الوضع الطائفي جعل عملية التوجيه القومي والتربية الوطنية في تبلبل بعد أن تخرّجت أجيال من اللبنانيين متباينة الأفكار والمذاهب، متباينة المثل والأهداف تختلف في نظرتها إلى ماضي بلادها، كما تختلف في نظرتها إلى حاضرها ومستقبلها. فتكوّن من ذلك مجتمع متنافر الأجزاء يعيش أفراده منكمشين على أنفسهم ضمن تقوقعات طائفية، أو أنانية فردية لا تبالي بمصلحة عامة ولا مصير مشترك. كما نشأ عن هذا الواقع التوجهي تباين في نظرة اللبنانيين إلى مصالحهم المشتركة ومصيرهم المحتوم، وإلى أوضاعهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية التي تتوقف عليها حياتهم
- كتاب جيّد من ناحية البحث السريع الموثّق يستعرض تاريخ الطائفية في لبنان منذ ايام الصليبيين والمماليك مروراً بالعثمانيين وصولاً الى مرحلة الإنتداب ومن ثم خلال المرحلة التي تلت الإستقلال واوصلت البلاد الى الحرب الأهلية ويختتم الباحث كتابه بإتفاق الطائف الذي انهى الحرب الأهلية في اواخر 1989.
- الكتاب يحتوي على الكثير من الافكار والأحداث التاريخية، ركّز الباحث على فكرة تكوّن الطائفية في جبل لبنان اولاً وكيف تطوّرت وما أدّت اليه من حروب لاحقاً
- كنت اتوقّع ان ارى استشهادات للكاتب بالمفكرين العلمانيين الذي اغنوا الفكر اللبناني والعربي بآرائهم وبطرح الحلول لإلغاء الطائفية منذ 1932 لكنه اقتصر في استشهاداته على بعض السياسيين!! كما لاحظت الغياب التام لذكر دور بعض المؤسسات الدينية التي رفدت (ولا زالت ترفد) الفكر الطائفي في لبنان! لكن بشكل عام البحث لابأس به.
بعض الإقتباسات المميزة:
"ان دولة الطوائف اللبنانية المتعايشة بعد الإستقلال لم تسعَ الى الغاء الطائفية عملياً بل الى ترسيخها على قاعدة التوزيع للمناصب بين الطوائف"
"المشكلة بعبارة واحدة، هي ان لبنان غارق في محنة وطنية عميقة اوصلته الى حافة الإنهيار على كل صعيد بما في ذلك التربية" سليم الحص - 1986
"إن الطائفية سم زعاف في جسم لبنان يجب التخلص من شره، وان الذين يظاهرونها مارقون، وان الذين يمزجونها بالدين كافرون، وان الذين يجفلون من القضاء عليها هم ضعاف العقيدة والإيمان"
كتاب جيد محايد تاريخي في جزئه الأول وإجتماعي بالجزء الثاني. لا يخلو من تفاصيل تاريخية قد يشعر القارئ معها ببعض الملل في أجزاء معينة، إلا أنها وبكل تأكيد لا تخلو من معلومات مفيدة تاريخياً كما تظهر ما يمتلكه الكاتب من معرفة تاريخية مفصلة لمنطقة بلاد الشام. يبدأ الكاتب سرده بدخول المسلمين إلى بلاد الشام مروراً بالأحتلال العثماني ومن ثم الإنتداب الفرنسي وكيف ساهمت فرنسا في تكريس الطائفية في لبنان وذلك بمنح الإمتيازات لطوائف معينة حسب ولاء تلك الطوائف للدولة الفرنسية. ويظهر الكاتب كيف ساهم رجال السياسة اللبنانيون بتكريس هذه الطائفية بعد الإستقلال وكيف ساهمت الطائفية في إندلاع الحرب الأهلية وتأثير هذه الحرب على المجتمع اللبناني.