ـ الكتاب يعطي نظرة على طبيعة المجتمع في تلك الأيام. مجتمع مُهدد و بسيط قد لا يخلو من السذاجة. لكن مع ذلك, هو محاولة توثيقية نادرة في ذلك العصر و تُقدَرُ حقاً, و لولاه لما عرفنا عن ذلك الزمان شيئاً سوى رومانسيات المارة و الرحالين. شخصياً وصلتُ إلى الكتاب برغبة مني في تتبع أصل اللغة العامية السورية, و الاطلاع على تاريخ استيطان التركمان, و حركة هجرات البدو, و حالة المجتمع السوري في العصر العثماني.
آخذ على المحقق بضعة ملاحظات بعد تقدير عمله مشكوراً: 1. تغيير إسم الكتاب من "تاريخ حمص" إلى "حوادث حمص اليومية" , و لولا الصدفة لما استطعت أن أضع يدي على الكتاب, خصيصاً و أنّ إسم المصدر الرسمي المنتشر في الكتب هو "تاريخ حمص". و باعتبار أنني "ألاحقُ" المصدر باللغة الإنكليزية* فلم أكن لأجد الكتاب حقاً. 2. تقسيم بعض الشخصيات البدوية إلى عربٍ و تركمانٍ بدون وجود دليل في بعض الأحيان. مما يجعل بعض الأمور تختلط علي و تدعوني لأشك بها.
حوادث حمص اليومية (من سنة 1100 إلى سنة 1135ه) في عصر حوادث الكتاب تراجعت مدينة حمص ونقص عدد سكّانها، وبارت معظم أراضيها الزراعية وتعطّلت تجارتها، وذلك بسبب انعدام الأمن وفتن البدو إضافة لجور الحكّام ومصادراتهم وضرائبهم التي لا تنتهي، فتقوقعت المدينة خلف أسوارها القديمة، وحتى ضمنها لم يكن يجرؤ أحد على مغادرة بيته بعد غياب الشمس.. كما كانت قبائل التركمان المتجوّلة حول حمص مشكلة كبرى للسكّان، كذلك للدولة العثمانية التي عجزت عن مواجهة تحدّياتهم لها، فتكرّر غزوهم لحمص، واستاقوا مواشيها وخطفوا الناس ونهبوهم مع أخذهم الخوّة ونزولهم في الدّور غصباً، حتى وطّنَتْهم الدولة ووزّعت عليهم الأراضي في ريف حمص.. ومع كلّ تلك الصورة المأسوية والحالة المرعبة لحمص، فقد بيّنت لنا الحوادث بقايا جَمرٍ يُومض تحت ذلك الرماد؛ حيث ظهرت حيوية المجتمع الحمصي، من الحركة النشطة للوفود والأشخاص نحو عاصمة الدولة.. كما بدت ظواهر من الوعي السياسي تكاد تكون خارجة عن مفهوم ذلك الزمن، كحالة طرد أهل حمص للمتسلّم والمفتي وأعوانهما، وإغلاق أبواب المدينة بوجههم والعصيان المدني فيها.. وتبرز أهمّيّة خاصّة لحوادث حمص، من خلال المعلومات التي أتاحتْها لنا عن أصول العائلات الحمصية وتسمياتها؛ حيث يبدو أنه -في ذلك الزمن- تبلور الأساس الحقيقي لكثير من الأُسر الحالية.. كما عرّفتْنا الحوادث على الشكل الأوّلي الذي انطلق منه -فيما بعد- التنظيم الشعبي الرائع لاحتفالات الربيع في حمص، والتي ستُعرَف لاحقاً بـ«الخمسانات».. الكتاب من تأليف محمد مكي بن عبد الباقي الخانقاه، وهو مؤرخ من مدينة حمص، عاش في أواخر القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر في حي باب هود، وكان إماماً لمسجد عبد الله بن مسعود في الحي ذاته. ولقب «الخانقاه» في الحقيقة نسبة أمه، لا أبيه واسمه محمد المكي بن عبد الباقي السِيْد (بكسر السين وسكون الياء).. للمزيد حول سيرة المؤلف: https://bit.ly/49Ywge6
جذور شجرة مجتمعنا الضاربة قديما في العمق هي الطائفية والجهل هذا الكتاب سجل مطول عن أحداث يومية لا تظهر من مجتمعنا الحمصي السوري سوى عراقتنا في التخلف وأصالتنا في إبداع وترسيخ الفقر والجهل والمداهنة والكراهية البغيضة