رشف من فنجان الشاى و استرخى فى مقعده العريض المريح لظهره من الآلام التى تعاوده بين الحين و الآخر منذ حادثة السيارة التى نجا منها بمعجزة، كان القدر رحيماً به فلم يمت فى ذلك اليوم، لا يعرف إن كان العسكرى الإنجليزى الحمار الذى قطع عليه الطريق فجأة قد تعمد ذلك طبقاً لمؤامرة أعدت لاغتياله أم أن الحادث كان مصادفة كما يؤكدون، إحساسه ينفى شبهة المؤامرة، فى نفسه يعلم أن الحادث تم بفعل المصادفة وحدها، ببساطة لأن أحداً لم يكن يعلم وجهة سيره حتى يدبروا خطة لاغتياله، بل إنه هو نفسه لم يكن يعلم فى صباح ذلك اليوم، فقد خطرت على عقله الفكرة بعد الإفطار صباحاً، أن يذهب إلى الإسماعيلية ليعاين الإصلاحات فى يخته هناك، فقام من فوره و تأهب للرحلة، و اختار بعد دخوله الجراج أن يذهب بسيارة صغيرة اشتراها حديثاً أحب أن يجربها فى الطريق على سبيل التغيير.
قبل قراءتي لهذه الرواية، كان ملتبس عليّ إسمها لتشابه عنوانها مع رواية أخرى رائعة قرأتها من قبل للكاتب "إبراهيم عيسى" بنفس الإسم تدور عن داعية إسلامي ، إلا أن الروائي محمد العون - الذي أصدر روايته تلك قبل عيسى - لا تدور أحداث روايته عن رجل دين ، فمولانا المقصود هنا هو الملك "فاروق الأول" (١٩٢٠-١٩٦٥) آخر من تولى حكم مصر من سلالة محمد علي باشا.
تدور الرواية حول مسيرة حياة الملك "فاروق" حتى عزله من منصبه كحاكم للبلاد ، وتستعرض الرواية طفولته عندما كان في الخارج ووصوله إلى مصر قادمًا من إنجلترا بعد وفاة أبيه ليتولّى العرش من بعده وعمره لم يتجاوز حينها السادسة عشر ، والتفاف المنافقين من رجال قصره بعد توليه الحكم ، وعلاقته بأحمد حسنين باشا الذي يعتبره في مقام والده، والذي كان له الدور الأكبر في تغيير مسار حياته، فبعد اكتشاف استغلاله له لتحقيق مصالحه وأهدافه في التحكم في أمور البلاد، تتصاعد المأساة عندما يكتشف زواجه من أمه سرًا عقب رؤيته لهما صدفة في علاقة حميمية، هذا الزواج الذي أصابه بجرح عميق في نفسه! ، وبعد وفاة أحمد باشا تنحدر حياة الملك ويغوص في عالم الملاهي ، كما يصبح أسير صالات القمار ليقضي فيها سهراته حتى الفجر ، وتتصاعد الأحداث الفاصلة التي تعجل بنهاية عهده بنشوب حرب فلسطين وهزيمة الجيش هناك وما شابها من قضية الأسلحة الفاسدة التي تعتبر أحد نواة تنظيم الظباط الأحرار فيما بعد، كذلك ما حدث من حريق القاهرة وانتخابات نادي الضباط التي خسر فيها مرشح السرايا أمام اللواء محمد نجيب ، ثم تقوم الثورة عليه من خلال تنظيم الظباط الأحرار، وبعد نجاح انقلابهم يضطر لمغادرة البلد من ميناء الإسكندرية ، وتنتهي بذلك فترة الملكية وإعلان الجمهورية المصرية.
القارئ لهذه الرواية لن يصنفها علي أنها تاريخية مطلقًا ، رغم أن الكاتب انطلق من المعلومات التاريخية المعروفة حول الملك وفترة حكمه، إلا انه استطاع نسج دراما إنسانية بديعة بحبكة متقنة ومشوّقة وصورة تفصيلية شديدة الدقة للحياة اليومية مما يدل على جهد بحثي وموسوعي كبير، كذلك اللغة المتزنة والسرد المتنقل بين المكان والزمان والسياق بطريقة الـ"فلاش باك'' ، ولكن يعيبه انتظام الإيقاع العام أكثر من اللازم فلم تتسارع الأحداث سوى في آخر فصل ، وظلت على وتيرة واحدة طوال الرواية مما أضفى عليها بعض من الملل في بعض الأجزاء.
وأكثر ما امتازت به الرواية هو رسم الشخصية الرئيسية بمنتهى الحرفية، لدرجة توحي للقارئ أنه يعرف الملك فاروق شخصيًا، فلم يلجأ العون إلى الصورة النمطية المعروفة عن الملك وإنما قدمه بموضوعية شديدة وكشف نقاط الضعف والقوة لديه من خلال تحليله النفسي وأسباب تصرفاته بين السطور.. فتجده في حياته الخاصة الفاشلة وانفصاله عن زوجته، وعلاقته بأمه التي يعتبرها أساءت إليه وإلى مركزه بفضائحها ونزواتها مما يؤلمه عندما يسبه العامّة بعبارات على جدران قصره تنعته بابن العاهرة.. تجده الرجل اللطيف مع حاشيته الذي يجعلهم في مرة يأكلون من إفطاره الخاص ويأكل هو إفطارهم ، والشخص المتدين الذي يتبرع من ماله الخاص لمسجد السيدة نفيسة ويصلي الجمعة بانتظام في مساجد صغيرة بأحياء شعبية ، والمتواضع الذي تطرأ في باله فكرة الجلوس على مقهى بسيط فيذهب ليدخن الشيشة ويشرب الشاي أمام أعين الناس ، و زير النساء الذي يحب مرافقة العاهرات ليؤكد فحولته بعد إصابته بعقدة نفسية جراء حادث سير أثناء مراهقته سبّب له عجز جنسي ، والقائد المهيب الذي يتفقد أحوال الجنود في المعسكرات، واليائس الحزين على حاله وما وصل إليه وهو يودع مصر من يخت المحروسة.. ويلقى الكاتب الضوء أيضًا على تاريخ الأسرة العلوية ونشأتها على يد محمد علي باشا وقضائه على المماليك وصراعه مع محمد بك الألفي ، ليعقد مقارنة مستترة بين شخصية الجد الأكبر القوية والحازمة و شخصية الحفيد المتناقضة والمضطربة.. التي تجعلك تتعاطف معه ، وتحبه، وتكرهه، وتشمئز منه، وتشفق عليه..
الرواية جيدة لما احتوته من شخصية خصبة دراميًا كالملك فاروق ، واللافت للانتباه أيضًا عدم ذكر اسم "الملك فاروق" مطلقًا طوال الرواية، والإشارة له بلقب الجلالة أو بلفظ "مولانا'' ، وأيضًا عدم ذكر تاريخ الأعوام التي دارت بها الأحداث ، مما يجعل القارئ ينغمس في تفاصيلها ، فالأدب بصفة عامة ليس مرجعًا أو مصدرًا لنستقي منه التاريخ ، بل هو تقديم التاريخ بوجهة نظر كاتبه..
رواية جميلة، تفاصيلها تشد ومكتوبة بطريقة ذكية في السرد القصصي للأحداث، وتواليها بدون استخدام أسلوب سردي تاريخي ممل كأنه سيرة ذاتية. شدني الفصل الذي يتحدث عن والدة الملك وتأثير تصرفاتها عليه. كل شيء يبدأ من العائلة، النجاح، الفشل، الخيبة والإحباط. قرأت سيرًا ذاتية لرؤساء كثيرين وجميعهم يتشاركون نفس الصفات والأساليب، الاختلاف الوحيد هو النسبة التي يغلب فيها بعض الصفات على غيرها. في الرواية، التركيز على الناحية العاطفية والنفسية والاجتماعية، مما يثير فضول القارئ للجانب السياسي. رواية ممتعة جدًا ومناسبة للجميع، والظرافة كانت لها نصيبًا أيضًا.