عن الكتاب:
كان الكتاب ممتعاً يشد القارئ وبأسلوب أدبي راق لا يخطر في بال قارئه أنّ الكاتب ليس عربيّاً..
أمّا عن المضمون فقد شعرت وأنا أقرأ بأني أقرأ سيرة أحد الصحابة أو التابعين من أولئك الأوائل الّذين اختصّهم الله ومنّ عليهم واصطفاهم ليكونوا من صحبة النبيّ ..
ظننت أولاً أنّ هناك مبالغات في سرد القصص وأنّها شخصيّة بعيدة عن الواقع ... لكنّني بعد ذلك أدركت أنّه ليس هناك من مبالغات وأنّه لا مستحيل حقاً إذا هبّت ريح الإيمان ... وإنّما هي الحياة الّتي أبعدتنا عن ديننا فظنناه أمراً ثانوياً في دنيانا وظننا أنّ الدفاع عنه والسعي إلى تطبيقه قد اقتصر على الأوائل من أمتنا وانتهت المهمّة ..
ما لفتني في هذه السيرة العطرة هو سعيه الحثيث للدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففي كل مكان مرّ به كان يدعو النّاس .. وأدركت كم من الناس بحاجة إلى كلمة منا حتى يعودوا إلى الله وكم نحن مقصّرين في هذا الجانب الأساسي في إسلامنا ..
ما وقفت عنده أيضاً هو رفض القبائل للحكم الإسلامي بعد فترة من الخضوع له ...
أعلم أنّها أمور عديدة ومعقدة قد كانت سببا في ذلك فالمؤامرات وحب الجاه والتمسك بالدنيا كانت أسباباً قبلية في حين كانت تصرفات بعض القائمين على تطبيق الشريعة في هذه المناطق وغيرها كانت أسباب خاصة بالجماعة الإسلامية ...
وقفت عندها أفكر هل سنصل إلى هذا اليوم في حياتنا وهل سيعيد التاريخ نفسه ...هل سترفض شعوبنا الدين الإسلامي كحاكم لها ..هل سنهلك بعدها تماما ... متى نصل إلى يوم يكون فيه حلم الشعوب أن يحكمها الدين .. أو أنّنا لن نصل إليه أبداً ..لكنّي تذكرت قول الله :
"إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً فسبّح بحمد ربك واستغفره إنّه كان توابا"
لن تدخل الناس في ديننا أفواجاً ولن ترضى بالدين حاكما لها .. حتى تنصره فئة مخلصة من الأمة وتنذر نفسها له وتسعى ..وحتى يكتب الله لها التمكين والنصر عندها ستدخل الناس أفواجا تحت رايتها فالناس ينبهرون بالقوة ..
لا أظن أنّ هناك خلل في نهج الجماعة فقد سلك قائدها نهج سيدنا محمّد .. دعا وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر وأعدّ شبابا مخلصين لتأسيس دولة أسلامية ..راسل الأمراء وشيوخ القبائل ..ومن ثمّ واجه الأعداء من حولها..
هو نهج سليم لكن لم يكتب له النصر في الدنيا ...كانت النهاية كنهاية أصحاب الأخدود..لكن أعلم أنّ هذه النهاية قد تكون نوعاً من أنواع التمكين ..أن يصبح إخلاصه وموته على هذا الإخلاص منارة لكل من قرأ قصته ..
من العبارات الّتي أعجبتني في هذا الكتاب القيّم:
(من خصائص هذه الجماعة التي تلفت النظر أنها كانت تجمع بين جهاد النفس وجهاد العدو وبين الحب لله والخشية له ....وذلك بفضل التربية الدقيقة الّتي أخذ بها قائدها ومربيها والوعي الديني الصحيح الّذي نضج ورسخ واستوعب الحياة كلها وبسبب أنّها لم تمر بمرحلة التربية الدينيّة مراً عابراً ولم تخض المعركة من غير استعداد بل أخذت الأمور بنصابها وأتت البيوت من أبوابها وذلك هو المثل الكامل لجيل مؤمن مجاهد والنموذج الرائع للربانية الصحيحة المطلوبة في كل عصر ...)
والكلمات الرائعة الّتي تحدث بها عن دماء الشهداء الّذين قضوا في قرية "بالاكوت" :
(ممّا لاشك فيه أنّ دماء شهداء (بالاكوت) لم تحدث تغييراً في خريطة العالم السياسي والجغرافيا , وإنّ الخط الدقيق من الدم الّذي فاض في زاوية صغيرة من الأرض لم يجد مكاناً في الأطلس الطبيعي ولا في التاريخ السياسي , ولكن من يدري ماهي مكانتها في سجل القضاء والقدر وماهي حرمتها عند المليك المقتدر ؟؟ وكم غسلت من وصمات عار ولوثات إدبار عن طالع المسلمين وكانت سببا في إجراء أحكام ومحو أخرى عند الله (يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أمّ الكتاب)....إنّ كل ذلك في علم الله وليس بمقدور بشر أن يستعرض آثار هذه الدماء في مسيرة الزمن بمجرد العقل والذكاء..
إنّ هؤلاء الشهداء الّذين ينامون نومة هادئة وادعة في زاوية صغيرة في هذه القرية الجبلية البعيدة (بالاكوت) يحدثون اليوم إلى شعوب إسلاميّة نالت الحرية ونعمت بالاستقلال وملكت زمام القيادة ويقولون :"فهل عسيتم إن تولّيتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم")