يُعَدّ هذا الكتابُ مِنَ الكُتُب التي لا نظيرَ لها ممَا صُنّف في الأحكام الجامعةِ بينَ الحلالِ والحرام، بل هو مِنْ أجلِّ ما صُنِّفَ في بابه، يحفظُه المُبتدِئ المُستفيد، ويُناظِرُ فيه الفقيهُ المُفِيد. شَرَطَ فيه مؤلِّفُه ـ رحمه الله ـ أن لا يورِدَ إلا حديثَ مَنْ وَثّقه إمامٌ مِنْ مُزَكِّي رُواةِ الأَخبار، وكانَ صحيحاً على طَريقةِ بعضِ أَهْلِ الحديث الحُفَّاظ، أو بعضِ أئمةِ الفُقهاء النظَّار، ولم يشترِط الاتفاقَ مِنَ الطائفتين. وقد قَصَدَ ـ رحمه الله ـ في تأليفه هذا الاختصارَ، وذلك لمقاصدَ عِدّةٍ: 1 ـ منها: تركُ الأحاديث التي يكفي في الاستدلال على حُكمها كتابُ الله تعالى أو إجماعُ الأمة. 2 ـ ومنها: ألاَّ يذكرَ أحاديثَ متعدِّدةً للدلالةِ على حكمٍ واحدٍ إلا لمعارِضٍ. 3 ـ ومنها: الاكتفاءُ بأتمِّ الحديثين وأكثرِهما فائدة عن أقلِّهما، أو لدخولِ مَدلوله تحت الأعمِّ فائدة. 4 ـ ومنها: أنَّ الحديثَ الذي يستدل به قد يكون مُطوَّلاً في الصِّحاح أو في الكتب المشهورة، ويكون موضِعُ الاحتجاجِ مُقتصراً عليه، مختصَراً في غير ذلك من الكتب، فيقتصِرُ على المختصَر، ويتركُ التخريجَ من الصحاح؛ لأنه ألْيقُ بالكتاب. إلى غير ذلك من المقاصد. * ولمّا كان المؤلفُ قد جمَع كتاباً كبيراً في أحاديث الأحكام سمّاه: (الإمام في معرفة أحاديث الأحكام)، وقال فيه: ما وقفتُ على كتابٍ من كُتُبِ الحديث وعلومِه المتعلِّقةِ به، سُبِقْتُ بتأليفه وانتهى إليَّ، إلا أَودعتُ منه فائدةً في هذا الكتاب. وقال فيه أيضاً: أنا جازِمٌ أنّه ما وُضِعَ في هذا الفنِّ مثلُه. فقد اسْتَخشَنهُ بعضُ أهلِ عصرهِ لإطالته، فعَمدَ ـ رحمه الله ـ إلى اختصارِه في كتابه: (الإلمام بأحاديث الأحكام). * ثمّ كان مِنْ فضلِ الله وجُودِه أَنّه تمّ الوقوفُ على نُسخةِ الإمامِ الحافظ شمسِ الدِّين بنِ عبد الهادي المَقْدِسي الحنبلي لكتاب (الإلمام) والتي خطّها بيده، مُحلاّة بحواشيه المُجوّدَةِ من التصحيح والتّحريرِ والفوائد والنِّكات على كتاب (الإلمام).
* منهج العمل في الكتاب: 1 ـ نسخُ الأصلِ المخطوط بالاعتماد على النّسخة الخطِّيّةِ المُشَار إليها، والتي انتسخها الإمامُ الحافظُ ابنُ عبد الهادي بخطِّه. 2 ـ مقابلةُ المنسوخِ على الأصلِ الخَطِّي مَرّتين. 3 ـ ضبطُ الكتابِ مع حَواشيه بالشّكْل شِبْهِ الكامل، وقد كان جُلّ اعتمادي على ضبط الإمام الحافظ شمس الدين بن عبد الهادي في هذه النسخة. 4 ـ ترقيمُ أحاديثِ الكتابِ تَرقيماً تسلسلياً. 5 ـ تخريجُ أحاديثِ الكتاب بذِكر رقم الحديث أو الجزء والصفحة، بالتزام ما خرّجه الإمامُ ابنُ دقيق العيد، والإضافة إليه إنْ كان ثَمّة ضرورة إلى ذلك. 6 ـ جعلُ كتاب (الإلمام) منفصلاً عن حواشيه، والرّمز لحواشي الإمامِ الحافظ شمس الدِّين بن عبد الهادي بمزهرة (*). 7 ـ شرحُ غريبِ الحديث والمُشْكِل، بالاعتماد على أمّهات كتب المعاجم؛ كـ ’الصِّحاح‘ للجوهري، و’لسان العرب‘ لابن مَنظور، و’القاموس المحيط‘ للفيروزأبادي، و’المصباح المنير‘ للفَيومي، و’النهاية في غريب الحديث‘ لابن الأثير. وكذا تم الاعتمادُ على شروحِ كتُبِ الحديثِ المشهورة كـ (فتح الباري) لابن حَجر، و(عمدة القاري) للعَيني، و(شرح مسلم) للنَّووي، وشروح (مصابيح السُّنة) لكُلٍّ من لبيضَاوي والمُظْهِري وزَينِ العرب، و(مِرْقاة المفاتيح شرحِ مشكاة المصابيح) لمُلاّ علي القاري، و(نيل الأوطار) للشَّوكاني، و(سبل السلام) للصّنْعاني. 8 ـ وضعُ فِهْرِسٍ لأطرافِ الأحاديث النّبوية الشّريفة، وفهرِس لأسماء الكُتُب والأبواب. 9 ـ كتابةُ مقدِّمةٍ عن كتابِ (الإلمامِ) لابن دقيق العيد، وحواشي الإمامِ الحافظ ابنِ عبد الهادي عليه، ثم كتابةُ ترجمةٍ للإمامين ابنِ دقيق العيد وابنِ عبد الهادي رحمهما الله تعالى. والمؤلف هو: ابن دقيق العيد، محمد بن علي بن وهب بن مطيع، أبو الفتح تقي الدين القُشَيري (625 - 702 هـ)، قاضٍ من أكابر العلماء، مجتهد. ولد في ينبع على ساحل البحر الأحمر، ونشأ بقوص، وتعلم بدمشق والإسكندرية ثم بالقاهرة، ولي قضاء الديار المصرية سنة 695 هـ، فاستمر إلى أن توفي بالقاهرة. له تصانيف منها: (إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام)، و (الإلمام بأحاديث الأحكام)، و (الإمام في شرح الإلمام)، و (الاقتراح في بيان الاصطلاح)، و (تحفة اللبيب في شرح التقريب)، و (شرح الأربعين حديثاً للنووي)، و (اقتناص السوانح)، وغيرها. http://www.daralnawader.com/books/boo...
بينما كان العالِم الفقيه علي بن وهب المعروف بمجد الدين القشيري يأخذ طريقه لأداء فريضة الحج في يوم السبت الخامس والعشرين من شهر شعبان سنة 625 هـ على ظهر إحدى السفن وذلك عن طريق البحر الأحمر الذي كانوا يسمونه في العصر الإسلامي ببحر القلزم، وما أن قاربت السفينة ساحل الينبع حتى حمل البشير إليه أن زوجته قد وضعت غلاماً، فرفع يده إلى السماء شاكراً حامداً، ولما قدم مكة حمل رضيعه المبارك بين يديه وطاف به البيت وهو يدعو الله سائلاً أن يجعله عالماً، وقد استجاب الله لدعائه، ووصل الفتى بجدّه وذكائه ومثابرته في الدرس وتحصيل العلوم إلى مرتبة قاضي قضاة المسلمين في العصر المملوكي.
اسمه ولقبه
يسمى ابن دقيق العيد بمحمد بن عبد الله بن وهب، إلا أن اللقب الذي غلب عليه هو ابن دقيق العيد، وهو لقب جده الأعلى الذي كان ذا صيت بعيد، ومكانة مرموقة بين أهل الصعيد، وقد لقب كذلك لأن هذا الجد كان يضع على رأسه يوم العيد طيلساناً أبيضاً شديد البياض، فشبهه العامة من أبناء الصعيد لبياضه الشديد هذا بدقيق العيد .
نشأ ابن دقيق العيد في مدينة قوص تحت رعاية والده مجد الدين القشيري الذي تخرج على يديه الآلاف من أبناء الصعيد، وقد عاش شبابه تقياً نقياً ورعاً.
أساتذته وشيوخه
لازم سلطان العلماء الشيخ عز الدين بن عبد السلام حتى وفاته، وأخذ على يديه الأصول وفقه الإمام الشافعي، وسمع الحافظ عبد العظيم المنذري، وعبد الرحمن البغدادي البقال، ثم سافر بعد ذلك إلى دمشق وسمع بها من الشيخ أحمد عبد الدايم وغيره، ثم اتجه إلى الحجاز ومنه إلى الإسكندرية فحضر مجالس الشيوخ فيهما، وتفقه. وقد جمع بين فقهي الإمامين مالك والشافعي.
من أعماله المهنية
أسند إليه والي قوص منصب القضاء على مذهب الإمام مالك ، وذلك حينما أشار أحد المقربين إلى السلطان منصور بن لاجين قائلاً: « هل أدلك على محمد بن إدريس الشافعي، وسفيان الثوري وإبراهيم بن أدهم ؟ فعليك بابن دقيق العيد... » فكان أن تقلد ابن دقيق العيد هذا المنصب الذي ظل شاغلاً له مدة سبع سنوات، بلغت فيها شخصيته مكانة مرموقة في الديار المصرية .
وفاته
توفي بالقاهرة في صبيحة يوم الجمعة لتسعة أيام بقيت من صفر 702 هـ بعد أن عمّر 77 عاماً، قضاها في خدمة الدين الإسلامي الحنيف في مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وقد دفن يوم السبت، وكان يوماً مشهوداً عزيزاً في الوجود، وقد وقف جيش مصر ينتظر الصلاة عليه.