يقدم المؤلف "الآخر" -الذي هو المسيحية- فيبدأ في المقدمة عن الحوار الديني بـ "لكي نعرف الآخر، فيما نحن نبتغي بمحاورته، لابد ان يتوفر لدينا الرغبة في معرفته كما يريد هو ان يعرِّف بنفسه" فيدعو الى تهيئة سيكولوجية لمن يريد ان يحاور في عقيدة غير عقيدته. اي لا بد من فلترة/ استخلاص جميع احكامنا المسبقة وافراغها من عقولنا، التي نجمت عن اختبارات او منازعات تاريخية سواء فردية او جماعية. وهذا الشرط يتيح لنا التعلم مما عند الآخر من تراث فكري وروحي وقيم ايضا قد تكون نفسها التي يؤمن بها ويدعو اليها المُحاور.
ايضا يذكر الكاتب نَهي الشيخ النابلسي عن سؤال المسيحين عن اعتقادهم بمقابل مايقوله مطران جبل لبنان جورج خضر عن انفسهم ومعتقدهم: "إن المسيحية التي يصفها القرآن لايعرفها المسيحيون على انها دينهم" في هذا التضاد تتصور الكاتبة ان الأخذ بنصيحة النابلسي ماهو معناه الا "مصادرة حق الغير في التعريف بعقيدته والدفاع عنها" حيث ذلك يؤدي ايضا الى مصادرة حق غير المسيحي بالتعريف عن نفسه عندهم ومشاركة قيمة وافكارة التي قد يقبل بها او لايقبل.
يتحدث بشكل موجز جدا عن الاخذ بنسبية الموضوع ومطلقية الاعتقاد اثناء الحوار وكيف ان هذا من اصعب الاشياء التي تواجه العقل البشري حينها. فيمكن ان تقول ان الدين من جهة نسبيا ومن جهة مطلق. فهو مهما اختلفت رمزياته ومورثاته ولغته وتعبيره فمضمونه الروحي واحد مطلق، الا انه يتخذ شكل وعائه وهذا نسبي. كما لو انه يشيد بفكر ابن عربي، نرى ذلك جليا في بعض الفقرات.
يجدر ان اشير هنا ان الكاتب، وان حاول ان يكون قلمه نسبي وموضوعي -مثل ماتقدم منه في مقدمة الكتاب- الا انه فشل في تحقيق ذلك جزئيا بشكل ملحوظ، وقدم لنا في كتابه خلافا لما وعدنا به، فهو لا ينفك عن الاستشهاد بشكل انتقائي متعمّد من نصوص تخدم قناعته المؤدلجة وتخدم موضوعه/ فِكره (يُرى ذلك جليا في الباب الأول) لماذا؟ هل هي الطبيعة البشرية التي اشار اليها في المقدمة؟ بالرغم من انه لايوجد انتقاد صريح الا ان الكاتب يبدو انه يأخذ باحتمالات متتاليه من ضرب الخيال والميثولوجيا (وتفسيرات قائمة على تأويلات ادبية اكثر منها على أسس تاريخية او كتابية) لاقناعك بنتيجة ما،
محتويات الكتاب: في ثلاثة ابواب يعرّف الكاتب بالمسيحية وتاريخها متبع ذلك تعريفا سريعا بالاناجيل المعتمدة الاربعة، والغير معتمدة. في الباب الثاني يتصل موضوع الكتاب بعنوانه حيث نرى اختلافات الفرق والمذاهب المسيحية تاريخياً بشكل مختصر جدا، وفي الباب الاخير يناقش العقيدة بثالوثها واقانيمها.
كتاب يحتوي لمحات موجزة عن الطوائف المسيحية في المرحلة الأولى لعمر هذا الدين. مفيد لدى الرغبة باستكشاف المعتقدات الأساسية والخلاف عليها دون الخوض في التفاصيل، إلا أنه يفتقر إلى ذكر الشخصيات الجوهرية في قصة المسيحية كالقديس بطرس ويوحنا المعمدان وبولس الرسول وغيرهم ممن عاشوا في تلك الفترة. يوجد صبغة إسلامية خفيفة صبغ بها الكاتب طيات هذا الكتاب إلا أنه يمكن تجاهلها إذا استدعى الأمر ذلك.
بالحقيقة هو كتاب قصير ، ولكنه عسير ، يحمل فلسفة دينية ثقيلة ، ولكنه ممتع ، وانصح به لمن يملكون القدرة على نقد الأفكار ومن يملكون علمًا بشرع الله حتى لا يتأثر بفلسفة ابن العربي في نهاية الكتاب .