يحقق الديوان المعادلة الصعبة في قصيدة النثر برؤية رحبة تنطلق من وعي بوظيفة الشعر في إقامة حوار بين الذات والعالم واللغة ليعبر عن رحلة الشاعر في أفق حضاري عابر للأزمنة والأَمكنة، مكتشفا كوامن الدلالات في طرائق التعبير ومحتوياتها الصوتية والمعجمية والنحوبة، وبنياتها البلاغية، ويتعامل مع أدوات الصياغة بابتكار يستخلص منها طاقات استثمارية تنطبع فيها حواراته مع الأحوال والأفكار والنماذج التمثيلية لتجليات الحلم الإنساني لا ينفصل الشاعر عن ميراثه الحافل بالرموز، ولا ينبت عن المرجعية الجمالية لذائقة المتلقي قصيدة دفتر العابر تستلهم مفهوم المعلقة التراثية لتضيف إلى قصيدة النثر امتدادا حضاريا يسجل رحلة الذات المعاصرة في قراءة تجربة تفاعلها مع الخريطة الثقافية للعالم تعامل ياسين عدنان مع اللغة فيه احتفاء وَمصاحبة، يقيم صداقة مع الكلمات، يتخذ من كلمة ما مرنكزا تشكيليا لمتوالية ممتدة من الجمل المتناثرة، فيجمع بين الصورة المتشعبة التفاصيل والفكرة الرابطة بين جزئياتها، وتصبح الكلمة نقطة التقاء ليس بين الجمل الشعرية فحسب وإنما أيقونة داكنة مشبعة بتصور كامن خلف الصور يثبت ياسين أن التكرار اللفظي ليس تكرارا وإنما هو جوهر دلالي جديد يسكن روح الكلمة
دفتر العابر للشاعر ياسين عدنان "رواية" شِعرية، سرد شعري، قصائد روائية، سيرة ذاتية... احترتُ صراحة في تصنيف هذا العمل لإنه يجمع الكل في آن و دفترٍ واحد! فالسردُ يشدكَ و يَجعلك متشوق لمعرفة محطة المسافر التالية وكيف سيصفها و يعرِّفها شِعريا. و الشعر و تناغم الكلمات يزيد العمل بهاءً و جمالا. ذات الشاعر حاضرة بقوة و شفافية، فالسرد كما ذكرتُ هو كذلك سيرة ذاتية وحكي عن المكان و استحضار الذكريات بكل أحاسيسها التي جمعت أو تجمع الشاعر بكل محطاته عبر هذه الأسفار، الأول سفر إلى دُول و مُدُنها و الثاني سفر في ذات الشاعر و تقلباته بين حسرة و فرح... ، بوح و كتمان... وحنين، و سفر آخر في و عَبر ذاكرة الشاعر لتعود معه في الآخير إلى نقطة الانطلاقة؛ البداية : مراكش الحمراء، بانتظار سفر آخر وكما قال الشاعر: "فعُمْرٌ واحد لا يكفي أيتها الأسفار" و أقول أنا: " ولا دِفتر واحد يكفي" فَمزيدا من الدفاتر.
___ " سلام لإشبيلية تلويحةٌ لقرطبة أما أنتِ يا غرناطة فاكتُمي أنفاس السِّرِّ فلن أبوحَ" ص 120 ___
عمرٌ واحدٌ لا يكفي أيتها الأسفار عمرٌ واحدٌ لا يكفي يا خطوط العرض أحتاج أعمارا ملاحقة كأنفاسٍ لأُنصف المدنَ و أعطي الطرق حقها أحتاج أعماراً مُجنَّحة كي أحلق في الأعالي بين السماء وبُروجها بين المدُن و أطيافها بين وشوشة الماء في النوافير وشحوب حزنيَ السَّري لم تكن مُدناً كانت نجوماً تضيء سماء أحلامك لم تكن مدناً كانت أشجاراً تُخفي غابة الروح وكنتَ كلما حللتَ بأرض تذكرتَ أنك كنتَ لها ابناً في عُمر آخر غير هذا الذي تُجرجِرُه خلفكَ و أنت تعبرُ هذا الجسر المعلَّق بين ألفِيَتين كلما زُرتَ مدينة شهقتَ: كأني هنا وُلِدْتُ كأني هنا سأمُوتْ --- ص 196-197