كتابٌ عظيم النفع بالفعل. يقدم لنا أستاذ اللسانيات الألماني الكبير فلوريان كولماس الجوانب الاقتصادية للّغة ويتتبع تاريخَ النظر إلى اللغة بوصفِها نظامًا اقتصاديًّا، وإلى الكلمة بوصفِها نظيرًا للعُملة. كان أشدُّ عناصر الكتاب عبقريةً بالنسبة لي هو مفهوم الاقتصاد الداخلي للّغة، واستعراض كولماس المتأنّي لنظريات (زِبف) و(مارتينيه) وغيرهما، وتتبعه لإثباتات تأثير مبدأ الجهد الأقل في تشكيل الجوانب المختلفة للنظام اللُّغَوِي من صوتياتٍ ومقاطعَ صرفيّةٍ وقواعد إلى غير ذلك. الكتاب جدير بالقراءة إلى أبعد مدى، وأعتبره مهمًّا لكل مَن قُدِّرَ له أن يلتفتَ إلى اللُّغَة بوصفِها أهمَّ خصائص الموجود البشري. وهو غنيٌّ بإحالاته المعرفية وملهِمٌ جدًّا في كثيرٍ من المواضع ومتقاطِعٌ بحكم طبيعة موضوعه مع حقولٍ معرفيّةٍ كثيرةٍ كفلسفة الحضارة وعلم اللسانيات الاجتماعي فضلاً عن الاقتصاد بالطبع.
يرى الكاتب “فلوريان كولماس” الكلمة والعُملة تؤديان وظيفة تبادليّة, فالكلمة أداة تبادل السّلع المعنويّة, والعُملة أداة تبادل السّلع الماديّة، والكلمة لا تستمدّ معانيها من طبيعتها الماديّة بعدّها أصواتًا, إنّما تستمدّها من الأغراض الّتي تؤدّيها مثل النّقود, والقيمة التّبادليّة لكليهما تختلف باختلاف الزّمان والمكان.
والكلمات مثل العُملات المعدنيّة والورقيّة، تأخذُ قيمتها من الاستعمال، باتّخاذها وسيلة للتّعامل, فالاقتصاديّون يطلقون على الاستعمال (القيمة الشّرائيّة)، واللّغويّون يسمّونه ( المعنى)؛ إذ تتغيّر هذه الكلمات حسب المتداول في المجتمع, فاللّغة التّجسيد الماديّ للأفكار, كما أنّ الصّورة والمحتوى في العلامة اللّغويّة ينبغي أن يرتبطا بالطّريقة نفسها الّتي ترتبط بها النّقود بالسّلع.
فكلّ من اللّغة والنّقود يدينان بوجودهما للاعتماد المتبادل بين النّاس, فاللّغة تقوم بوظائف اتّصاليّة, والنّقود تقوم بوظائف اقتصاديّة.
ويرى الكاتب أنّ الكلمة يمكن إعادة إنتاجها دون جهد اقتصاديّ, فالكلمة يمكن التّصرّف بها في الذّاكرة, ويسمح لنا أن ننفقها مرّة ومرّة؛ بينما العُملة عبارة عن مادّة غير قابلة لإعادة الإنتاج. إنّ الجانب المادّي للكلمات ليس أقل أهميّة من الجانب المادّي للنّقود, فالكلمات يمكن أن يكون لها قيمة سلعيّة, مثل صانعي العبارات الرّنانة، كما لا خلاف أنّ ثمّة فرقَا جوهريًا بين الفنّ الكلاميّ المتداول والفن الإبداعيّ.
العلاقة بين التّعدّد اللّغويّ والثّراء الاجتماعيّ:
التّعدّد اللّغويّ يؤدّي إلى مستوى منخفض من التّنمية الاقتصاديّة؛ خاصّة في البلاد الّتى لا لغة مشتركة مسيطرة, مثل كثير من الدّول الإفريقيّة. فاللّغة مستخدمة بوصفها أداة مهمّة في تنظيم العلاقات السّياسيّة والتّجاريّة والاقتصاديّة، وعند تعدّد اللّغات تعتمد لغة واحدة في وضع الدّولة القوميّة وتختزل اللّغات الأخرى. والبلاد الصّناعيّة قليلة اللّغات، فاليابان مثلا بلد متجانس لغويًا بدرجة عالية, استطاع أن يلحق بالبلاد الصّناعية تقدمًا، والبلاد النّامية كثيرة اللّغات.
اللّغة والسّوق:
السّوق يفترض تنظيمًا عرفيًا يطبّق أشكالاً مختلفة للتّبادل التّجاريّ, فالبائع الثرثار يرفع صوته لاستقطاب المشترين, ونظيره الإعلان له دلالة وظيفيّة كذلك في جذب الزّبون.
إنّ التّراث اللّغويّ الاستعماريّ يعدّ شاهدًا على العلاقات الاقتصاديّة, فالأوروبيّون أدخلوا لغاتهم بجملتها, ولم يأخذوا من شركائهم التّجار إلا كلمات قليلة. ويشير الكاتب إلى أنّ تخلّف لغات بلاد العالم النّامي مؤشّرٌ على التّخلف الاقتصاديّ, ويرى أنّ التّخطيط للتّنمية اللّغويّة يكون عمليًّا بالتّغريب, وهو نتيجة لا مفرّ منها للتّحديث, ويشير إلى الحسن الثاني ملك المغرب في تبني لغة غربيّة على حساب اللغة المحليّة.
القيمة الاستعماليّة والقيمة التّبادليّة للغات وكيفيّة استعمالها:
هناك علاقة سببيّة بين حجم الجماعات اللّغويّة والقيمة الاستعماليّة للغتها, فمثلا اللّغة الألمانيّة يتكلّمها مئة مليون شخص أكثر قيمة من الهولنديّة، والإنجليزيّة أكثر قيمة من الإسبانيّة.
ويشير إلى ضمان النّجاح الاقتصاديّ يرتبط باللّغة كأداة للإنتاج؛ فعندما يقرّر أحدهم مثلا أن يفتح محلا في دولة ما, عليه أن يعرف لغة البلد, فرجل أعمال يابانيّ يحاول أن يتقن اللّغة الإنجليزيّة بشكل كافٍ؛ ليتعامل في سوق أمريكيّة, والعكس, فالأمريكيّ الذي يقوم بأعمال في اليابان, لا بدّ أن يتعلّم لغتهم.
اللّغة بوصفها سلعة:
اللّغات لها قيمة سوقيّة, وتكشف الطّبيعة السّلعيّة للغات في مجال تعلّم اللّغة الأجنبيّة وتدريسها, وهذا يمكن التّمييز بين سوق محليّة وسوق إقليميّة وسوق وطنيّة وسوق عالميّة, ويتحكّم في هذه القيمة عوامل سياسيّة وثقافيّة واقتصاديّة, فالصّينيّة لغة جماعة لغويّة ذات تراث ثقافيّ عميق, ولغة بلد ذي أهميةّ سياسيّة كبيرة, ومع ذلك ليس هناك طلب كبير عليها, لأنّ إمكان استغلالها الاقتصاديّ إمكان محدود.
اللّغة سلعة غير ماديّة, المخزون عند استهلاكها لا ينخفض وقيمتها تزداد، لذا تعلّم النّاس لغة ما أصبحت حاجة تطرحها حاجة السّوق، فاللّغة الإنجليزيّة هي اللّغة المهيمنة للمطبوعات العلميّة, واللّغة الرّئيسيّة للمنظمات الدّوليّة ووسائل الإعلام والسّياحة, فنسبة البريد العالميّ الذي يكتب بالإنجليزيّة تقدر بـ (سبعين بالمئة) كما أنّ ( ثمانين بالمئة) من المعلومات المخزّنة في بنوك المعلومات بالإنجليزيّة, ولا ننسى أنّ تعليم اللّغة الأجنبيّة عامل مهم للقطاعات المختلفة مثل موظفي الجمارك والمفتشين والدّبلوماسيّين وبعض المهن الأخرى.
التّخطيط اللّغويّ:
يشمل ذلك تدخلات الحكومة في مجال الاتّصال, ويقتصر على التّدابير المموّلة من القطاع العامّ لحلّ مشكلات اللّغة, ويتمّ إنجاز ذلك عن طريق الأكاديميّات اللّغويّة الرّسميّة، مشروعات بحث معينة، الإعلام، مشروعات لإصلاح اللّغة، مثل إنشاء معهد دراسات في جامعة الرّباط بعد أن طالب الدّستور المغربيّ عام 1962م بتحويل المجالات المداراة بالفرنسيّة إلى العربيّة.
دعم التّصدير اللغويّ:
هو تصدير لغات معينة عن طريق منح من الدّولة, فوزارة الخارجيّة الألمانيّة مثلا لديها قسم لترويج اللّغة الألمانيّة؛ إذ تخصّص حوالي 50% من الميزانيّة الثقافيّة؛ أي حوالي 500 مليون مارك ألمانيّ لإعلانات التّصدير اللّغويّ, ومثلها أنفقت فرنسا في الحركة الفرنكفونيّة الّتي بدأت عام 1986م، تحت قيادة الرّئيس ميتران في قمة داكار 1989م، إذ تلغي فرنسا الدّيون العامّة للبلدان الإفريقيّة الخمسة والثلاثين الأفقر، وهو 16 بليون فرنك‘ مقابل أن تستمر هذه البلدان في ضمان الدّور المتفوّق للغة الفرنسيّة في الحكومة والتّعليم, كما تحاول فرنسا وألمانيا تصدير لغتهما إلى بولندا لتكونا اللّغة الأجنبيّة الثانية بعد الإنجليزيّة.
الحياة الوظيفيّة للغات
اللّغات قابلة للتّقييم على نحو اقتصاديّ, ويتمّ تبادلها في السّوق، والنّجاح الحقيقيّ لانتشار اللّغة مرهون باستعمالها وتعزيزها في المجالات التالية: الحكومة والقانون والاقتصاد والجيش والدّين والتّعليم.
انتشار اللّغات الوسيطة
مصطلح اللّغة الوسيطة مرادف للغة التعامل ويعرض سمات أربعة:
لغة الاتّصال: لا تستعمل عادة في الحياة اليوميّة اللّغة العالميّة: لغة تعامل ذات استعمال عالميّ بالفعل لغة المساعدة ( لغة اصطناعيّة) تقدّم وسيلة للاتّصال البسيط بين متحدثين للغات غير المفهومة لغة وسيطة أو لغة التّجارة
ولقد تقاسم المترجمون والصرافون هذه السمعة المريبة لزمن طويل. ولو ذكرنا مجرد مثال واحد من الشواهد اللافتة للنظر لقلنا إن الأولين - إذا ما وضعناهم بين الكتبة - قد طردهم السيد المسيح من الهيكل مع الأخيرين.
A thoughtful intersection of two of my favourite areas of study right now. My only hang-up is that I don't think the partial-equilibrium framework in absolute terms used in the section THE COSTLINESS OF THE POLYGLOT WORLD captures the argument of language opportunity costs (e.g. in Poland, between French and German); naturally, I would've thought an analysis in relative terms would be more sensible.
I'm currently still reading this however from what I've read so far, it is definitely a 5-star for me. I really enjoyed coulmas' point about 'highly fragmented linguistic countries being poorer' - it's a concept I've never fully considered, and is just one of the many interesting concepts he delves into. Though it is hard to find, I highly recommend this book for those interested in gaining a fundamental understanding of economics/those interested in linguistics.