يعتبر التسامح في البلدان الديمقراطية أمرًا مسلمًا به، إذ ينظر إلى الفرد مهما اختلف شكلًا وسلوكًا ولغة، بعين القبول، كما يُتوقع منه أن يفعل الشيء نفسه. فإذا ظهر أي ضغط يهدد بتغيير هذا الموقف، اعتبر الأمر خرقًا ينطوي على تدمير لحرية الفرد. فنحن نتسامح مع الآخرين ونقبل ما يفعلونه، ما دام إن ذلك لا يرتب أضرارًا تصيب المجتمع وأفراده. ذلك إن الاختلاف لا يخلق موقفًا يقود إلى التعصب والتقوقع، أما التسامح فمسؤولية حضارية وواحد من حقوق الانسان. ولئن أدى التقوقع إلى الحؤول دون الاندماج في المجتمع الغريب، يبقى لافتًا للنظر أن تخلو الثقافة العربية، السياسي منها والاجتماعي، من مقولة التسامح كلمة وممارسة. لقد لعبت الايديولوجيات النضالية والقيم السلفية أدوارها في طرد التسامح من حياتنا وثقافتنا. هذا الكتاب يطل على مسألة في العالم الغربي وعند العرب سواء بسواء.
إبراهيم العريس باحث في التاريخ الثقافي وصحافي وناقد سينمائي ومترجم ولد في بيروت 1946، درس الإخراج السينمائي في روما والسيناريو والنقد في لندن. يعمل بالصحافة منذ عام 1970. يرأس حاليًا القسم السينمائي في «الحياة» كما يكتب فيها زاوية يومية حول التراث الإنساني وتاريخ الثقافة العالمية. ترجم نحو أربعين كتابًا عن الفرنسية والإنجليزية والإيطالية في السينما والفلسفة والاقتصاد والنقد والتاريخ، من أهم مؤلفاته: رحلة في السينما العربية، مارتن سكورسيزي: سيرة سينمائية.
خمس دراسات لخمسة باحثين حول التسامح ـ التسامج في اللغة العربية ـ التسامح كمثال أخلاقي ـ التسامح والحق في الحرية ـ التسامح والمسؤولية الفكرية ـ منابع اللاتسامح
التسامح بين شرق وغرب : دراسات في التعايش والقبول بالآخر قام بتأليف الكتاب خمسة باحثين تطرقوا لجوانب التسامح وصوره كافة في العالم العربي والغربي..وارتباط التسامح بجوانب أخرى، مثل اللغة ، الأخلاق، الحرية الدينية والسياسية والمسؤولية الفكرية. رغم صغر حجم الكتاب، ١٣٠ صفحة بالكاد، إلا أنه غني جداً وكثيف. في البداية يتطرق إلى فكرة اختلاف مفهوم التسامح بين العرب والغرب.. العرب يعتبرون أساس التسامح نابع من كرم أخلاق وأنه إيجابي تماما أما الغرب فالعكس.. يأتي التسامح من فكرة أنهم يكرهون مايرون ولا يتقبلون الآخر لكنهم يختارون التجاوز والتعايش معه. تجدر الإشارة إلى أن عكس كلمة (التسامح) هو (اللامبالاة).. لأن التسامح ردة فعل لرؤية شيء لا يعجبنا ويثير فينا شعوراً غير مريح. ثم يذكر أن فكرة التسامح وقوانين التعايش أخترعت رداً على الحروب الدينية في أوروبا في القرنين السادس عشر والسابع عشر.. لكن للأسف عدد ضحايا الحروب في القرنين الماضيين فاق ضحايا الحروب الدينية الأوروبية، فهل يمكن تقديم التسامح كقيمة أخلاقية مجدية!؟ ثم يذكرون أن التسامح اختياري، فالمرء من حقه أن يتسامح أو لا يتسامح مع ما لا يعجبه.. وأن للتسامح حدود إذا ما تم تجاوزها يصبح عدم التسامح خياراً أفضلاً.. ويطرح الكتّاب تساؤلات.. هل خشيتنا من أن نظهر بمظهر اللامتسامح (سواء حكومات وأفراد) جعلنا نوسع حدود التسامح أكثر مما يجب؟! .. رأيي الشخصي في الكتاب، من الكتب التي قد أعود لقراءتها بعد سنوات.. معظم المعلومات تعالج التسامح كمشكلة و كحل في آن واحد من وجهة نظر غربية أكثر (باستثناء الفصل الأول).. مما يعني أن المعلومات والنظريات قد يصعب تطبيقها على النفسية العربية أو لا تناسبها.. لكن لا يمنع أن الكتاب أدخلني في العمق.. شخصياً لم أعي كل هذه الضجة حول التسامح ولم أكن على علم بالاختلاف بين وجهة النظر العربية والغربية. بدون مبالغة خلال قراءتي كنت أخرج باقتباس ومعلومة من كل صفحة تقريباً. أعجبني جداً.