فى هذا الكتاب "الكاتب علامة سؤال" نحن بصدد حوارات مع أدباء وأديبات لم يكتفوا بالكتابة كعمل أدبى ، وإنما توسعوا وذهبوا مباشرةً أو مواربةً صوب الأحداث الساخنة والملتهبة فى مجتمعاتهم والعالم من حولهم ، وأدلوا بآرائهم بحسب ما أملت عليهم رؤاهم وأخلاقياتهم ، وبذلك: كان أن هتكوا الزيف ، وحولوا أسرار الكلام المسطر صوتاً وصورةً فى فضاءات البث المعادى ، الحى والمباشر والغازى والمعولم ، إلى فضائح تشهد على نفسها وعلى أصحابها فى الوقت نفسه.
ـ حاصل على بكالوريوس في الفلسفة وعلم النفس ، من جامعة بيروت العربية. ـ عمل في الصحافة الثقافية من عام 1977 ـ 1979 ، كما شارك في تحرير مجلة "المهد"الثقافية طوال فترة صدورها· ـ شارك الشاعر طاهر رياض العمل في دار منارات للنشر حتى 1991 . ـ أسس دار أزمنة للنشر والتوزيع عام 1991 ، حيث يعمل مديراً لها · ـ حازت روايته "قامات الزبد" على جائزة الدولة التشجيعية للعام 1990 وكذلك حاز على جائزة الدولة التقديرية/ القصة القصيرة عام 1997· كما نال جائزة محمود سيف الدين الإيراني للقصة القصيرة على مجمل مجموعاته ـ والتي تمنحها رابطة الكتّاب الأردنيين · وكانت الرابطة ، قبلها ، قد منحته جائزة أفضل مجموعة قصصية لعام 1982 ( إحدى وعشرون طلقة للنبي).
نحن هنا لا نتحدث عن مجرد لقاءات صحفية مع عدة كتاب. نحن نتحدث عن مشاهدات حية علي وقائع حاسمة شكلت وجدان هؤلاء الكتاب. ما بين معاصرتهم لحروب، و انهيار لافكار و ايدولوجيات حتي تعرضهم للنفي و الاقصاء (كحالة كونديرا) تغيير الهوية، و الكتابة بلغة مغايرة. او تحيزهم لقضايا عالمية كالنسوية مثلا. كتاب فكري من طراز فريد و ينصح به و بشدة.
عنوان الكتاب خادع. لا توجد مقابلات مع كل الكتّاب الذين على الغلاف، فهناك مجرد سرد لسيرة حياة بعضهم مع تركيز على الجوانب السياسية في حياتهم وآرائهم. لم يعجبني سوى مقابلات كونديرا وبول اوستر.
كتاب لحوارات مميزة مع مجموعة من الكتّاب الأجانب. أحببت بعض الحوارات ولم يثر اهتمامي بعضها الآخر. عرّفني الكتاب على الأدباء وأعمالهم وبعض هؤلاء لم يسبق لي قراءة أعماله. الحوارات تتضمن أيضا تسليط الضوء على الآراء السياسية أو النقدية للمجتمع لهؤلاء الأدباء (بالاضافة الى الحوار الادبي حول أعمالهم) ومن هنا الاشارة الى العنوان الفرعي (رأوا ولم يصمتوا). هذا الكتاب شجعني لقراءة المزيد من كتب الحوارات. قرأت معظم الكتاب في السيارة أو في أوقات الانتظار مما يفسر الفترة الطويلة التي أمضاها على رف القراءة.
جمع إلياس فركوح وترجم لقاءات لثمانية كُتاب كان لهم التأثير الكبير في مجتمعاتهم، ونشر الكتاب بعنوان «الكاتب علامة استفهام».. للأسف، لا أذكر أنني قرأت لأحدهم شيئًا.
جميل في الكتاب أنه يبدأ بتعريف الكاتب، ويُنهي باقتباسات له، وبينهما الحوار أو الحوارات.. والأجمل أنه لا يلتزم بهذا مع جميع الكُتاب، إنه يعطي كلَّ كاتب حقه وما يلائمه في تنسيق حواره، التنسيق الواحد لكل كاتب من حقه أن يُضفي بعض الرتابة والروتين، الكتاب هنا ابتعد عن الرتابة، وأيضاً ابتعد عن الرتابة حينما وضع صور الكُتاب على غلاف الكتاب تختلف عن تلك التي داخل الصفحات، هذا ذكاء من المترجم، ونقطة مهمة تجعلك ترى الكاتب في أكثر من زاوية وشكل، وكذلك هذا يطرد الملل.
المشكلة أن الحوارات تُوثَّق بالتاريخ والشهر، لكنها لا تُوثَّق بالسنة، رغم أن سنة الحوار هي الأهم.. أحياناً يحتاج القارئ إلى معرفة سنة الحوار كي يفهم ما يقال، إنهم يتحدثون عن التاريخ سياسيًا وأدبيًا.
اختار المترجم مجموعة كُتاب من مختلف الدول العالمية؛ أمريكا وبريطانيا وألمانيا وأسبانيا وبولندا وتشيكوسلوفاكيا (قبل تفككها) وكندا والنمسا، لم يتقوقع في دولة أو قارة معينة، هذا شيء طيب، تنوُّعه.. لم يأتِ هذا التنوع عبثاً، والكُتاب الذين اختارهم كانت لهم أقلام وقفت ضد عبث رأوه فقرروا التصدي لها، لهذا ذُيِّل عنوان الكتاب بعبارة: «رأوا ولم يصمتوا».. لم يصمت المترجم بدوره، وعلى القارئ كذلك أن يقرأ ولا يصمت.
1. بول أوستر:
أسلوب اللقاء رائع، الصحافي ديفيد كوهن وهو يجري حواره مع أوستر لم يكتب (س/ج)، يسأله ويتلقى منه الإجابات كالعادة التقليدية في الحوارات، بل كان يكتب سيرة الكاتب الذاتية ويرصعها بالإجابات، وكأنه ليس لقاءً صحافيًّا، بل جلسة تُشعرك أنك معهما، لستَ مجرد قارئ يقرأ حواراً.. بدا لي أقرب إلى قصة منها إلى لقاء صحافي أو حوار... هذا الأسلوب ليس شائعاً عندنا نحن العرب، لكن يظهر أنه مُتَّبع لدى الغرب.
أعجبتني فكرة قالها أوستر في الحوار: «الحقيقة أنك إذا كتبت عدداً معيناً من الكتب من قبل، فهذا لا يساعدك على كتابة الكتاب الجديد، لماذا؟ لأنك لم تكن قد كتبت هذا الكتاب من قبل، أنت تتعلم كيف تكتبه حين تكتبه وأنت ترتكب أخطاءً، أنا أرتكب الأخطاء دائماً عندما أكتب رواية وعليَّ أن أكشط وأحفر مواداً وأشياء».. هنا إشارة إلى أن كل كتاب يجب أن يكون جديداً، وأن لا يكرر الكاتب كتبه.. وصلت الرسالة؟
2. مارغريت داربل:
أعجبني في مارغريت داربل أنها متمسكة بأدب القرن التاسع عشر، وأنها (تفضل أن تشارك في نهايةِ تقليدٍ أدبي يموت، تكنُّ له الاحترام، على أن تنضمَّ إلى صفوف الطليعة لتقليدٍ لا تحبه)، شجاعة منها وإثبات لقوة الانتماء لمنهج تحبه، بعيداً عن التوجه العام الغوغائي، والموضة التي تفرض علينا ذائقتها وأسلوبها في الكتابة من جانب، والحياة من جانب آخر.
فقط معها أحسستُ أن الحوار حوى مصطلحات فلسفية كبيرة، وأنا لستُ ضليعًا في الفلسفة.
3. دبليو جي سيبالد:
هو أكثر الشخصيات، اعتمادًا على سيرته الذاتية في الكتاب، التي أثارت اهتمامي، شخصيةً وفكرًا وسعياً وعلمًا وتاريخًا مؤثرًا في الثقافة الألمانية، الغريب أن المترجم لم يضع بين أيدينا الكثير من الحوارات عنه، لعله لم يجد، وهذا غريب مع سيرته التي كتبها عنه.
من الميزات التي يتميز بها سيبالد أنه يتعمد بعض الأخطاء في رواياته، كأن يضع الساعة في محطة القطار الإيطالية في اتجاه خاطئ، يرى أن تغيير بعض الحقائق - تكييفًا للعمل الأدبي - مطلوب.. هذا التوجه، على غرابته، لاقى استحساني حقًّا.
4. خوان غويتسيلو:
لم أحب هذا الكاتب، منذ وصف جده بالشذوذ وأباه بالاستبداد، وهو ما عارضه عليه أخوه.. أتفق معه أن السيرة الذاتية تحتاج إلى الكذب، لكن ليس بالطريقة التي يتَّبعها، لا يصل الأمر إلى تزييف الحقيقة.. ثم إنه متشائم ويرى كل شيء من حوله منحلاًّ، ربما بسبب عقد نفسية، قد يكون عانى منها بعد مقتل أمه في الغارة الجوية.. يعضِّد هذا ما كتبه يخاطب نفسه: «قنابل فرانكو هي المسؤولة عن انهيار عائلتك»، وكتب كذلك: «لستَ ابنها، أنت ابن الحرب الأهلية».. لكن هذا لم يجعلني أتعاطف معه.
يشفع له شيئاً ما أنه دافع عن العرب في أسبانيا، ويرى أن الأسبانيين الذين يكرهون العرب لغتهم مزيج من لغات عالمية، أهمها العربية، إذ فيها أكثر من أربعة آلاف كلمة أصلها عربي.. أيضاً وصف بوش بالصفاقة لما فعله بالعراق.
رائعة كلمته: «ينبغي على المثقفين أن يعلنوا موقفهم، ينبغي تحدي السياسيين».
5. مارلين فرنتش:
شخصية قوية نفهم سر قوتها، إذ تربَّت على يدي أم وقفت ضد زوجها تمنعه من استخدام أسلوب الضرب في تربيته، فتعلمت كاتبتنا منذ صغرها كيف تكون قوية لا تخضع لسيطرة الآخرين، ثم كبرت فتزوجت من رجل يدافع عن العاهرات، بعدها أنجبت بنتاً كبرت ليتم اغتصابها وهي في سن الثامنة عشر، بل حتى المحامي لم ينصفها وهو يحاول إقناعها بإسقاط القضية، هكذا نشأت كاتبتنا وفي قلمها حدة وقسوة، سخَّرت قلمها في الدفاع عن النساء.. لكنني شخصيًّا، ألاحظ - اعتماداً على نظرة بعيدة أستشفها من الحوار - أن الكاتبة بعدما كبرت لانت كثيراً.. لم تُكسر حدتها وثورتها، لكنها باتت أكثر لطافة، وهذا طبيعي عموماً في كبار السن.
6. ميلان كونديرا:
أحببته وأحببت حواره، استمتعت كثيراً في كل سؤال وجواب في الحوار.. الرَّجل لا يتحدث عن خصوصياته، منذ البداية نبَّه على أولغا كارليسل أن تبتعد في أسئلتها عن ذاته، وطلب منها عدم الخروج عن مواضيع الأدب، هذا جعل الحوار لذيذاً ممتعاً.
أعجبني أنه حازم في المقابلات الصحفية، بعد صياغة اللقاءات يقرؤها بنفسه ثم يجيز النشر أو يتفق مع الصحافي على التعديلات التي يرغبها.. معه حق، أحياناً يحاورك الصحافي فتقول كلامًا، يعيد الصحافي صياغة الإجابة، لكنها بعد إعادة الصياغة لن تكون تماماً ما عنيتَه، وهذا مجرَّب.
7. ألفريدة جيلينيك:
ترُجم اسمها إلى يلينيك، في حين أن اسمها بالإنجليزية (Jelinek)؛ لذلك بتصرُّفٍ مني أُثبت حرف الجيم.
تعاني كاتبتنا من الفوبيا الاجتماعية، لدرجة أنها حينما فازت بجائزة نوبل رفضت الحضور لاستلام جائزتها من يد ملك السويد نفسه، معللة تصرفها هذا أن سطوع الأضواء وسط الجمهور يشبه (الاغتصاب الجسدي) على حدِّ تعبيرها، وكذلك حينما ذاع صيتها تركت بيتها؛ لأن العنوان صار معروفًا.
تُركز في رواياتها على الجنس والسلطة، وترى أن العلاقات الجنسية في المجتمعات الطبقية نابعة من نزعة سلطوية محضة.
8. نانسي هيوستن:
هي كاتبة متصالحة مع نفسها، تكتب بتلقائية نفسية تعجبني.. تكتب عن الشذوذ الجنسي، خاصة في الأطفال، ليس من فراغ إنما من مشاهدات عاينتها بنفسها في مجموعة من الأطفال.. وفوق هذا تقول عن نفسها إنها لو كانت تملك الإنترنت في زمنها وهي طفلة، ورأت ما يُنشر، كانت ستصير مثلهم، خاصة وأنها - تعترف - في طفولتها كانت تلعب ألعاباً (غير مؤدبة) مع إخوانها والأصدقاء، لكنها ألعاب لم تتطور، هذا يجعل منها - في نظري على الأقل - كاتبة رائعة متصالحة مع نفسها، تعرف ما تكتب اعتمادًا على الحقيقة البشرية، دون تزييف ولا بهرجة مثالية كاريكاتيرية.
بالأمس القريب كنت أتحدث مع أحد المشتغلين في السينما، قال إن الأدب ليس من اللائق له أن يحمل سلوكيات خاطئة أبداً، وعلينا دائماً أن نجمِّل أنفسنا أمام الآخرين.. أحترم رأيه، لكنني أرى هذا ضرباً من التزييف المبالغ فيه الذي لن يصدقه الآخرون، وبدلاً من أن ننقل لهم أننا نعيش في يوتوبيا، سيفهمون من تلقاء أنفسهم أننا نكذب.. نانسي هيوستن صادقة مع قلمها، تنقل الحقيقة الإنسانية التي عايشتها بنفسها، ورغم بذاءته، لكنه الواقع.
الإنسان بذيء بطبعه، ماذا نكتب إن لم نكتب عن حقيقة الإنسان؟
كأنني، بوضعي لسؤالي هذا بعد الفقرات السابقة، أجيب عنه سلفا. وهذا صحيح. لكنه كذلك بعيدا عن تلك الإجابات «الفولاذية» التي رأت في الكتابة وأصحابها لصاحباتها مجرد بيانات احتجاج وتأيد وكشف للمستور (المفضوح، في الحقيقة)، و«شهداء» على طريق تشييد «أهرامات» عصور الأيدولوجيات المحتكرة للحقائق
يقول الألماني دبليو.جي. سيبالد : «��ا اعتقد ان احدا بإمكانه الكتابة إنطلاقا من موقف توفيقي اخلاقيا .»
قال هرمان بروخ، الروائي النمساوي الذي أحبه أكثر من أي روائي آخر : «فضيلة الكاتب الوحيدة هي المعرفة . العمل الأدبي الوحيد الجدير بالوجود هو ذاك الذي يكشف عن جزء مجهول من الوجود الإنساني. أن تكون كاتبا لا يعني أن بشر بحقيقة ما ، بل يعني أن تكتشف حقيقة ما .
_____
خطر لي بان من بين الكتاب الذين تحدثت عنهم بصفتهم يشكلون أهمية كبيرة في تاريخ الرواية، وكذلك ضمن أولئك الذين تحدثت عنهم في مناسبات أخرى رابطة إياهم بتطور الرواية وعلاقتها بتاريخ أي معطى ثقافي، ليس هنالك ذكر لأي أمرأة. صححني إذا ما كنت مخطئا، ولكن ليس ثمة أي تنويه لنساء كاتبات إن في مقالاتك أو مقابلاتك. هل لك أن تنفر هذا؟
- ميلان كونديرا - إن ما ينبغي أن يثير اهتمامنا هو جنس الروايات وليس جنس كتابها. جميع الروايات العظيمة وجميع الروايات الصادقة هي ثنائية الجنس. وهذا يعني بأنها عبرت عن كل من الرؤية الأنثوية والذكورية للعالم في الوقت نفسه. إن جنس الكتاب كأناس ماديين (أجساد) لهو من شؤونهم/ شؤنهن الخاصة.
ما دفعني لقراءة الكتاب هو البحث عن الأستاذ إلياس فركوح بعد موته، وكنت أكن له ولدار أزمنة الأردنية بتجربتها الثرية معزّة كبيرة. عندي له نسخة من رواية "أرض اليمبوس" لم أقرأها حتى الآن، ولكني قرأت له بعض المتفرقات، مقالات وترجمات في صحف. أعجبني في الحوارات اللغة الأدبية الرفيعة في الترجمة، وأعجبني منها الحوارات الثرية مع بول أوستر وزيبالد وكونديرا. اللمحة التقديمية عن الكاتب كانت موفقة أيضا حوار غويتيسولو كان جميلا أيضا وإن كنت لا أتفق مع معظم ما ورد به
سررتُ حقيقة بالتعرف على خلفية بعض الكاتبات النسويات والمناخات التي عايشتها هؤلاء النسويات وتأثيره على أدبهن فيما عدا ذلك لا أظن أن محاور هذه النقاشات الثقافية كانت بذات قيمة للقارئ العربي وحتى كونديرا كان حواره باهتاً نوعاً ما