د. خليل فاضل هو مستشار الطب النفسي والعلاقات الزوجية، مؤسس السيكودراما الحديثة في القاهرة منذ عام 2001، عضو الهيئة الاستشارية العلمية لشبكة العلوم العربية النفسية الزوجية
ولحسن الحظ فإن الإرهاب على بشاعته في نهاية المطاف "لا يظهر من العدم، إذ تسبقه دوماً عملية تطرف، لا تؤدي للإرهاب بالضرورة" لكنها في اعتقاد الباحثين المرحلة المثلى للقيام بالكثير من جهود المكافحة ودحر احتمالية اللجوء للعنف.
ولهذا بنى الكتاب تتبعه للظاهرة ومحاولة فهمهما في تسعة فصول رئيسة سوى العاشر، الذي خصصه لتلخيص أفكار جميع الفصول، فخصص الأول للعوامل الرئيسة المؤثرة في التطرف والإرهاب والعلاقة بينهما، بينما ناقش الثاني الصور النمطية والتعصب والتمييز، بوصفها "تؤدي عادة إلى الحد من التواصل بين مختلف الجماعات، وتفرض نوعاً من العزلة الاجتماعية والشعور بالحرمان لدى جماعات الأقليات".
وتفحص البحث في فصله الثالث التهديدات المرجحة للتطرف والإرهاب، مثل "المظالم المدركة، والآراء السلبية عن الجماعات الأخرى، وعدم اليقين، والخوف، والغضب والإزدراء وسواها"، ثم تابع في الفصل الرابع الدور الذي تلعبه المحددات الثقافية في تعزيز التطرف والإرهاب، إلى جانب المتغيرات الاقتصادية والمناخ الاجتماعي، والأحداث المحفزة، التي تنشط أثناءها عمليات الاستقطاب والتطرف عادة. ولا يغفل الكتاب بعض السمات الشخصية التي اتسم بها المتطرفون مثل السلطوية، وكذلك الخصائص الديمغرافية، مثل الحالة الاقتصادية والاجتماعية والعمر والجنس، وذلك في الفصل الخامس الذي تلاه استقصاء الهوية الاجتماعية والأيديولوجية في السادس، إلى جانب دور الدين والأيديولوجيا في السابع.
أما في الفصلين الثامن والتاسع، فيتابع الباحثان العديد من المتغيرات الفردية والجماعية المفضية إلى التطرف ومن ثم الإرهاب، وسبر الأسباب التي تقف وراء تحول بعض الجماعات نحو العنف أو الابتعاد عنه، ناهيك عن عمليات الانفصال والانشقاقات داخل تلك الجماعات، والبرامج التي تستهدف استصلاح المتطرفين، وبعض العائدين من مناطق القتال، مثل سوريا والعراق وأفغانستان.
وهكذا بدا أن الكتاب الواقع في 492 صفحة من القطع الكبير "أي 4" تطرق لأهم التساؤلات التي تؤرق المشهد العام المنشغل بالتطرف والإرهاب، موظفاً تخصص "علم النفس" في التحليل والاستنتاج.
السياق العام أرجح من العوامل الشخصية
وكان من بين ما توصل إليه أن السياق الاجتماعي، أرجح من العوامل الشخصية في لجوء شخصية ما إلى العنف، ذلك أن "السياق الاجتماعي الأوسع نطاقاً قد يزيد من وتيرة عملية الاستقطاب بين الجماعات، ويسهل ميل الأشخاص والجماعات نحو التطرف ولجوئهم إلى العنف، في حين أن عوامل الشخصية تلعب دوراً متواضعاً بعض الشيء في كل أشكال الإرهاب".
ولاحظوا من بين أغرب الدوافع نحو الإرهاب بين الشبان، غواية الإثارة، وتحقيق الذات، لدرجة أن أحدهم برر تركه تنظيم داعش بأنهم كلفوه بـ"غسل الثياب، وتوزيع الطعام" وحسب، وهو أمر لا يجد له أي معنى. وأظهرت نتائج فحص سير ذاتية للعديد من المنتمين إلى التطرف أنهم من ذوي الحالة المادية الميسورة، لأن الهم الأيديولوجي في مجتمعات عدة يعتبر ترفاً، لا يمكن أن ينصرف إليه المشغول بقوت يومه. كما أن الباحثين وجدوا في الحالة البريطانية أن الزواج وتكوين الأسرة، لا يشجع على لزوم الاعتدال بالضرورة، مثلما هو شائع.
لكن هذا لا يلغي خطر المقارنات المفضية إلى الشعور بالحرمان النسبي، ودورها في التشجيع على التطرف "فالمقارنات تؤدي إلى صور شتى من إدراك الأشخاص أنهم يحصلون على أقل مما يستحقون، مما يوقظ بداخلهم الإحساس بأنهم يتعرضون للتمييز وشعوراً بالظلم، وهنا تكمن المفارقة فإن كان الحرمان يشجع التطرف، فإن ارتفاع المستوى الاجتماعي يزيد من أرجحية التطرف".
إلا أن هذا التناقض في نظر الباحثين يمكن حله من خلال تحديد الأشخاص لأي الجماعات يقارنون أنفسهم، "وقد يكون ذلك السبب وراء كون الأشخاص الأوفر حظاً، أكثر احتمالية للتطرف، فالتفاوت بين وضعهم الاجتماعي والاقتصادي الفعلي، وما يحصل عليه أفراد الغالبية المكافئون لهم غالباً ما يكون كبيراً". ومن هذه الثغرة تسلل داعش إلى مسلمي الغرب، فشكلوا عدداً كبيراً بين جنودها.
ساحة جامعة امستردام في هولندا.jpg ساحة جامعة امستردام في هولندا حيث عمل الباحثان على الدراسة اللافتة. (جامعة امستردام) التجانس بين الأقلية والغالبية مربط الفرس
وتأتي الأصولية الدينية التي كثيراً ما تكون سبباً للعنف في نقاشات الباحثين، قضية ليست دائمة الصدارة، فعلى الرغم من أهمية الدين إلا أن هناك عوامل تسهم بإسهامات مؤثرة. ونقلاً عن باحثين مثل كروغلانسكي وزملائه أن "البحث عن الحيثية أحد تلك العوامل، وقد تلعب عوامل فردية مثل الإثارة دوراً مؤثراً في الميل إلى التطرف والإرهاب". لافتاً إلى أن جماعات مثل داعش وحزب الله اللبناني (عبر الألعاب) تستخدم أفلاماً احترافية لإقناع الأشخاص بالالتحاق بها. "فقد ينظر بعض الشباب في هذه الثقافات إلى القتال بوصفه جواز مرور نحو مرحلة الشباب، وإشباعاً للرغبة في الإثارة والمخاطرة".
ويخلص البحث في نهاية المطاف إلى تأييد "مؤشر الإرهاب العالمي" الصادر في 2014 في تمسكه بأن "المناخ السياسي وتماسك الجماعة هما محددان رئيسان لمستوى الإرهاب داخل أي بلد"، مرجحاً أن تزايد "الوعي بوجهتي نظر الأقلية والغالبية، يساعد في خفض أرجحية الاستقطاب والتطرف، ويساعد أيضاً في وقاية الأشخاص من تبني الحلول العنيفة لتحقيق أهدافهم".
ومع أن المعلومات التي زخر بها الكتاب والتحليلات، يعول عليها الباحثان أن تساعد في نهاية المطاف على "خفض أرجحية الإرهاب، وزيادة أرجحية تبني الأشخاص حلولاً غير عنيفة"، إلا أنهما يقران بأن التحدي لا يزال قائماً، ما لم يصل البحث العلمي إلى أداة تشخيصية لتحديد "الإرهابيين المحتملين"، إذ إن التنبؤ بالأحداث النادرة "مهمة صعبة للغاية". وإلى ذلك الحين تبقى جهود مكافحة الإرهاب ومعلومات أجهزة الاستخبارات الأمنية وجهود القوات المسلحة في احتواء المشكلة، ذات أهمية كبيرة، وإن كانت لا تصل إلى "حل حاسم للمشكلة" في نهاية الاستنتاج عند الباحثين الغربيين.