عُرف بتفانيه الكبير في طلب العلم ونشره، حيث أمضى عمره في التحصيل والدرس والتدريس في مختلف العلوم الشرعية بكل من جامعتي بن يوسف بمراكش والقرويين بفاس، منذ كان فتى يافعا إلى أن استوى عالما مجدا ومجتهدا شغوفا بالاقتصاد الإسلامي الذي ألف فيه موسوعات أبانت علو كعبه ووفرة سهمه في المضامير الفقهية والأصولية، وواسع اطلاعه على سياقات العصر ومقتضياته، كما ألف رحمه الله في حقيقة التصوف وفي علوم ومعارف متنوعة.
هذا الكتاب هو باكورة تجربة صوفية لعدة عقود لمؤلفه بصحبة الشيخ المربي الحاج العباس رحمه الله ثم ابنه من بعده العارف بالله الحاج حمزة لأزيد من 50 سنة. أحمد لسان الحق عالم علامة فقيه من قدماء علماء القرويبن رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته، انتقل إلى حيث سينتقل كل إنسان بعد أن وضع بصمته في هذا العالم بأن ترك كتابا نفيسا يحتاجه كل من أنهكته الحيرة وسط هذا العالم المادي، و كل من يسعى للتعرف على التصوف بعيدا عن المؤلفات النظرية و الكتب التاريخية التي لا يشك صادق أنها أضيف إليها من المخالفين ما أضيف، أو من يتعطش لمعرفة ربه حق معرفته لكنه بدون بوصلة لا يدري أي وجهة يوليها. كما أنه يتضمن الإجابات على كثير من الأسىءلة و دفع العديد من الشكوك و الإفتراءات.
لقد أصبحنا اليوم نعيش وسط عالم تطغى عليه المادة، و حتى من يتصدرون للدفاع عن الإسلام من ذوي الفهم النصوصي و التدين الشكلي صوروا الإسلام لغير المسلمين أنه دين غلظة و قتل و كراهية و نبذ الآخر، مع أن الإسلام رسالة كونية، دين محبة و رحمة و تسامح جاء للعرب و غير العرب. في هذا الصدد يقدم مؤلفه التصوف كحل لمشاكل البشرية كونه يعمل على إصلاح الفرد و جعله وسيلة لنشر المحبة و التسامح، و في هذا السياق ذكر شيوخ التصوف: (التصوف كله أخلاق، فمن زاد عليك بالأخلاق، زاد عليك بالتصوف)، و قال أيضا الفقيه المغربي أحمد بن عجيبة: (التصوف علم يعرف به السلوك إلى حضرة ملك الملوك، و تصفية البواطن من الرذاىءل، و تحليتها بأنواع الفضاىءل، و أوله علم، و وسطه عمل، و آخره موهبة). و قد أوضح حاجي خليفة أن علم الحقيقة الصوفية ليس من نصيب الغافلين و العقلانين و الجاحدين. و إنما من نصيب الذاكرين من أصحاب المشاهدات القلبية، و البصاىءر النيرة المفتوحة، فقال نظما:
علم التصوف علم ليس يعرفه ... إلا أخو فطنة بالحق معروف و ليس يعرفه من ليس يشهده ... و كيف يشهد ضوء الشمس مكفوف؟
ليست العبرة بمن سبق إنما العبرة بمن صدق، فهذا الكتاب يحتاجه كل صادق باحث عن الحقيقة الصوفية القلبية و التخلص من ظلمانية النفوس و علاىءق القلوب حتى يصير القلب صالحا للحضرة الربانية و يفوز صاحبه بالمواهب الإلهية، و هو بحق من الكتب التي لن يعي ما بين دفتيه إلا من قرأه بقلبه و ليس بالعقل و المكابرة و الجحود و ادعاء العلم و الفهم.
يعتبر هذا الكتاب حجة وعمدة ونبراسا للفقير في مسيرته إلى خالقه جل علاه، حجة على أعداء التصوف وعمدة في تأصيل طريق القوم ونبراسا في السير والسلوك. ويعتمد هذا الكتاب على أبواب وفصول بنيت بقوة المتن ودقة التحقيق تجعل القارئ يعتبره دستورا يعتمد عليه.