يشتمل الكتاب على مجموعة من الأبحاث العلمية في مجال اللسانيات الحديثة، تتنوّع بين المستوى الصرفي والنحوي والدلالي وتحليل الخطاب.0 يقوم البحث الاول على افتراض أن أزمة اللغة العربية هي جزء من مشكلة أعمّ، هي مشكلة التخلّف، وقد صنفناه في خمسة أصناف: الجزمية الفكرية، عاطفية التفكير، التفكير المتمحور حول الذات، التواصل الفكري، وسطحية التفكير.0 ويتناول البحث الثاني ظاهرة الإحالة بوصفها أهمّ العلاقات التي تربط العناصر اللغوية بعضها ببعض، وتعمل على تماسكه.0 وفي البحث الثالث يعالج مشكلة الخلط بين المورفيم والكلمة في اللغة العربيّة، كما يتطرّق إلى نزوع بعض الباحثين في اللسانيّات العامة إلى التقليل من أهمّيّة الكلمة في التحليل اللغوي.0 أمّا البحث الرابع فقد تطرقنا فيه إلى مسألة تأويل الأعداد، إذ على الرغم من أنّ أغلب الناس لا يشكّكون في أهمّيّتها في المخاطبات ؛ ولكنهم لا يدركون المصاعب التي تكتنف تأويلها، وإدراك مدلولاتها.0 أمّا في البحث الأخير فقد تعرّضنا لتفريق شهاب الدّين القَرافي بين الدلالة باللفظ و دلالة اللفظ .0 ويُعدّ هذا العمل لبنة متواضعة في سياق محاولة أكبر حجماً وأكثر طموحاً وشمولاً يقصد بها الإسهام في تأسيس علم للتخاطب الإسلامي في تراث العربية.0
دكتور في اللسانيات من جامعة إدنبرا ببريطانيا رئيس قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الشارقة أُستاذ اللسانيات المشارك في جامعة الشارقة درَّس في جامعة الفاتح في طرابلس، وجامعة إدنبره في بريطانيا، وجامعة زايد، وجامعة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة
تصحيح وردني: علم الدلالة الأصح أن ما يقابله هو مصطلح سيمانتك semantics وليس سيميائية semiotics --
فلسفة اللغة التي توجهت لها الفلسفة الغربية الحديثة، لها جذور عريقة في إرثنا الإسلامي العربي... فحضارتنا الإسلامية حضارة نص كما يصفها محمد يونس علي، مما جعل علماء المسلمين يولون عناية هائلة فيما يتعلق بفقه اللغة و فهم النص... بحيث لا تملك إلا أن تذهل مما في إرثنا اللغوي و تطوره حين المقارنة بين المناهج اللسانية الإسلامية و تلك الغربية... و لكن نظرا لصعوبة هذه المباحث و دقتها، فلا يتم الحديث عنها كثيرا... و هذا الكتاب الذي قرأته (قضايا في اللغة و اللسانيات و تحليل الخطاب) هو عبارة عن خمسة أبحاث:ه
· البحث الأول عن أزمة اللغة العربية في الوقت الحاضر و الذي منشؤه التخلف في العقل العربي المعاصر كما يرى مؤلف الكتاب... فاللغة في نهاية المطاف هي وسيلة للتواصل، و هي مرتبطة بمستخدميها... فكل ما تخلف الأفراد تراجعت اللغة، و كلما تقدموا أبرزوا إمكاناتها، و خاصة إن كانت لغة ثرية كالعربية... و بعد توصيفه للمشكلة، قدم بعض الاقتراحات كحلول للنهوض باللغة العربية
· البحث الثاني عن ما الذي يجعل اللغة متماسكة و يربط بين العناصر اللغوية في النص... و عن اعتناء علماء التراث بمعاملتهم للقرآن الكريم بأنه وحدة مترابطة، " فيقول الفخر الرازي عنه: إن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات و الروابط" ص51 و الجدير بالذكر بما أني مبحرة مع التفسير الكبيرللرازي منذ سنوات، فإنه يعتني عناية هائلة في ذكر الروابط بين كل آية و أخرى بل و ارتباط أول الآية بآخرها بالإضافة إلى مناسبات ترتيب السور
· البحث الثالث و هو عن مفهوم الكلمة و بنيتها في العربية، و هذا المبحث وجدته عجيبا و لذيذا، إذ تكتشف مدى صعوبة تعريف الكلمة، فما هي الكلمة؟ هل خطر لك هذا السؤال يوما؟ تتعدد النظريات اللغوية حول تعريفها بحسب معايير مختلفة، و أيضا الاختلاف من لغة لأخرى بحسب خصائصها، بل الطريف أن هناك من ينكر أهمية الكلمة بشكلها المجرد، لأن ما يعنيهم هو السياق و ليس الكلمات المجردة، مثل ابن القيم الجوزية الذي اعتبر اللفظ المفرد المعزول عن القرائن صوتا ينعق به، و مالينوفسكي Malinowski الذي اعتبر الكلمات المعزولة وهما لغويا
· البحث الرابع في تأويل الأعداد، و أيضا يفاجئك هذا المبحث في ما يمكن أن يدل عليه العدد المذكور في نص ما، و الصعوبات في تأويله، و مدى الاختلاف في النظريات حوله، (لا أقل، لا أكثر، في الأقل، في الأكثر، التقريب أو التكثير)... ثم يقترح ما يحاول أن يضبط تأويلها
· البحث الخامس عن الإمام القرافي _و هو فقيه و أصولي مالكي من القرن الثالث عشر الميلادي_ و تفريقه لمفهومي الدلالة باللفظ و دلالة اللفظ (يعني الفرق بين استخدام المتكلم للفظ و بين فهم المخاطَب له)، و أثر هذا التفريق على عملية التخاطب... و هنا يكشف عن اهتمام هائل و دقيق من قبل علماء أصول الفقه لدراسة اللفظ من حيث الوضع (أي في أصل اللغة) و من حيث الاستعمال، و يفند محمد يونس ما قيل من أن بول غرايس و ديفيد لويس David Lewis و Paul Grice المحدثين هما أول الفلاسفة الذين لفتوا الانتباه لهذا الفرق بين الوضع و الاستعمال، فهناك تراث هائل لدى علماء الأصول المسلمين قد اهتموا بالموضوع من قرون... داعيا ببحثه إلى تأسيس علم للتخاطب الإسلامي، مبنيا على تراث علماء الأصول، هذه الدعوة التي تبلورت في كتابه الرائع علم التخاطب الإسلامي... و بما أن الشيء بالشيء يذكر فإنه لا يمكنني ذكر الإمام القرافي دون استحضار معلومة ظريفة عنه حاضرة في ذهني دائما، حيث كان ماهرا بصناعة التماثيل المتحركة، فصنع شمعدانا يتغير لونه كل ساعة و حين الأذان يطلع شخص أعلى الشمعدان فيؤشر للأذان من دون كلام، لأنه اعترف بعجزه عن صنع تمثال ناطق، بينما هناك من نجح بذلك كما بلغه، و اللطيف أنه ذكر هذه القصة عن نفسه في معرض حديثه عن اللغة و عن إمكانية صدورها من غير عاقل في كتابه في أصول الفقه (نفائس الأصول في شرح المحصول)...ه
أما عن مؤلف كتاب القضايا هذا، فهو عالم اللسانيات الليبي محمد محمد يونس علي و هو ثالث كتاب أقرأه له... ه فالكتاب الأول كان: المعنى و ظلال المعنى؛ أنظمة الدلالة في العربية و الكتاب الثاني: علم التخاطب الإسلامي؛ دراسة لسانية لمناهج علماء الأصول في فهم النص (و علم الدلالة أي سيمانتك هو الذي يدرس معاني الكلمات و الجمل بمعزل عن السياق... أما علم التخاطب أي البراغماتية أو التداولية هو الذي يعنى بدراسة اللغة في علاقتها بالسياق)ه و له كتب أخرى عبارة عن مقدمات ميسرة (الميسر في فقه اللغة) و (مقدمة في علمي الدلالة و التخاطب) و (مدخل إلى اللسانيات) لكني لم أطلع عليها بعد...ه أما لماذا أحب القراءة له: ه 1- لأن أسلوبه سلس جدا (سهل ممتنع)، و براعة الأسلوب في مثل هذه المواضيع الجافة و الصعبة موهبة من الله 2- لأنه يجمع في كلامه بين النظريات اللغوية الغربية الحديثة، و بين نظريات علماء التراث في اللغة و أصول الفقه... تشعر بأنه متشبع بالفهم لكليهما، بحيث يقارن بينها ببراعة 3- حين يستحضر عبارة الأصوليين الصعبة و الدقيقة، فإنه يشرحها و يقربها بمفاهيم معاصرة 4- و بعد أن يذكر الآراء، ناقدا لبعضها و مؤيدا لبعضها الآخر... يقدم رأيه مدعما إياه بأدلة... بل و يقترح مقترحات لفتح أفق الدراسات 5- هو من المجددين للتراث الذين ينطلق في تجديده من التنقيح و البناء على، و ليس من الهدم و التفكيك... و هذا نوع التجديد في التراث الذي أثمنه... لأنه قائم على فهم للمادة المدروسة و مصطلحاتها مع منهجية و دقة عاليا و أخيرا حب للتراث 6- لأنه من المؤلفين الذين اكتشفتهم بنفسي، فلم ينصحني به أحد و لا قرأت عنه قبلا حين اشتريت أول كتاب له، مثل اكتشافي الذاتي لـ سوزان سونتاغ... و لا يمكنك إنكار الشعور المدغدغ بالفخر بنفسك كلما قرأت للمؤلف البارع الذي اكتشفته وحدك، و أن حدسك القرائي كان مصيبا
و أخيرا ربما يظن ظانّ _و كثير من الظن وهم_ أن المتعة لا تعرف طريقا لمثل هذه المواضيع، و لكن من لم يذق لن يعرف، فلهذه المواضيع متعة فكرية خاصة لا يدركها إلا ذواقة الكلمات، فهي تريك إمكانات اللغة و توسع أفقك تجاه الكلمة و كيفية النظر إلى النص و أساليب التخاطب، بحيث أن النشوة تغمرك و ينعقد لسانك كلما غصت في التأمل في ماهية هذا البيان الذي وهبه الإنسان... شي عجيب و مبهر... كما أنها تجعلك نيقا يصعب إرضاؤك بسهولة حين تقرأ كتبا أخرى...ه إن لم تصدقوني فجربوا بأنفسكم...ه
--- الصورة: الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان - خط محمد إبراهيم
ثاني كتاب أقرؤه للدكتور محمد محمد يونس علي. عبارة عن مجموعة من الدراسات المتعلقة باللغة واللسانيات، تحديدًا خمسة، حسبما هو مذكور في وصف الكتاب. مواضيع الكتاب قرأت عنها سابقًا بشكل مبسط، لكن لم أصل فيها لدرجة أعلى من الفهم، وذلك إما لاختلاف الترجمة لبعض الكلمات فيصعب حينها الربط بين المفاهيم. لكن المميز في مؤلفات الدكتور محمد أنه لا يتطلب الأمر فهمًا عميقًا للموضوعات، فشرحه يجمع بين الحديث في اللسانيات الغربية، والتراث الإسلامي العربي، يتميز بوفرة الأمثلة والاقتباسات من القرآن والسنة النبوية وعلماء المسلمين بشكل عام. أتطلع لقراءة بقية مؤلفات الدكتور قريبًا، أعاد هذا الكتاب الصغير لي رغبتي في القراءة، قد يكون هذا هو أول كتاب أنهيه خلال الفترة الفائته.
استمعت لمحاضرة "نظرية المجاز عند ابن تيمية وتحييد ثنائية الوضع والاستعمال" للدكتور محمد محمد يونس على اليوتيوب -وهي محاضرة قيّمة بالمناسبة- ثم عزمت على قراءة نتاج الدكتور العلمي فابتدأت بهذا الكتاب. ابتدأ كتابه بمبحث مهم وهو مشكلة التخلف في العقل العربي المعاصر وعلاقة اللغة بهذا التخلف. وفي الكتاب جمع لمقالات الدكتور وهو ممن يعمل على المقاربة بين اللسانيات الحديثة وعلم أصول الفقه باعتبار أن أخص خصائص علم الأصول هو فَهَم النص، وهذا من الأهمية بمكان في هذا العصر مع فساد العقول والألسنة، إذا ليست العبرة بوجود النص -أعني النص الشرعي- فهو متوفر لكل أحد، وإنما الفهم الصحيح لهذا النص ودلالاته الظاهرة والخفية. المبحث الأخير الفرق بين دلالة اللفظ والدلالة باللفظ من أهم مباحث الكتاب وفيه إضافة علمية جديدة. الدكتور يكتب بسلاسة ووضوح مع دقة المسائل التي يخوضها ونسبة التجريد فيها.