.. وفي يوم قارس، وفي تمام السابعة صباحًا بحوش سجن الواحات الخارجة، نتراص جميعًا في صفوف على حصى أرض مغمورة بندى الشتاء وأرجل حافيةوأجساد عارية، وجدت نفسي أسرح مع خيالي إلى خارج السجن.. إلى زوجتي وأبنائي الثلاثة.. والأم.. والأخت.. والعائلة.. والمنزل.. والحي.. والمدينة. وأحسست بغصة تدمي قلبي وكأنها قبضة حديدية موحشة تضغط على شرايين الفكر والقلب، فالحنين أوجاعه تمامًا كأوجاع الجسد بل وأشرس منه.
اول كتاب اقرأه عن سجن الواحات و فيه تفاصيل مهمة و لكن للأسف الأفكار غير مرتبة و بعض المعلومات و الأشياء سقطت سهوا بسبب الكتابة المتأخرة للأحداث. تقرأ بدهشة عن أناس أيدوا ثورة الضباط الأحرار و أيدوا عبد الناصر ليزج بهم في النهاية في السجون وسط التعذيب و المعاناة ! حوى السجن جميع الفئات : الشيوعين و الأخوان المسلمين و الرأسماليين كما حوى عدد كبير من كتاب و مثقفي مصر في تلك الفترة ! بدأ تهاوي الديمقراطية في سنة ١٩٥٩ و شمل السجن جميع الأجناس و لكن كان هناك تفرقة في المعاملة أثناء السجن و عند الخروج أيضا حيث فقد هؤلاء أعمالهم و مصدر رزقهم بينما عاد الأخوان الى أعمالهم بكل سهولة و استلموا مرتبات و علاوات عن الفترات التي قضوها في السجن. من أصعب المواقف حين واجه الكاتب المسؤول الأول عن السجون و التعذيب .. واجهه بكل ما قاسى هو و زملاءه و طرده من مكتبه . ما أقسى الحياة !
بحثت طويلاً عن هذا الكتاب مطبوعًا، لا أحب القراءة بصيغة PDF، لكنني لم أجده في أي مكان. بحثت عن الكاتب نفسه لأعرف بعض المعلومات عنه، وكأنه لم يكن موجودًا. رغم أنه ذكر في كتابه علاقاته، وعمله في الصحافة، وتدريسه في المنوفية، إلا أنني لم أتمكن من العثور على أي شيء عنه. اضطررت إلى قراءة الكتاب من هاتفي، ولم أكن أتوقع أن أذوب في تفاصيله بهذا الشكل.
أسلوب صليب إبراهيم في السرد ساحر، واختياره للكلمات بسيط ومؤثر. أحببت كيف لم يسلط الضوء فقط على تجربته الشخصية، بل ذكر كل من كانوا معه في المعتقل، مثل فؤاد حداد (الذي كان الأبرز بينهم)، والكثير من المعتقلين الذين كانوا أصحاب مكانة، علم، وفكر، ونضال.
قدّم تفاصيل دقيقة عن السجن من بداية عام 1953، عن الحجرات، الطعام، الشراب، وأحداث الثورة. أراني وجهًا لعبد الناصر لم أكن قد سمعت عنه من قبل. استمتعت بالقصائد العديدة التي تخللت الكتاب، ولامسني حسّه الفكاهي، لكن أكثر ما شدني هو صدق كلماته.
ما أشبه اليوم بالبارحة، فالزمن لم يتغير كثيرًا يا عزيزي صليب. ما زالوا يعتقلون الناس بسبب منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى أبسط الأمور التي تمس الدولة أو غيرها. شباب اليوم يتعفنون خلف قضبان سجن أبو زعبل وغيره، الفرق الوحيد أن الزمان قد مضى على تلك السجون، التي كنت تسكنها وهي حديثة البناء.
ومن أقواله المأثورة التي تركت أثرًا عميقًا:
“إن سكتَّ، متَّ . وإن نطقتَ، متَّ. فقلها… ومُت.” وصدق قوله (تجارب الشعوب هي أثمن ما نمتلك من ثروة ، فالماضي والحاضر والمستقبل كل متصل) واقتبست منه مقولة (فالإنسان إرادة واعية تختار فتلتزم فتتحمل المسؤولية)