الحرية كلمة جميلة أخّاذة اكتسحت العالم بأسره; فمن مغردٍ يدعو إليها, ومن مطالبٍ بها يُنشدها, ويبذل دمه في سبيلها. والسائد في هذا العصر منها هو مصطلح غربي تبلور في الثورة الفرنسية, ودُعيَ العالم كله إليه, وتريد القوى العالمية من فرضه السيطرة على الأمم وأديانها وثقافاتها, وعولمتها على وفق الأنموذج الغربي في فرض حرية مطلقة. وهذا البحث يثبت أنه لا حرية مطلقة البتة إلا عند من يقول بالمذاهب الفوضوية التي تلغي الأديان والأخلاق والقيم والحكومات وجميع الأنظمة بحجة أنها قيود تقيد الإنسان وهي مذاهب نظرية; لم يُعمل بها, ولا يمكن العمل بها. وبالتالي; فإن لكل أمةٍ من الأمم مفهومها للحرية, وتستمد قيودها من قناعتها بدينها أو أخلاقها أو أعرافها. وتكون هذه القيود قليلة عند أمم, كثيرة عند أممٍ أُخرى. وهذه الرسالة جاءت نقداً للحرية بالمفهوم الغربي, ونقضاً لها من أساسها بنصوص الكتاب والسنة بفهم كبار المفسرين من علماء الأمة في سالفها وحاضرها, وكشفت عوار من انساق وراء فكرة الحرية من بعض المفسرين والمفكرين المسلمين, بعرض حججهم ومناقشتها, وبيان تهافتها, وكشف خطئهم في التعامل مع الأدلة, وقابَلَت الحجة بالحجة على أساس من الموازنة الصحيحة, والنقد الصريح.
جعلني هذا الكتاب أدرك مدى التأثير الذي أحدثته فينا الأفكار الغربية و القوانين العالمية، حتى أصبح بعض العلماء و المفكرين يحاكمون الدين إلى تلك الأفكار، فما وافقها هللوا له و أدعوا أن الإسلام سبق إليه، و ما خالفها تأولوا له النصوص و الأحكام، وربما أبطلوها، دفاعاً عن الإسلام حيناً، و حيناً كيداً له.
و الأمر كما قال المؤلف " وعلى كل حال فإنه لا يحق لأحد أن يلغي شيئاً من دين الله تعالى بدعوى الدفاع عنه. ولا يجوز له أن يخجل من شيءٍ شرعه الله تعالى و لو كانت قوانين البشر على خلافه، و من صدق مع الله تعالى أعانه سبحانه في رد الفرية عن الإسلام دون أن يمسخ شيئاً من شريعته، أو يتلاعب بأحكامه. "